كتبت المقالات المجموعة بين دفتي هذا الكتاب في الفترة الممتدة بين سنتي 2009 و 2014 ، فكانت أول حبر يسيح على الورق ومن محبرتي نثرا صرفا، وأول لقاء لي بفن المقالة الممعن في الصعوبة؛ الفن الذي لا يمنحك أقله حتى تمنحه كل ما في كيس قراءاتك وما في مخلاة زادك. هي كتابات تركتها على صيغتها وصورتها الأوليين دون إعمال القلم فيها لا بالإضافة و لا بالتهذيب، كالمومياء تخرج من تابوتها لا تمس إلا بمشارط معقمة وقفازات طبية.
متن الكتاب مكتوب و مجموع على الشجية لا على المنهج الأكاديمي، إذ ألحقت بالمقالات رسالة أدبية و بضعة حوارات وقراءات واهنا وهنالك، راميا إلى رفد الحرف بالحرف والفكرة بالفكرة والمعنى بالمعنى، ففي آخر المطاف الفكر الإنساني كل واحد وإن تعدد لونا وشكلا، ولولا أن سبقني بهاء الدين العاملي لوسمت الكتاب بالكشكول... وليعذرني الأكاديمي، صاحب المنهج الصارم، الخبير في الترتيب والتبويب على هذه الفوضى "الأدبية"، فلست ممن وطئت قدماه الجامعة ، ولست ممن عرف ما تزعمه محاريبها وما تدعيه، ولا بدع في أن يكون على الجاهل و على الغافل غرم أو حريجة أو معرة...
اللقاء الثالث لي مع الكاتب بعد طلقات بنادق فارغة و مدرس تحت الصفر. يحمل الكتاب بين دفتيه مجموعة من المقالات التي دونها الكاتب في الفترة الممتدة من ٢٠٠٩ إلى ٢٠١٤. المقالات كلها جميلة، وقد كتبت بلغة عربية فصيحة، وجلها يحوي إضافة إلى تأملات وأفكار الكاتب اقتباسات من الكتب التي اطلع عليها في موضوع المقالة. أعجبني بشكل خاص السؤال في : أما زالت سوس عالمة، والنداء في : أيها الكبار دعوا الصغار يكبرون !، و الإعتذار في : عذرا لقد أخطأت القناة يا أمي ! كما استمتعت بالحوارات في خاتمة الكتاب. داخل كل منا إنسان بدائي وفي كل منا شيء من جاهلية، ووحدها الأزمات من تظهر صورتنا الحقيقية بلا مساحيق التجميل. إن كنت ترى غير ذلك فستبدي لك مقالة الأزمات والبدائي الذي يسكننا ما كنت جاهلا.