إن كتاب سيرين الحسيني شهيد.. هو ذخيرة تاريخية وبشرية مؤلفة أساساً على شاكلة فسيفساء من شذرات ممتعة في معظمها، ومن مسّرات عابرة وشقاءات أكثر ديمومة، وكلها موضوعة بكثير من الاحترام والمحبة على أمل أن تربي وكذلك بطبيعة الحال أن تجذب القارئ لولا مثلُ المحكيات، لما علم شيئاً عن ذلك العالم الذي ضاع اليوم جانُبه الأساسي. إنها شهادة حميمية ولا شك، لكنها أيضاً أدبٌ أليف. إنساني، صادق، كريم وفصيح. واستناداً على هذا النوع من المادة الخام الحيّة ستشيد مستقبل فلسطين، لأنها مادة خام ستدوم أمداً طويلاً وستستخدم أهدافاً أكبر من ما قصدت إليه سيرين شهيد المتواضعة دوماً. إن هذا الكتاب يستحق أن يجد موضعاً في متحف الذاكرة جنباً إلى جنب. ذكريات أخرى وذلك حتى لا يستطيع فقدانُ الذاكرة ولا التقدم التاريخي المزعوم. أن يطمسا هذه الشهادات.
هذه الكتبُ والمذكراتُ المتوشحةُ بالصورِ تشدُّني ففي كل صورةٍ ألفُ حكايةٍ خصوصًا آنها عاشتْ في زمنٍ لم يدنسْ الأرضَ مدنسٌ، في زمنِ الطهرِ، ومن جمالياتِه عيشُ مرحلةِ التحولِ وما تبِعَ الاحتلالَ من تهجيرٍ، فلذواكرِ المكانِ هنا وقعٌ مختلفٌ
قرأت هذا الكتاب في أقل من ٤٨ ساعة وكانت قراءة بديعة ممتعة وأعتقد أنني سأعود مرارًا لقراءة هذهِ السيرة الآسرة التي كانت تحمل عبق الماضي وذكريات الطفولة والحنين إلى أيام الصبا والحياة ماقبل الحرب ووجود مايسمّى بإسرائيل. كم كانت ذكريات سيرين عذبة وشفّافة وكم كانت قريبة من القلب وكم أحببت الكتاب 🤍بالطبع سأنصح الجميع بقراءته.
للكتب التي تتحدث عن فلسطين قبل الضياع مكانة خاصة تجعل الشخص يتجاوز عن أي ركاكة إطالة أو تكرار. للأمانة ليس أفضل ما قرأت عن فلسطين قبل الضياع ولكنه كتاب مهم، والسيدة سيرين رحمها الله تنتمي لعائلتين مهمتين (الحسيني والعلمي) ومن المثير أنه هناك الكثير من الأحداث التي تمر مع عائلتها مما أوجد بعض القمم الروائية الجيدة. الترجمة ليست ممتازة ولكنها سلسة. لم أستطيع إيجاد عيوب في ذكرياتها ولكني أيضاً فشلت في توليد رابطة قوية مع الشخوص. ولكن لنترك كل هذا جانباً ونعرف أن أهمية هذه الكتب في مقاومة الرسالات الإسرائيلية المتكررة والعربية المتكررة من بعض الحثالة الجاهلة أكثر من أن الفلسطينين لهم أي دور في ما هم فيه أو حتى سعداء به، وتظهر حقيقة أن الفلسطينين تكالبت عليهم ظروف وخيانات عربية وعالمية لتحول حياتهم إلى سلسلة متصلة من الخيبات والآلام التي لا يظهر لها آخر.
كل تفصيلة صغيرة في حياتنا، الفلسطينية إلى الأبد، وكل أشيائنا الكبيرة، كل المسرّات ومثلها الآلام، كل الأيام العادية، وغير العاديّة، والحكايا المرويّة، وغير المرويّة، كل الضحك وكل البكاء، تصير وفق متتاليات لا تنقطع من التحوّلات المأساوية والعاصفة، كنوزاً نفيسة، وغير مستعادة، كنوزاً محلّها القلبّ والذاكرة.
"ومثل معظم العائلات الفلسطينية، كانت عائلة الخال تعيش مشتتة في أنحاء العالم. وهل هناك اليوم عائلة فلسطينية تنعم بسعادة العيش مجتمعة تحت نفس السماء؟"
ينبغي لقارئ هذه السيرة أن يعلم أن صاحبتها امرأة من آل الحسيني، الأسرة الفلسطينية الوجيهة منذ العهد العثماني إلى زماننا، من رجالاتها الحاج أمين الحسني مفتي القدس والسياسي المعروف، وعبد القادر الحسيني الشهيد، وجمال الحسيني الرجل الوطني، والد سيرين الحسيني صاحبة هذه الذكريات الجميلة الحزينة.
الصيف والشتاء في أريحا وشرفات، وذكريات القدس القديمة، مع كثير من الأقارب والأصدقاء، كل واحد منهم له قصته الجميلة مع سيرين الفتاة أو الآنسة أو السيدة.
تمضي الأحداث ببيت الحسيني إلى شتات وظلم وقهر يعمّ أهل فلسطين ويخصّ هذا البيت بزيادة منه لجهادهم ثم لوجاهتهم، فيتمزقون كلّ ممزق، وترى كيف آل أمر رجل نشيط صبور عند النوازل كجمال الحسيني إلى شيء يشبه اليأس من هذا النضال والجهاد، فيستقر بعيداً عن القدس الشريف، حتى لا يعود إليه إلا زائراً تحت مراقبة المحتلّ بعد عقود طويلة، هذا هول على النفس جسيم!
لكن هناك أمران يبعثان الاستياء من هذه السيرة، نكدا علي قليلاً، ولا بدّ من ذكرهما:
-لم يجئ أي كلام خلال الذكريات القديمة عن المساجد أو المسجد الأقصى أو الصلاة أو القرآن أو الزوايا الصوفية أو الأضرحة المقدسة أو المدارس والكتاتيب أو رمضان أو العيد، أو أي شعيرة إسلامية كان لها شأن في القدس وفي تاريخها وفي ثقافتها، نعم ليس صاحب السيرة أياً يكن مطالباً بما ذكرت، لكنّ من الغريب جداً أن بيتاً هو بيت الحسيني لا يكون منه التفات إلى كل هذا، والظاهر أن سيرين أعرضت عنه إما سهواً أو قصداً. مع أن سيرين تكلمت كثيراً عن الكنائس والرهبان والراهبات والأديرة ومدارسهم وكثرتهم وتنوع أعراقهم وطوائفهم، ومع أنها تكلمت عن أهمية الثقافة والهوية للاجئين وعن مبادرتها اللطيفة إليهم بالفساتين التي تُحيي هذا الموروث.
-طبع الكتاب أولا بالإنجليزية ثم بالفرنسية ثم بالعبرية، ثم جاءت أخيراً الطبعة العربية منقولة -أو ممسوخة-عن الفرنسية، نقله محمد برادة(زوج ليلى منيب شهيد ابنة سيرين نفسها)، وهذا أمر آسفني، ولعل للملاحظة الأولى التي ذكرتها علاقة به. وفي الترجمة تعبيرات غريبة لا تُستعمل بالعربية، مثل: "أول ما بعد الظهر"؟ وقد أحسست أن المترجم يترجم حرفياً عن الفرنسية بسذاجة، ومن الدليل على ذلك-والأدلة غير واحد- أنه يترجم Arabie Saoudite "العربية السعودية" والعربي يسميها "السعودية" فهو يعرف أنها عربية لا يضيف ذلك إليها. ومذكور عن هذا المترجم أنه "أديب" فتأمل!
بلغة جميله وبسيطة تُبسط سيرين الحسيني ذكرياتها في فلسطين والمنفى واضافت اليها صور الذكريات وعن صورة الغلاف تحدثت عنها لوجود اربعة اجيال بها هي نفسها وامها وام امها وجدة امها في صفحة٢٩٥ عندما عثرت عليها في الحقيبة قالت جلست حتى اتمكن من رؤيتها جيداً فأخذت الذكريات تَتَالَى فوراً ، مُنبثقةً من مَعينٍ منسي،ثَاوٍ بأعماق اللّا شعور . تركتُ صور الماضي تتدفّق في دخيلتي ممتلئةً دِفئاً وحرناً .
كتاب رائع ومذكرات مهمة تكتبها سيرين بتواضع وعفوية محببة يدور ويعود إلى القدس وأهلها تقول في مقدمتها القصيرة إشارة من المؤلفة: "وأول شيء أحرص على قوله، هو أنه لا شيء كان يميزنا عن بقية سكان المعمورة، لكن مصيرنا لم يكن مثل مصيرهم." من حررت الكتاب حين سعيد مقدسي - أخت إدوارد سعيد - كتبت في إشارتها للكتاب :" إنني من أمد طويل، مُقتنعة بأن ذكريات النساء العربيات تستحق أن تُجمع وتُسجل وتُنشر." وتضيف في ختام مقدمتها لذكريات سيرين: "إن فتاة من القدس تخلق من جديد خلال هذه الصفحات التالية بعض اللحظات من التاريخ الحديث لمدينتها، مُضيفةً بعدًا جديداً إلى محكي التاريخ الفلسطيني." أما المفكر الراحل إداورد سعيد فيقول في ختام مقدمته للكتاب "إن هذا الكتاب يستحق أن يجد موضعاً في متحف الذاكرة جنباً إلى جنبِ ذكريات أخرى وذلك حتى لا يستطيع فُقدانُ الذاكرة ولا التقدم التاريخي المزعوم، أن يطمسا هذه الشهادات." الوضع الاجتماعي والسياسي الجيد لعائلتي الحسيني والعلمي أتاح لها التنقل في عدة أنحاء من فلسطين وبالتالي تقديم/نقل شهادات مهمة حول طبيعة الحياة في فلسطين قبل النكبة التطهير العرقي 1948. ومرافقة الصور الفوتوغرافية لصفحات الكتاب يعطي فرصة لمعرفة جزء من ملامح طبيعة الحياة والملابس لدى الطبقة الغنية الفلسطينية. صور يعود تاريخها إلى بدايات القرن العشرين. هنا وجدت معلومات وصفحات عن دور العائلات المرتبطة بسيرين في النضال الوطني والمجتمع بشكل عام.
سيرين الحسيني شهيد التي رحلت في عام 2008 ختمت مذكراتها بالقول : "وفي بعض الأيام، يُلقي الماضي بثقله على القلب؛ غير أنني كثيرًا ما أغوصُ فيه وأتذَّكر."
*كيف عرفت الكتاب؟ للأسف ليس للكتاب شهرة على قدره، عرفته من خلال قراءة الصديقة الكاتبة الفلسطينية التونسية نوال عبد الله، للكتاب. فشكرا لها ----------------------- وأنا أبحث لأمر آخر، وجدت هذا التلخيص للكتاب أعدته بيان نويهض الحوت في مجلة الدراسات الفلسطينية http://www.palestine-studies.org/ar/i...
كتاب السيّدة سيرين الحسيني شهيد( ذكريات من القدس)، ليس مذكرات شخصيّة عن دور سياسي في الحياة الفلسطينيّة، أو الاجتماعيّة، ولكنه كتاب يبوح بسّر العلاقة مع الأمكنة، تلك التي امتزجت بالطفولة المبكرّة، وبالأشخاص الذين تركوا أثرا لا ينسى في النفس، لا تمحوه سنين الغربة والتشرّد والتقدّم في العُمر.
الكتاب صدر بالإنكليزيّة في طبعته الأولى، ومن ثمّ بالفرنسيّة، وعنها نقله إلى العربيّة الكاتب المغربي الدكتور محمّد برّادة...
في المقدمة تفصح السيّدة سيرين عن الدافع لكتابتها كتابها هذا: كتبت هذه الصفحات عن طفولتي، وعن فلسطيني الثلاثينات من القرن الماضي، من أجل بناتي، والأجيال الآتية التي لعلّها تجهل كلّ شيء عنّا، وعن طريقة عيشنا. ويبدو لي مهما الحفاظ على ذاكرة تلك الأيّام المندثرة، ذلك أنّ الأمل في مستقبل أفضل لا يمكنه أن يتغذّى إلاّ بمعرفة حقيقة الماضي . (ص9)
قارئ هذا الكتاب سيتعرّف على فلسطين في الثلاثينات، في بعض الجوانب، التعليميّة، الاجتماعيّة، الوطنيّة، ولعلّه وهو يلمس تطوّر الحياة بإيقاع سريع وحيوي، سيتساءل: ماذا لو أن فلسطين لم تُنكب بالهجمة الصهيونيّة المترافقة مع الاحتلال البريطاني لفلسطين؟!
هذا الكتاب هو (شهادة) لامرأة فلسطينيّة، ولدت لأسرة فلسطينيّة هي الأعرق، والأبرز في التاريخ الفلسطيني الحديث، الوطني تحديدا، أقصد عائلة ( الحسيني)، وهي من جهة الأم تنتمي لعائلة ( العلمي) التي من أبرز رجالاتها ( موسى العلمي) خال سيرين، ناهيك عن جدّها فيضي العلمي، عضو مجلس المبعوثان، ورئيس بلديّة القدس.
ذكريات مشوقة تتحدث في جوانب منها عن عائلة الحسيني، ودورها التاريخي في القدس ... حديثٌ مهم، سيرة ذاتية لوطن .. وقبل ذلك لإنسانة آثرت أن تكتب سيرتها بلغة غير عربية .. ليقوم بتقديم السيرة المفكر الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد
مذكراتٌ عفويةٌ بأسلوبٍ محبَّب، تسردُ فيها السيدة سيرين الحسيني شهيد صفحةً من عشرات بل مئات الصفحات التي شَكَّلت الذاكرة الفلسطينية المُثقَلة بحملها؛ ذاكرةٌ غضَّةٌ متَّقدة وقلمٌ رشيق تصفُ بهما محطات الصِّبا في عشرينيات القرن الماضي وكأنها البارحة: من حي "المصرارة" شمالي القدس، إلى قرية "شرفات" حيث عطلة الصيف، وصولاً إلى حقول أريحا شتاءً. "الست" سيرين، ابنة القدس وسليلة إحدى أبرز أسرها العريقة "آل الحسيني"، كان والدها جمال الحسيني قيادياً بارزاً في فترة الانتداب البريطاني، ومن أبناء عمومته الحاج أمين الحسيني (مفتي القدس)، وشيخ المجاهدين عبد القادر الحسيني. أما من جهة أُمِّها، فخالُها هو موسى العلمي الأنصاري، سياسيٌ بارز وممثل فلسطين في جامعة الدول العربية خلال أربعينيات القرن الماضي. لعلَّ مكانة أسرتها الفاعلة في المشهد الوطني جعلتها تعايش فصلاً ذا زخَمٍ كبير من النضال؛ فمع اشتعال شرارة الثورة في منتصف الثلاثينيات، اضطُرَّت العائلة تحت وطأة التهديد للانتقال إلى بيروت لمواصلة رحلة الكفاح، لتتوالى بها الترحالات إلى بغداد، ثم يُنفى والدها إلى "روديسيا". وما إن عاد إلى القدس بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى حلَّت النكبة بعد سنتين فقط، لتُهَجَّر الأسرة للمرة الأخيرة إلى بيروت.
لا شكَّ في أنَّ هذه المذكرات تؤرِّخُ لأحداثٍ فارقة في المشهد التاريخي قبل النكبة وبعدها، ولعلَّ أكثر ما يلمسُ شغاف القلب هو وصفُها المؤثر لمشهد عودتهم في زيارةٍ خاطفة إلى القدس بعد حصولهم على تصريحٍ بُعيد النكسة في السبعينيات؛ إذ وقفت متجمدةً أمام منظر منزلهم المسلوب، حين طرقت والدتها الباب، تطلبُ من الأغراب القاطنين فيه أن يسمحوا لها بإلقاء نظرةٍ أخيرَة على أرجائه: "منذ أن وصلنا إلى باب العمود، بدأنا جميعًا نبحث بعيوننا، متلهفات من بعيد، دون أن نتفق على ذلك. لكن، عندما توقفت السيارة أمام المدخل، أصبحنا عاجزات عن القيام بأدنى حركة. وكل واحدة تحاول إخفاء دموعها وكتمان حزنها، وحين رفعت بصري نحو بيتنا القديم الذي لم يتغير، فيما يبدو، نفس الشرفة والشجرة العتيقة، ونفس النوافذ في غرفة النوم المطلة على دير الرومينكس المعانق للسماء الزرقاء، أحسستُ بأن سنوات الفراق قد صفعتني، فأخذتُ أرتعش من الانفعال". "كنت أذهب لاستكشاف المدينة التي أحببتها كثيرًا والتي حُرمت منها أمدًا طويلًا. في كل ركنٍ من الشارع كانت مظاهر الاحتلال العسكري الإسرائيلي تقفز إلى بصرنا؛ وعند كل ركن كان الماضي يعاود الانبثاق. وكان انفعالنا جدّ قويّ، فكنا بالكاد نتبادل بضع كلمات. إذا ما حاولنا الكلام، فإنه يصعب التحكم في حزننا؛ فكان الصمت دفاعنا الأفضل. كنا نحس أيضًا بأنه لا يوجد وقت نضيعه، وأن علينا أن نتشرب ما أمكن، تلك الذكريات الثمينة وأن نخبئها في عمق أفئدتنا".
استعذبتُ حديثَها عن السيدة "وجيهة" زوجة شيخ المجاهدين عبد القادر الحسيني -وكنتُ قد تأثرتُ بهذه الشخصية في سنٍّ مبكرة- وكيف أنها ناضلت معه حتى الرمق الأخير؛ إذ تحمَّلت مسؤولية أبنائهما في الغربة ببغداد، في حين كان هو يكابدُ مرارة الاعتقال في أحد السجون العراقية.
"كانت جميلة وغنيّة؛ وكان هو فاتناً ومثقفاً. كلاهما مُتحدِّرٌ من الفرع الأكبر لعائلة الحسيني. كان لا بد أن يتعارفا عاجلاً أو أجلاً، وأن يتزوّجا".
"بينما كان زوجها معتقلاً، حوّلت الست وجيهة بيتهم، وسط بغداد، إلى ملتقى لجميع أولئك الذين جاؤوا ليشاركوا إلى جانبه، في الكفاح من أجل حقوق الفلسطينيين. وكانت هي حاضرة في كل مكان، منشغلة وساهرة على الجميع وعلى كل شيء. وحينما لا تكون مهتمة بأولئك الذين جاؤوا للالتحاق بعبد القادر، فإنها كانت تقضي وقتها متُنقّلة بين المصالح الحكومية لتُسوّي مشكلات إقامتها في العراق، أو لتستفسر عن مصير زوجها. وكان عملها هذا، مثار إعجاب واحترام لدى مجموع العشيرة الفلسطينية."
"في نهاية الأمر، أُطلق سراح عبد القادر الحسيني وعاد إلى فلسطين حيث استأنف نشاطاته على رأس حركة المقاومة. لكن أسرته بقيت في بغداد حيث كانت الست وجيهة تتابع عملها. كانت امرأة بالِغَةَ الكرامة والتكتّم لدرجة أنْ لا أحد؛ خارج دائرة العائلة الحميمية، كان يعرف أنها تعيش في فَاقَة".
مذكرات دافئة جدا، مزج عبقري بين الماضي والحاضر، واستشراف حزين ويائس للمستقبل، تستحضر باسلوب خلاّب صورة فلسطين التي نفتقدها اليوم قبل أن تطأها الاقدام المدنسة، ما بدأه الانتداب البريطاني أنهاه الكيان الغاشم، فلسطين التلال والهضاب وشجر الزيتون، فلسطين وتلاقح الثقافات والاعراق والمعتقدات في خليط منسجم وعجيب، كثير من الاماكن التي ظللها شجر الزيتون تحولت اليوم الى كيبوتسات، كثير من عبق الامكنة والناس اختلط برائحة الدم والخيانة، كثير من الامكنة التي بناها اهلها بالحب قبل اللبنات، باتت اليوم مثل الجدران الباردة التي تطوقها أسيجة شوكية.. كُتب على الشعب الفلسطيني الشتات عن ارضه وارض أجداده ..تعيد سيرين سحر الاماكن، تتبعت خيوط حكايات اربعة اجيال، بين من عاشو في احضان القدس وهم لا يعرفون عالما ٱخر غير القدس، وبين من تم تهجيرهم قسرا، وحلّوا لاجئين في بلدان عديدة .. وانا أقرأ وصف سيرين للناس والازقة والبنايات وأرى بعض الصورة المتفرقة في الكتاب، أُدرك جيدا لماذا يسعى الكيان اللقيط الى التدمير الهائل لكل شيء، انه حين يسوي المباني بالارض ويقتلع الاشجار يريد ان يمحوا كل تفصيل له علاقة بالهوية والذاكرة الفلسطينية. اقرأوا يوميات وسير أبناء الشعب الفلسطيني الذين عاصروا الانتداب ثم الاح*تلال فيما بعد ، وكل من تعمق في دراسة هذه الفترة بالذات سوف يدرك حجم الفارق الهائل بين فلسطين اليوم والامس ..
اقتباس :
وها هي أمي ، الوحيدة بيننا التي لم تضطرب، تخرج من السيارة. مستندةً على عكازها، ارتقت الدرجات الثلاث المؤدية إلى الباب الرئيسي، ودقَّتْ ثلاث دقات انفتح الباب وظهرت يهودية في سنّ متوسطة . من داخل السيارة ، سمعنا أمنا تسأل بأدب ولكن بحزم : . " هل تأذينين لي في أن أرى داخل بيتي؟ - بيتك ؟ قالت المرأة مذهولة. لكننا نحن اشتريناه ! - أنا لم أبعه؛ أجابت أمي .