"التاريخ يعيد نفسه مرتين،مرةً على شكلِ مأساة،ومرة على شكلِ مهزلة،وما نراهُ الآن هو المهزلة"،بهذهِ الكلماتِ لخصَ كارل ماركس حراكَ التاريخ ولا أراهُ إلا مُحقًا،لبنان الكبير الذي أنجبتهُ فرنسا الاستعمارية بعمليةٍ قيصرية لم تكن طبيعية على الإطلاق،قامَت باجتزائِهِ عن محيطِهِ العربي والإسلامي واعطائِه استقلالًا صوريًا كما باقي أشباه الدول العربية في المشرق،ذلكَ الاجتزاءُ لبلدٍ انغرست فيهِ الطائفية والعائلية والمناطقية من التاريخ والجغرافيا أنتجَ حاضرًا مُشوهًا مُلطخًا بدماء الأبرياء والمذنبين،أنتجَ منطقًا للحرب كبرميل بارودٍ جاهز دائمًا للاشتعال،منطقُ الدولة ومنطقُ الثورة،منطقُ الأقلية ومنطقُ الأكثرية،منطقُ المؤسسة ومنطقُ الطائفة،منطقُ الخائف ومنطقُ الجريء،بين التوفيق بين هذهِ المناطق المختلفة وبين الأطماع الفردية تُسفَكُ الكثير من الدماء. كتاب آلان مينارغ هذا يندرج تحت خانة المُهم لمن يهتم في التاريخ وفي السياسة وخاصة فيما يتعلق بتاريخ لبنان وبلاد الشام المعاصر،لكنَهُ ليسَ كتابًا للمبتدئين عن الحرب،يجب عليهم قبلَ ذلكَ أن يطلعوا عبرَ مصادر أخرى،وأُرشحُ لهم السلسلة الوثائقية للجزيرة المهم عن الحرب الأهلية في لبنان وهذا رابطه :
ما دفعني إلى قراءة الكتاب أنني لاحظت حضور آلان مينارغ المتكرر في برنامج "شاهد على العصر"، فقد عاد أحمد منصور إلى هذا الكتاب أكثر من مرة، واستشهد به أمام أمين الجميل وجوني عبده، ثم أخيرا أمام وليد جنبلاط، الأمر الذي أثار فضولي لمعرفة هذا المصدر الذي ظل حاضرا في شهادات حية عن الحرب اللبنانية. واللافت هنا أن مينارغ نفسه أصبح موضوعًا للنقاش. فجنبلاط و أمين الجميل، مثلًا، لم يكتفيا بمناقشة المعلومة التي نقلها منصور، بل شكوا في موثوقية مينارغ كمصدر. ولعل ما يستحق التوقف عنده أن أمين الجميل نفسه شكك في موثوقية مينارغ، رغم أن الكتاب لا ينطلق أصلًا من رواية معادية للكتائب والقوات، بل يمنحهما مساحة واسعة في تفسير الحرب. وربما يمكن تفسير ذلك، جزئيًا، في ضوء التنافس بين أمين وبشير، إذ كان كل منهما يمثل مسارًا مختلفًا داخل البيت الكتائبي. فتركيز مينارغ الكبير على بشير وصعوده السياسي والعسكري جعل دور أمين يبدو أقل حضورًا، في الوقت الذي وجد فيه نفسه في عزلة سياسية متزايدة مع صعود نفوذ شقيقه.
والسؤال الذي قد يطرح نفسه هنا: هل الاستشهاد بكتاب مينارغ دليل على موثوقيته؟ ليس بالضرورة، لكنه بالتأكيد يجعله جديرا بالقراءة والفحص . والمثير هنا أن الخصمين أمين الجميل ووليد جنبلاط، رغم تشكيكهما في موثوقية مينارغ، لم يقدما نفيا حاسما لبعض الوقائع التي استند إليها منصور من الكتاب. بل إن منصور واجه أمين الجميل بإحدى هذه المعلومات، المتعلقة بقبوله هدية من أرييل شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، وهي بندقية عوزي إسرائيلية وكانت ردة فعل الجميل متفاجئة لكنه أقر بها. وهنا تحديدا تصبح قيمة الكتاب في إثارة الأسئلة، لا في تقديم إجابات نهائية عنها..ربما.
الذي يقدمه مينارغ في هذا الكتاب هو انه ينزل بنا من الرواية الكبرى للحدث الى كواليس صناعته، حيث التفاصيل والصفقات والاجتماعات المغلقة. منذ الفصل الأول، وجدت نفسي تحت سطوة هذه التفاصيل وإغرائها. فمينارغ لا يكتفي بإخبارك أن ستة عشر رجلًا اجتمعوا لتخطيط انقلاب ، بل يدخلك معهم إلى دير سيدة البير؛ يعرّفك بأسمائهم المستعارة وهيئاتهم، وينقل لك ترتيب جلوسهم حواراتهم، وحركاتهم، بل حتى الأشكال الهندسية التي يرسمها إيلي حبيقة ( الذي ارتبط اسمه لاحقا بمجزرتي صبرا وشاتيلا و اهدن) على كراسة الاجتماع على سبيل قتل الملل، والتي يبدو أنني أشاركه فيها عادةً مشابهة. وهنا تكمن جاذبية الكتاب ومشكلته في الوقت نفسه. فخلف هذه الجاذبية تختبئ معضلتان سرعان ما تفرضان حضورهما.
الأولى، غواية التفاصيل التي تمنحك إحساسا بالقرب من الحدث، وتبعث الحياة لشخصيات الكتاب وتضفي لها بعدا روائيا . وهي تحديدًا ما يجعل الكتاب ممتعًا، خصوصا للقارئ الذي يعرف الخطوط العريضة لسنوات الحرب ويريد أن يرى ما وراءها. لكن هذا الكم الهائل من التفاصيل الذي يقدمه مينارغ يفتقد عنصرًا أساسيا: التوثيق. ففي كثير من المواضع، لا يعرف القارئ مصدر المعلومة التي يوردها: هل استند فيها إلى وثائق وأرشيفات أتيح له الوصول إليها دون غيره، كما يذكر في مقدمة الكتاب؟ أم أنها شهادة أحد المشاركين في الحدث؟ أم رواية منقولة عن مصدر آخر؟
ولذلك كلما بدا لك المشهد أكثر اكتمالا وغرقا بالتفاصيل، يطل السؤال الأكثر إلحاحًا: من أين جاء مينارغ بكل هذا؟ كيف تحقق من كل هذه التفاصيل؟ وما الأشكال الهندسية التي رسمها إيلي حبيقة على الكراسة؟ لأنها إن كانت مكعبات، فيبدو أنني في ورطة 😅
بالنسبة للمعضلة الثانية وهي من اشكالات الكتابة التاريخية عموما و الحرب الأهلية خصوصا، فهي أن الكتاب عنوانه أوسع من مضمونه قليلا .ففي جوهره ليس تاريخا عاما للحرب اللبنانية، فهو يركز بصورة كبيرة على بشير الجميل و الكتائب والقوات اللبنانية وعلاقاتها بإسرائيل، اعتمادًا على أرشيفات ووثائق يقول مينارغ إنه تمكن من الوصول إليها. ويبدو أن هذه الأرشيفات كانت كتائبية أو قواتية المصدر . وهذا ليس عيبًا في ذاته، بل قد ينظر اليه في الحقيقة انه مصدر خصوصية، لكنه يصبح مشكلة إذا تعامل القارئ معه بوصفه تاريخا نهائيا للحرب اللبنانية. والمفارقة أن هذه المصادر، حتى لو افترضنا أنها كانت في معظمها كتائبية، لم تنتج رواية تبجيلية للكتائب والقوات، بل على العكس، تكشف الكثير من ممارسات قيادات القوات والكتائب وتضع جوانب يصعب قراءتها بوصفها تمجيدًا لهم.
أما بشير الجميل، فربما كان أكثر الشخصيات التي نجح مينارغ في جعلها حاضرة . واللافت أن الصورة التي يرسمها له أكثر تعقيدًا من الصورة التي تتركها الروايات السياسية المبسطة. فلا يظهر بشير فيها كزعيم مسيحي مقاوم ولا كـ شخصية كرتونية شريرة يمكن اختزالها في شر واحد، بل كرجل طموح وصدامي شديد الرغبة في بناء قوته الخاصة، وتوسيعها حتى داخل المعسكر المسيحي الذي أراد توحيده. لكن تعقيد شخصية بشير لا يعني تبرئتها، بل ربما يجعل نقدها أكثر قسوة. وربما أكثر ما يلفت في بشير تلك البراغماتية التي لا تعترف بالحدود الاخلاقية ، فالخصومة والتصفية والخطف وحتى الصدام مع مؤسسات الدولة كلها أدوات مشروعه له متى ما اقتضت مصلحته. ومن أكثر هذه الحدود حساسية علاقته باسرائيل. فبشير الجميل ذهب أبعد كثيرا من القيادات المسيحية قبله الذين تواصلوا مع اسرائيل وحوّل العلاقة إلى خيار استراتيجي وهذا فيه قدرا غير عاديا من المقامرة والجرأة لم يسبقه أحد. وربما كان الجانب الأكثر إثارة في مشروعه أنه نزع القداسة التي أحاطت بالقضية الفلسطينية في الخطاب العربي عندما اصطدمت بتصوره للبنان.وكأن منطقه يقول: فلسطين قضيتكم، لكن لبنان لن يدفع ثمن هذه القضية. هذه الفكرة لوحدها في البيئة العربية في تلك الحقبة كانت فكرة شبه محرمه.
ولذلك كثيرًا ما يتهم بشير الجميل بالخيانة والعمالة لإسرائيل، لكنه لا يبدو لي خائنًا لقضية لم يعتبرها يومًا قضيته. بشير لم يكن ينطلق أصلًا من المظلة العربية التي كانت تعتبر فلسطين قضية جامعة تتقدم على السيادة اللبنانية. مأزقه، في نظري، كان أعمق من ذلك فقد أراد إخراج السوري والفلسطيني من لبنان، لكنه لم يجد طريقًا إلى تحقيق ذلك إلا عبر التحالف مع إسرائيل، حتى دخل إلى بيروت على ظهر الدبابة الإسرائيلية.
وهنا ربما تكمن إحدى أكثر صور بشير مأساوية، لم يكن التناقض بين ما أراده وما فعله تفصيلا جانبيا في مشروعه، بل كان في صميمه. أراد استعادة القرار اللبناني من القوى الإقليمية التي استباحت البلد، لكنه استعان بقوة إقليمية أخرى أكثر قدرة من الجميع على فرض شروطها عليه. وفي اللحظة التي بدا فيها أنه اقترب من تحقيق مشروعه، بدأ يتضح أن الأداة التي أوصلته إليه قد تصبح هي نفسها القيد الأكبر عليه.
كتاب جدير بالقراءة الفاحصة لا بالتسليم بكل مايرويه؛ كثافة التفاصيل وان كانت أبرز عناصر جاذبيته قد تكون مربكة للقارئ غير المتخصص.
كتاب مهم لكل مهتم بالصراع العربي -العربي الصهيوني ف المنطقة، فالتاريخ لايعيد نفسه ولكن مفاهيم الخيانة والعمالة وطمع السلطة والمزايدة باسم القضية التي لاتهمهم في شئ الا توضيد سلطانهم هي التي تعيد نفسها