إن كتاب "الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي" الذي نقلب صفحاته، يقدم سبقاً فكرياً وفقهياً، ليس جديداً للإمام الشيخ شمس الدين، الذي كانت محاولاته دؤوبة لإظهار تفوق المدرسة الإسلامية الفكرية، على المدارس الفكرية الأخرى سواء كانت قديمة أو معاصرة دينية أو علمانية يواصل الإمام شمس الدين في هذا الكتاب ملء مناطق الفراغ التشريعي، مقدماً من موقعه الريادي الفقهي إسهامات فكرية فقهية تتناول مسألة الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، وذلك ضمن مجموعة من محاضرات ومقالات الإمام شمس الدين، والتي ألقاها في مؤتمرات وندوات ومناسبات مختلفة جمعها هذا الكتاب بين دفتيه، وألف بين تفاصيلها موضوع واحد هو موضوع الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي.
وبالرجوع لمقالات الكتاب نجد أنها تحمل العناوين العامة التالية: نظرة عامة في الأصول، بداية وضع علم الأصول، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، مقاربات في الاجتهاد والتجديد، مجال الاجتهاد ومناطق الفراغ التشريعي، في رحاب الإمام، جعفر الصادق (عليه السلام) المرجعية والتقليد عند الشيعة، الحوزة العلمية والحركة الإصلاحية، مرجعية المستقبل آفاق وأبعاد في مرجعية الإمام الحكيم، الإسلام والاجتماع السياسي المعاصر، المراجعة والتصحيح في مسيرة التجديد، الحرية وقضايا حقوق الإنسان، حول المنهج، التشريعات الصحة النفسية في الشريعة الإسلامية الأمراض العقلية والصحة النفسية. ومما تجدر إشارته هو أن بعض هذه المحاضرات كانت قد نشرت سابقاً في كتاب جاء تحت عنوان "التجديد في الفكر الإسلامي" إلا أن ما يميز الكتاب الذي بين أيدينا هو أضواءه على محاضرات من الكتاب السابق ذكره وعلى أخرى جديدة لم تنشر بعد.
الثلاث نجمات مختصة فقط في الابحاث التي دل عليها عنوان الكتاب ,, وفيما عداها ماكان سوى عدة مقالات وندوات ومحاضرات للشيخ تم تجميعها تحت هذا العنوان وإن كان بعضها لايمت للعنوان بصلة.
الامام الراحل محمد مهدي شمس الدين الجزيني العاملي - أحد طلاب السيد محسن الحكيم والسيد أبوالقاسم الخوئي وكان الرئيس للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان-,يتميز بأنه صاحب فكراصلاحي , حيث يتناول في كتابه الطريقة السائدة في الاستنباط الفقهي وطرق تعامل الفقهاء على مر العصور مع أصول الفقه كمادة تشكل أرضية خصبة للاجتهاد الذي يعطي مرونة للشريعة - على أنه يحدد ذلك الاجتهاد الذي يتبع الآليات الاصوليةالمستمدة من الكتاب والسنة لا المعتمدة على الرأي والاستحسان والقياس.
هو يوجه نقدا لطرق تعامل الفقهاء مع أصول الفقه - المادة التي يسميها- علم المنهج - حيث إن الطريقة التي يتم بها الاستنباط منذ عصر الطوسي إلى العصر الراهن تتميز بالجمود وجل ماحدث من تغيرات كانت تغيرات شكلية , ويدلل على ذلك بأنه تغير المنهج هو الذي يؤدي إلى تغير في النتائج وهو الشي الذي لم يحصل
كما أنه ينتقد دخول الابحاث الفلسفية والكلامية في مادة أصول الفقه ,, وهي الابحاث التي أعطت عمقا داخليا للأصول بما أخرجها من الهدف المرجو منها , بحيث أصبحت دراسة الأصول غاية في نفسها بما يجعل الفقيه يستهلك أبحاثه في فروضات تجريدية بدلا من مواجهة الامور الواقعية.لذلك فإن الهدف من علم الأصول ليس سبر الغور عمقا في التجريد , بل هو في إيجاد الحلول التي تلامس أرض الواقع
علما انه أبدى وجهة نظره من حيث صحة القول -بالتجديد- وهو لا يوافق على هذا المصطلح ولكن يطرح بديلا له مصطلح تثوير الشريعة.
يواصل إنتقاده بالقول إن جل مايتم استنباطه هو مختص بدائرة الفرد الفقهية في مقابل إهمال للجوانب الاجتماعية ولطرق تعامل الانسان مع الطبيعة .
وقد أعطى نظرة تحليلية مميزة فيما يخص عنوان المرجعية , وأصل وجودها ومدى إنطباق المصطلح على الواقع وهل يوجد لذلك أصل في الشريعة
طوال قراءتي للكتاب كان في استحضاري كتاب السيد محمد حسين فضل الله-قدس-وكلاهما يتناولان نفس الموضوع ,, ولكل منهما له فكره وبحثه وأسلوبه المميز , حيث كان السيد محمد حسين فضل الله يدور معظم حديثه حول طرق التعامل مع النص القرآني وكيفية تفسير واستنطاق الآيات القرآنية في مايخص الاجتهاد , بينما تناول الشيخ محمد مهدي شمس الدين في جل موضوعه مشكلة المنهج- -طريقة التعامل مع أصول الفقه وآليات الاستنباط المتبعة فيه ومايراه مهملا في هذا الجانب.
ختاما أستطيع القول: كتاب ممتاز في جانبه الفقهي ومن جانب نظرة الشيخ المتعمقة لهذا الموضوع .
:للاستزادة فيما يخص هذا الجانب
تفسير من وحي القرآن - السيد محمد حسين فضل الله
الاجتهاد والتقليد بحث فقهي استدلالي مقارن - الشيخ محمد مهدي شمس الدين