مذ كنتُ صغيرة اكتشفتُ متعة أن أكلّم نفسي، أن أقف طويلا أمام المرآة وأكلّمني كشخص آخر. بدأ الأمر باكرا جدا، عندما اكتشفتُ طفلة صغيرة تلبس فساتيني، وتتحرك مثلي، وكلما تكلمتُ أمامها فعلتْ مثلي. بدا مستفزا ما يحدث، وما كنت أفهمه لدرجة أني رحتُ أشتمها، وكانت ترد شتائمي عليّ في لحظة تفوهي بها. كيف تعرف ما أود قوله وتنطق به في اللحظة ذاتها؟ أمدّ لها لساني نكايةً بها فتمدّ لي لسانها. صرتُ أضحوكة العائلة في حواري اليومي مع قرينتي في المرآة. مع الوقت تقبّلت تقليدها لي، بل صرت آتي بحركات لأختبر قدرتها على إتقان حركاتي. أحببت اللعبة، وعرفت أنها في انتظاري دائما، وأنها لن تتأخر إذا احتجت إلى محادثة أحد. وما كنتُ لأقتنع أنها أنا إلا عندما خطرت في بالي بينما كنت أبكي، ظننتُ أني سأشكو لها، ولكن للعجب رأيتها تبكي أيضا، فعرفت أنها تبكي بدموعي أنا. وهكذا اكتشفتُ هوية الفتاة في المرآة.
مقالات ممتعة ممزوجة بالسيرة الذاتية للناقدة العمانية منى حبراس، رشاقة في الكتابة مؤطرة بحس ساخر ومدعمة بتلقائية تجعل القارئ يتفاعل معها وكأنه يستمع لحديث شيق من صديق يجيد الوصف والتحليل. احببت شخصية "أمي ميمونة" و"أمي أسما العالي" في القسم الثاني من العمل "أرواح صنعت ذاكرتي" كل منهما كانت بذرة لقصة قصيرة. الحس الساخر للكاتبة منح العمل بعدا جميلا وعرفنا على منى حبراس الطفلة وكاتبة اليوميات والجارة والطالبة كما كنا نعرف منى حبراس الناقدة المتمكنة
"عندما أقلق أسهر، وعندما أخاف أنام، وعندما أفرح أشاهد فليمًا، وعندما أحزن أكتب. أما القراءة فهي ما بين كل هذا: في شقوق الأحوال والمشاغل والنفسيات. القراءة لا تحتاج إلى وقت بعينه نحدده لها، إنها تتسرب بين المشاغل واللحظات، ولأنها كذلك فهي ليست إلا الحياة نفسها، الهواء والغذاء". هكذا تتحدّث منى حبراس في مجموعة من النصوص عن القراءة والكتابة وشارع 99، الذي أظن أن اندهاشي بالقراءة عنه لا يضاهيه اندهاش. عرفت من هذا النص أنني والكاتبة نسكن في المدينة نفسها، ثم أدركت أن الشارع الذي تتحدث عنه هو ذاته الذي يمرّ بمنزلي. بلغ اندهاشي ذروته بوصولي للجزئية التي تذكر فيها أنها تقطن في نفس الحي الذي أسكنه. الحي الذي كنت أظن أن لا أحد في منطقتنا الواسعة يعرفه، وإن عرفوه فليس باسمه بل بوصف ما حوله. أن أقرأ عن الحي الذي أسكن فيه وأنا على أحد كراسي مُتنزَّهِه الصغير هو أقرب ما يكون إلى شعور الارتباط بكتاب أو ال "relatability"، وهكذا قد تكون محاولة كتابة مراجعة موضوعية لهذا الكتاب محكومة بالفشل.
يحتوي الكتاب على العديد من النصوص، كان بعضها قد نُشر سابقًا كمقالات في صحف مختلفة، وهي مقسّمة إلى أربعة أقسام رغم تداخل مواضيع النصوص فيما بينها وتقاطع الأفكار في أكثر من قسم. أعتقد أن القسم الذي اختتمت به الكاتبة (الكتابة فنًا للعيش) هو الأقرب إلى قلبي، تطرّقت فيه إلى الكتابة والقراءة والنقد والترجمة. ووسط هذا الحديث ذكرت شخصيات عمانية وعربية ارتبطت بهذه العوالم، سرّني أن بعضها كان مألوفًا في ذاكرتي المحدودة وبعضها الآخر ممّن حظيت بفرصة لقائهم يومًا.
كتاب قصير وخفيف من حيث عدد الصفحات وسرعة القراءة لكنه ضخم بالأفكار والتساؤلات التي يطرحها. تتوقف الكاتبة عند قضايا دقيقة في الوسط الأدبي، مثل حقيقة الألقاب... من يملك حق إطلاقها؟ هل هو المتلقي أم صاحب التجربة نفسه؟ من يقرّر أن هذا كاتب وذاك شاعر أو ناقد؟ ... وهكذا يمضي الكتاب بين ذكريات الطفولة وهموم الكتابة في مزيج يجعل قراءته سريعة والتفكير فيه طويلًا.
كقارئة وقعت في ورطتين لذيذتين.. اولاهما استمتاعي بالنصوص ... وثانيهما عدم مقدرتي ترك الكتاب .. حتى رأيتني قد بلغت منتصفه في جلسة ... مثل هذه النصوص تستحق قراءتها بتمهل وتلذذ والعودة لها مجددا..
كان غيرها ليستسهل أن يسمّى هذا الكتاب قصصًا، ولكن هنا اختارت الكاتبة كانت صادقة وتعرف أن عملها في هذا الكتاب ليس عملًا قصصيًا، فأحبت أن تصنّف عملها هذا نصوصًا، وهي ليست بنصوص كذلك! فالنصوص عادة هي النصّ الفنّي، القطع البلاغية الجميلة المختارة التي تصفّ مشهدًا أو شعورًا أو فكرة، وإن كانت كلمة نصوص صارت تعني مع الوقت ما تعنيه كلمة الشذرات، سيئة السمعة في هذا العصر - فهذا الكتاب إن وضع تحت التصنيف المناسب له لكان سيكون تحت تصنيف الذكريات، لا النصوص، فهي فصول صادقة عن مشاهد حقيقية من حياة الكاتبة، مشاهد حقيقية تمامًا باسمها وتاريخ ميلادها وطفولتها وجيرانها وعناوين حياتها العريضة، ودون أدنى محاولة للإيهام بأن ما ترويه حكاية أو قصة أو أنها تستوحي قصصها من قصص حياتها، بل هي الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، وبلسانها الشخصي، ولذلك أحسب أنها حسبت أن كلمة السيرة كانت ستكون سمجة إذا خرجت من كاتب لا يزال في بداية الطريق ولا يكاد يعرفه أحد، أعني: مَن هذا لنهتم بمعرفة هذه المشاهد الحقيقية من حياته؟ فالقصص، مثلاً، فنّ، وليست حكاية، بل، وكما تقول د. يمنى العيد، هي حكاية الحكاية، سواء كانت خيالية أو واقعية، لا فرق، وفي هذا يتفاوت القصّاصون، فلن نمانع أن نقرأ كتاب القصة لاسم لا يعني لنا صاحبه شيئًا، ولو كان كتابه الأول، لأن دورنا هنا هو البحث عن الفنّ لا اسم صاحبه، وأما السيرة فلا فنّ فيها، عادة، ففيم نجهد أنفسنا مع شخص يبدو عاديًا.
ومشاهد «سيرة» الكاتبة في هذا الكتاب عادية نعم، هذا ما لا شك فيه، والمشاهد التي ترويها غير لامعة أو فريدة، ولا هي تزعم ذلك، وقد أنسى مواقف هذا الكتاب جميعها بعد حين، ولكني سأظل أذكر، إن شاء الله، أنه لم يكن كتابًا ثقيلاً أو مملًا أو فارغًا، فالكتاب طريف الحوادث وخفيف الروح، مع الإحساس الغامر بي أن الظرف في شخصية الكاتبة طبيعي لا تكلّف فيه، وأنها هكذا فحسب.
هذا عن الكتاب، أما عن «أُمُّنا أسما»، رائحة عُمان الجميلة، فلا أحسبني سأنساها قريبًا :)