بحذرٍ شديد، وفي ليلة معتمة لا قمر فيها، تسلّلوا من خلف البيت، نزلوا من المدرّجات المزروعة بأشجار الرمّان والورد باتجاه الوادي، حيث أشجار الجوز والتين المتشابكة، ثم صعدوا إلى جهة أخرى، سائرين خلف الرجل نحو طريق جبليّ آخر. وبعد أن قطعوا مسافة قصيرة، اعترض طريقَهم أحدُ العساكر، أشهر بندقيته نحوهم، تسارعت دقّات قلوب الصغار، ضمّت جوخة طفلَها الصغير النائم على حضنها، وأرخت عليه اللحاف، تنازعتها الهواجسُ بأنهم قد يتعرّضون لخيانة أو أن يكون الرجل باعَهُم للجيش، وربما يُقْتَلون جميعاً ولن يعرف أحد عنهم شيئاً، ففي هذه الأيام العصيبة اختلطت الأمور، وما عادوا يعرفون الصديق من العدوّ، الصادق من الكاذب، الثائر من الخائن، وقد يبيع الإنسان أخاه بكسرةِ خبز، لكن جوخة تعلّقت ب&
رواية البيرق (سراة الجبل) لمت شملها في حكاية تناغمت مع سابقتها البيرق (حارة الوادي)
فن حضوري قوي للكاتبه العمانية شريفة التوبية في سطورها المتوهجه ببارود الحرب.
ابنية الرواية مبنية من اسقف الجبل والوادي وآلام ساكنيها ،تراجيديا عزفتها على اوتار قلوبنا.
سرد درامي محنك وتصورات لم نكن نعيها باتت أمام عيني القارئ في مشهد مرسوم وحيوي. وهذا حال الحكايات العمانية الباقية والمدفونة في ذاكرات شخوصها لم تجد ذاك الذي يأخذ بها في سطور الكتابة.
وقع احداث الرواية يلامس وجدان كل عماني وفي هاجس كل عربي في آلامهم وآمالهم.
تشعر أن شخصياتها هم أهلك وأقاربك وجيرانك تفرح لفرحهم وتبكي ألماً لمصابِهم.
تأخذ بك الرواية الى رائحة الياسمين والصندل والورد والى اصوات الليل والمطر وقنابل الطائرات. مشاعر مختلطة ببن حزن وضحك وخوف وترقب.
الروائية تجذبك نحو أفكارها بتنقلات شيِّقة وحوارات بلهجة عمانية متضمنة على حكم وأمثال وقيم مجتمعية ومونولوج تسرح به في خيالات شخصياتها.
انتظر البيرق الثالثة بكل شوق ولهفة لما آل إليه الحال.
رجعت للقراءة بعد توقف، وليس أفضل ما أبدأ به مثل كتابات وكتب الاصدقاء، وعلى الرغم انني انهيت الجزء الأول منذ مايقارب السنة والنصف ارجع للجزء الثاني ( سراة الجبل) وكلي شوق للشخصيات التي صاحبتنا في ( حارة الوادي) لنعرف مثلاً ماالذي حدث لناصر بن حمد من قتله وهو الشجاع المقدام، (وعويدة ) تلك المرأة المحورية في الثلاثية التي رجوت شريفة أن لا يمسها خيالها بسوء اذ لا أتوقع أن تستمر الأحداث بدونها، ونفافة وحمود وناصر الصغير الكفيف، وحمدان، وصالح وحتى لا ادخل للشخصيات دون ذكر الحقبة الزمكانية والهدف المحوري لها فالثلاثية تحكي احداث حرب الجبل، وكل ماله علاقة بتلك الاحداث ليس على المستوى العسكري فقط بل كل جوانب تلك الحقبة والمكان تحديداً الجبل وما حوله كمنطقة ريفية بسيطة فتجدها في التعليم المقتصر على مدارس القرآن، والعاطفة في مشاعر حمود ونفافة، والطمع والحرص في شخصية مرهون ، الرزق وطلبه واضطهاد القرية والتعصب في شخصية ، والكثير من المشاعر اهمها والكثير منها وفي اكثر من شخصية الشجاعة وحب البلد لكن الملفت جداً لي شخصياً شخصية المرأة في الرواية (عويدة ) كشخصية اساسية شجاعتها، قياديتها أو ( طويرة) التي أعجبت بشخصيتها جداً فهي الى جانب أنوثتها كما صورتها الا انها قناصة ومقدامة وشجاعة وحواراتها جميلة
( نفافة) وحساسيتها العالية للحب والجمال والعائلة والاشخاص ( جوخة) وبناتها أكاد اشعر بضحكاتهن المكتومة المرحة عكس والدتهن الحريصة جداً في امومتها وقيادتها لأهل بيتها ، حتى (سالمة) كم جاهدت خيالي لاتخيل مجاهدتها لتكون بديلاً لخديجة ومناسبة لشخصية مجاهد كصالح، بل حتى( جندب) التي اصبحت ( جرادة ) والتي نمت شخصيتها بشكل مختلف وأتوقع لها دور في تسلسل الاحداث وملاحظ جداً استخدام شريفة للهجة المحكية في الجبل تحديداً وجمال المصطلحات واللزمة في حديث اكثر من شخصية
كل احداث الرواية تأخذني لبركة الموز وحارة العقر - التي أحب- على الرغم انها لم تذكر ذلك ولم تحدد ماالمقصود بحارة الوادي ، واحاول جاهدة أن اتخيل الجبل الذي لم ازره حتى اليوم واتخيل مقدار معاناة الناس في تلك الحقبة وخوفهم وجهادهم وشجاعتهم ومشاعرهم اعتب فقط لطول الحوارات في الشخصيات الغير اساسية ولموضوعات ثانوية الا إذا كان لها دوراً واضحاً في تسلسل احداث الرواية في الجزء الثالث واخيراً قلتها لشريفة ( انت هنا مختلفة تماماً واعتبر البيرق افضل ماكتبت) وليس غريباً فهي ابنة الجبل ولن يجيد الكتابة عنه مثل أهله