ما دام العلم مستمراً في إنجازاته، وأسلوبه لا يزال يسري في كل مجالات الحياة وقطاعاتها، ولا يزال يحقق مكاسب ونجاحات أيضاً، فالحداثة، كمنظومة، ستظل قائمة ومهيمنة لا تهتز وتحتل المركز، تاركة بقية الرؤى الأخرى في الهامش، بل جاذبة ومحتوية لها. وعليه، فالمعركة مع الحداثة، سواء في بعدها الإيجابي أو السلبي، لن تثمر في عالمنا العربي الإسلامي، دونما الخوض في دلالة العلم الحديث، والوقوف عند الزلزال والانقلاب العميق الذي أحدثه في رؤية العالم وفي مناهج البحث والمعرفة الحديثة والمعاصرة. ليصبح الإشكال الحقيقي الواجب التطرق إليه هو: هل يمكن إيقاف العلم وطغيانه؟ وكيف يمكن لجم هيمنة رؤيته على تصور البشر؟. إن بعض المشاريع الفكرية( كمشروع"طه عبد الرحمن" و"وائل حلاق" ) لها طموح الخروج من ربقة الحداثة حيث ضاقت درعاً بما سببته من دمار وجروح للإنسان، نراها تتعامل مع الحداثة كصناعة أوروبية خالصة وهذه فكرة فيها نظر، كما نراها أيضاً تتعامل مع الحداثة كأنها اختيار، بينما في حقيقة الأمر، تعد نسقا انبثق بعد مخاض نظري كبير ساهمت فيه البشرية جمعاء، وهو ما سيقف هذا الكتاب عند بعض تفاصيله
الحداثة ومركزية الرؤية العلمية "تكريس المحايث وتهميش المفارق" المؤلف: د. محسن المحمدي دار النشر: أدب للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية سنة الإصدار: ٢٠٢٢م عدد الصفحات:٤٣٢ 🔸️ عرض موجز لأهم أفكار الكتاب🔸️ يهدف د. محسن المحمدي في هذا الكتاب لطرح فكرته حول أساس الحداثة وجذرها، فهو يرى، وبعكس ما شاع في أوساط المفكرين، أن العلم الحديث هو الأساس الحقيقي للحداثة وليس تأليه العقل ولا نزع القداسة عن العالم. وبما أن الحداثة قد خرجت من عباءة العلم الحديث؛ فإنها منتج شاركت فيه جميع الأمم والحضارات، فليست الحداثة وذيوعها كرؤية مركزية للعالم منتج أوروبي، رغم تبلورها في الرقعة الجغرافية لأوروبا. ويرى أيضا أن الحداثة وبارتباطها بالعلم الحديث فإنها تصبح مشروعا لم يكتمل بعد وستقوم الحداثة كرؤية مركزية موجهة (باردايغم) بتهميش باقي الرؤى والأنظمة، بل قد يصل بها الحال حد جذب الرؤى الأخرى واحتوائها. والتالي ملخص للكتاب راعيت فيه الترتيب التاريخي: 🔸️علم الفلك: إطلالة تاريخية موجزة لاحظ علماء الفلك قديماً وجود اضطرابات في حركة الكواكب فتارة تبتعد وتارة تقترب، هذه الاضطرابات أرقت الفيثاغوريين ولم يقبلوا بها، وقد كان أفلاطون واحداً منهم، لكن بخلاف الإيليين كان أفلاطون يرى الأفلاك السماوية كائنات علوية بقوى قدسية تتحرك حركات دائرية ثابتة، وهذا التناقض بين التصور والواقع دفعه للدعوة ب "إنقاذ الظواهر".. فمن بعده يأتي تلميذه الرياضي (أودكس) والذي سيضع نظام (الكرات مشتركة المركز) في محاولة لتفسير حركة الكواكب، وقد تبنى أرسطو هذا النموذج وقام بتعديله، لكنه لازال معقداً؛ فهو يتكون من تسع وخمسين كرة بمركز واحد هو الأرض، والأرض تحتل منها أربعة.. واحد لكل عنصر من العناصر (التراب، الماء، الهواء، النار). أما القمر فهي أكثر الكرات انخفاضاً والنجوم أكثرها ارتفاعاً؛ فالكون ينقسم لما فوق القمر وما تحت القمر. ولكي يفرق أرسطو بين الأفلاك العلوية والسفلية أدخل عنصراً خامساً في تكوين الأفلاك العلوية، هو الأثير؛ كي يتماشى مع قدسيتها. إلا أن المتأمل للنظام الذي اعتمده أرسطو ومن خلال نظرة متفحصة للسماء سيجد ثغرة من شأنها إفساد تصور أرسطو ومنظومته؛ ذلك أنه يظهر للعين المجردة تفاوت البعد بين النجوم والأرض وهذا بخلاف ما افترضه أرسطو من أنها تبعد عن الأرض بنفس القدر وببعد ثابت. هنا يأتي دور بطليموس(ت 169م) صاحب كتاب (مقال في الرياضيات) والشهير بين العرب ب (المجسطي)، لكي يقدم نظرية (أفلاك التدوير) والتي من خلال حسابات رياضية ستحل مشكلة تغير مسافات الكواكب عن الأرض مع الأخذ في الحسبان دائرية حركة الأفلاك، لكن هذا النموذج الرياضي لم يكن ليتم بدون تلاعب نظري سيشكل أزمة فيما بعد؛ فبدلاً من الأرض كمركز، وضع بطليموس مركزاً وهمياً متمثلاً في نقطة تقع خارج الأرض، وسينتظر العالم طويلا حتى يأتي العالم العربي ابن الهيثم لينتقد النموذج البطليموسي في كتابه الشهير (الشكوك على بطليموس)، في تلك الفترة كانت زعامة ورئاسة الفلك للعرب وقد أدخلوا العديد من التعديلات على الأزياج(الجداول الفلكية) وقد تبلور علم الفلك وبلغ نضجه مع مدرسة مراغة ومدرسة الأندلس، هاتان المدرستان هما اللتان ستشكلان الأفكار والحقائق التي سيصدع بها كوبرنيكوس في القرن السادس عشر. 🔸️الثورة الكوبرنيكية وانطلاق شرارة المنظومة الحداثية: جاء كوبرنيكوس (ت 1543م) بنظرية ستقلب الأمور رأساً على عقب، نظرية ستشكل ثورة كونية وضربة موجعة للكبرياء البشرية، كما قال المحلل النفسي سيغموند فرويد. بدلاً من دوران الشمس حول الأرض، فإن الأرض ورغم أنف الكبرياء البشرية ستصبح هي التي تدور في فلك حول الشمس، هذا ما تعارض مع الخبرة الإنسانية السابقة مسبباً أزمة حسية رهيبة؛ فبدلاً من عالم واحد محسوس ومدرك، اتضح للإنسان أن هناك عالمين مختلفين تماماً: عالم الحس المشترك والمخادع، وعالم الحقيقة غير المرئي الذي يمكننا أن نقول عنه: عالم العلماء الذي يتجاوز منطق الحس إلى العقل. لكن ما سيزيد الطينة بلة أن الجيل الذي سيأتي بعد كوبرنيكوس سيعمل على توسيع الفجوة وتعميقها بين النظرة القديمة والناشئة للكون؛ فمع جيوردانو برونو، الذي أعدم حرقاً عام 1600م، سيتم ترويج فكرة أن الكون لا نهائي وبالتالي إلغاء مركزية الأرض وفقدان الإنسان مركزيته ومكانته وحظوته في الكون؛ فما الأرض سوى حصاة ضئيلة ملقاة بشكل مهمل في الفضاء اللانهائي الذي يمور بالحركة، وهنا نفهم سر قول مارتن لوثر عن كوبرنيكوس: "هذا الأحمق يريد قلب الفن الفلكي". الآن يمكننا أن ندرك أن علم الفلك القديم قام على أربع مسلمات: 1.الكون كيان مغلق. 2.الأرض مركز الكون. 3.الأفلاك تدور في مسارات دائرية وبسرعة منتظمة وثابتة. 4.الشمس تدور حول الأرض. لكن مع كوبرنيكوس تم إلغاء دوران الشمس حول الأرض، ومع برونو وغاليليو فقد الكون محدوديته والأرض مركزيتها، ومع كبلر سيتم الإطاحة بالمسلمة الأخيرة وهي الحركة الدائرية للأفلاك والقول بالحركة الإهليجية. إن أول المجالات التي تأثرت بالكوبرنيكية هي الفيزياء؛ فمع غاليليو بدأ البحث عن فيزياء جديدة لتتناسب والثورة التي جاء بها كوبرنيكوس، ولعل أهم المبادئ التي ظهر نجمها في تلك الآونة مبدأ "القصور الذاتي". سيقوم هذا المبدأ بتعطيل العالم والمادة، والتعامل معهما على أنهما آلة واجبة الاختراق، وإطلاق العنان للحرية والاستقلال واستخدام العقل، وسيجعل مبدأ استقلال الذات عن الموضوع ممكناً؛ كل هذا سيؤدي إلى إفراغ الطبيعة من روحها وسحرها، فنحن من نلقي عليها كل هذه الصفات. ولقد ظلت الصياغة لمبدأ القصور الذاتي مستمرا بعد غاليليو؛ فمع ديكارت: "إن كل جزء من المادة، بمفرده، يستمر دائماً في الحالة نفسها، ما دام التقاؤه بغيره لا يجبره على تغييرها"، ومع توماس هوبز، رائد الفلسفة السياسية الحديثة: "حين يكون الشيء ساكناً سيبقى ساكناً للأبد إن لم يحركه شيء آخر..."، ومع نيوتن، الذي سيصيغ هذا المبدأ بشكله الأتم: "يبقى الجسم الساكن ساكناً والمتحرك متحركاً، وبشكل ثابت ومنتظم ما لم تؤثر عليه قوى خارجية". بداية من هذه اللحظة ومع وضع نيوتن أسس فيزيائه الميكانيكية، ستسقط وللأبد السماء على الأرض؛ فقوانينهما هي ذاتها، والكون بما فيه أشبه بالساعة التي تتحرك بقوانين ثابتة هي قوانين الطبيعة. يقول الدكتور محسن المحمدي:" إن مبدأ القصور الذاتي سيعطي المسوغ النظري لإفراغ العالم كلياً من كل إرادة، ومـن كل حرية، ومـن كـل فـكـر، ومـن كـل قـرار لتعود للإنسان كاملة، فالإنسان كان يضفي سابقا خصائصه ومواصفاته على الطبيعة فكان غريبا على ذاته، لكن بعد بزوغ العلم الحديث، سیسترجع الإنسـان تلك الخصائص غير منقوصة، فما للطبيعة هـو للطبيعة وما للإنسـان هـو للإنسـان. للطبيعـة القصـور والعطالة وللإنسان الحرية والفاعلية، أو قل إنه تم إفراغ العالم من الروح، أو هكذا اعتقد الإنسان، ليتـم ضـخ تلـك الـروح كليـة فـي جوفه، لتنبثـق مواصفات الإنسان الحديث. ليس هذا وحسب، فقد جعل مبدأ القصور الذاتي المشكل للفيزياء الميكانيكيـة، نظـرة الإنسان للعالـم تتغير، فالطبيعة أصبحت مجرد ساعة كبيرة مفرغة من الغاية تحكمها فقط الضرورة فحسب (سـبب ←نتيجـة)، فهي خاضعة للحتمية ولا مجال للحرية فيها، فالوحيد الـذي له الغاية هو الإنسان؛ لأنه يختار، وما دام أن العالم قاصر، إذن وجب التحكم فيه والسيطرة عليه، وما الحداثة كما أكدنا على ذلك مراراً، إلا إرادة للسيطرة والتحكم". لكن ما العلاقة بين ديكارت وكوبرنيكوس والحداثة؟ إن التغيرات المتتالية في علمي الفلك مع كوبرنيكوس والفيزياء مع غاليليو كان لابد لهما من فلسفة تعبر عنهما، فلم يكن هناك من هو خير من ديكارت. فلقد وجد ديكارت نفسه أمام انقلابات عنيفة في الرؤية للعالم: أزمة الحس المشترك وإلغاء مركزية الأرض، والانتقال من العقل للحس ومن الذات للموضوع ومن الإنسان للعالم الخارجي. كان لابد من معالجة هذا الوضع، فانطلق ديكارت في مسيرة شاقة للبحث عن ثابت جديد للحقيقة؛ فالأرض لم تعد هي المركز، فكان الحل الذي ابتدعه ديكارت هو مركزة الذات المفكرة (أنا أفكر، أنا موجود) أو ما يعرف ب "الكوجيتو" الديكارتي. وسنجد أن أبرز سمات فلسفة ديكارت: العقلنة، البداهة، التبسيط، الذاتية، الفصل المنهجي؛ وهو ما يشكل أهم تمظهرات الحداثة والرؤية العلمية. يلخص الدكتور محسن المحمدي مسيرة الحداثة بالتوازي مع الثورة العلمية قائلاً:" تم رفع الأرض إلى السماء فلكيـا، انطلقت مسيرة «وحـدة العالم» ومغادرة القول بالعالمين ونقصد تلك التفرقة بين عالم سماوي كامل وعالـم أرضـي سـافل. وهو ما تم تكريسـه مـع نيوتن بتوحيـده قوانین الكون في توليفة رياضية متناغمة تجعل سقوط التفاحة كدوران القمر. كما تم الأمر فلسفياً مع سبينوزا بفلسفته عن وحدة الوجود حيث دمج الطبيعة بالله، ودمج النفس بالجسد في وحدة متكاملة، وتبلورت الوحدة أيضـا عند العديد من المفكرين والتيارات، فيكفي التذكير بديكارت وإرادة تعميمـه للـذوات ومن تم تعميمه للمعرفة، فلا أحد أحسـن من الآخر، فيكفي التسلح بالمنهـج والاستخدام الجيـد للعقـل لـبـلـوغ الحقائق، هـذا التعميم في مجال المعرفة سيتعزز مع الثورة الرقمية لاحقاً والتي جعلت المعرفة معممة وليست حكراً على أحد، ويمكن كذلك استحضار الداروينية التي دمجت الإنسان في قلب الطبيعة فهي اعتبرته من جذورها ولا يحمل أي شيء مفـارق عنها، إنه ابنها ومنها وإليها، علاوة على ذلك فالكوبيرنيكية مهدت إلى إرادة توحيد الحاكم بالمحكوم، وهنا نستحضر نظرية التعاقد الاجتماعي كما تبلورت عند هوبـز ولـوك وروسـو، والأمـر نفسـه يقال عـن التحرك الحداثي نحو توحيد الحقوق وإعلان المساواة بين الرجل والمرأة، بل بين الإنسان وذوي الحاجات الخاصة وكذلك الكائنات الأخـرى [للحيـوان حقوق]، والأكثـر مـن ذلـك فـقـد تشكلت عنـد الكثيـر فـكـرة توحيد الجنس، ونستحضر هنا أطروحة «الجندر» التي تريـد إبراز أن الاختلافات الجنسية مسألة ثقافية، أولا وأخيراً، ضمـن أمثلة أخرى مؤرقة. بـل إن هذه الوحدة أو المحايثة لا تزال تتحرك وبقوة إلى حدود الساعة، ويكفي الحديث عن لوك فيري، مؤلف «ثورة الحب من أجل روحانية لائكية»، وفيه يوضح كيف أن الروحانية بدورها تسير نحو العلمنة، أي يغلب عليها الطابع المحايث. وهو في ذلك يسير في منحى يريد إقحام القداسة في الدنيا، إذ ما يسمى العالم المفارق هو من صميم هذا العالم، إلى الحد الذي دفع بفيلسوف أديب قبله، وبشكل غريب، وهـو جـورج باطـاي إلـى القـول بـأن الإيروسية أو الشبقية هي والقداسة وجهان لعملة واحدة. وهو ما لا يمكن تقبله خـارج نطـاق الزمن الحديث. فالقداسة من منظور غير حداثي ينظر إليهـا أنـهـا من خارج هذا العالم. ناهيك على ما يحدث في الهندسة الوراثية التي أصبحت تفلح في تحسين النسـل بحـذف النواقص الجينية وتعويضهـا بأخرى أقوى، والطموح إلى رفع الضعيف نحو الأعلى، فالسافل بيولوجيا لـه نصيب في الترقي مثـل ترقي الأرض إلى رتبة السماء، فالإنسان الحداثي يريد أن يكون مزيداً وفائقاً، بل يريد أن «يتساوى بالله»، ومحو الفوارق بينهما، وهذا توحيد محايث آخـر، ربمـا يجعـل الحداثـة قـد تـجـاوزت كل الحدود، وهـو ما دفع بالكثيـر مـن المفكرين إلى الصراخ من هذا التمادي في كسـر شـوكة المفـارق، بـل نـجـد أحـدهـم وهـو طـه عبد الرحمن، وسـم الحداثة بالمـروق بـل بالشـرود، وآخـر وهـو فليب نيمو يرى أنها تعيش في «حضـن الشيطان»، ولكـن نلح مـن جانبنا، على أن هذه الصرخات ستكون في واد ودون جدوى، في حال عدم الوقوف عند الأسس العلمية للحداثة". 🔸️التقييم العام للكتاب: قدم الكتاب صورة شبه شاملة حول مسار علم الفلك والفيزياء واسهاماتهما في خلق الجو الفكري والنفسي المناسب لظهور الحداثة، وقد أضاف الكتاب لي الكثير ورسخ بعض الأفكار التي كنت أعتقد بها، وجدير بالذكر أن اللغة العلمية للكتاب السهلة والمبسطة تساعد كثيرا في توصيل وترسيخ الأفكار، ولذا أعتقد بأن الغير متخصص في القراءات الفكرية لن يجد صعوبة ومشقة في قراءة هذا الكتاب. لكن ما لم يعجبني في الكتاب، ولكنه قد يعجب غيري، تكراره لبعض الافكار على طول الكتاب بما ساهم في تضخيم الكتاب..