هل كان هذا المُغنِّي الصعيدي العفي الذي لا تخفَى رجولته، بل خشونته، يطوي هيكل جسمه وثيق الأيْدي على دلالٍ نسويٍّ مُضمَر ومنصهر في بوتقة ذكورته المتأجِّجة؟ عندما تغني بجمال المحبوبة، سواء كانت امرأة أو وهمًا، كان عوده يهتزُّ بنشوة المطارد القنَّاص الصائد، وكأنما كان يهتزُّ أيضًا بنشوة الطريدة التي وقعت في الشِّباك عندما اخترقها السهم النافذ إلى الصميم
يصوغ الخراط هنا بلغة صعبة ، متكاملة ، دقيقة ، رقيقة ، مكثفة ، وسخية ، محاولة محمومة لسبر أغوار الأماكن التي مر بها زيارةً أو نشأة . وفي هذه المجموعة المتفردة من التفاصيل الواقعية ، والموزعة سرداً بين السيرة الذاتية والرواية المجزأة قصصاً ، يدخل الخراط في تجاويف لُغوية لا يعرفها إلا الكتاب الحقيقيون ، تلك التجاويف التي قد تؤدي إلى الهذيان ، أو إلى الضياع وبعض الفصام ، قد لا يجدها البعض قراءة سهلة ، لكن في نهايتها ستترك فيه حتماً أثراً ما .