قرأت له مرة سابقة من قبل في كتابه «غرر القصص»، وجذبني أسلوبه كثيرًا، وكتبت وقتذاك إن الأسلوب هو الرجل، فمع أن الكتاب كان إعادة قصّ لقصص من التراث إلا أنه كان جدّ ممتع بقراءته بهذا الأسلوب الطلي العصري، وأما هذا الكتاب فهو ديوان شعر، وأما لغته وأسلوبه فهي كأجمل ما يكون أسلوب الشعر النقي العذب، ولكن ..!، وبئس لكن، ولكن إن وضعت الأسلوب جانبًا فمن هذه الناحية لا أحسبني قرأت شيئًا جديدًا أو معنى طريفًا أو لمحة فريدة من لمحات الحياة التي يبصرها صاحب العين المفتنّة، فليس هذا من الشعر الذي قد أقول عنه مؤكّدًا عل كل حرف: «انظروا، إنّه شعر!»
ولا بأس، ولكن كان من الطريف أنني وأثناء قراءتي لأبيات هذا الكتاب، أحسست أن هذه الصياغة الفنية أو تلك فيها روح واضحة من أسلوب شوقي، لا أعني الاقتباس بالتأكيد، ولكن الديباجة الشعرية، فهي هنا كانت ديباجة شوقية بامتياز، بغضّ النظر عن المعاني العادية التي لم يستطع بها الجندي أن يجاري فيها معاني الأمير - ثم وفي نهاية الديوان، الذي هو قصائد دينية في غالبه، جاء ذكر لشوقي لنفسه، كان الأمر مفاجئًا ولكنه متوقع مع ذلك ..
كانت القصيدة بعنوان «رفقاء الخلود»، ويطلب فيها الجندي من قومه وأهله أن يدعوه يرحل بعد أن بلغ من العمر عتيّه (والديوان نشر عام ١٩٧١ قبل رحيل الجندي بعامين)، فيقول: دعونيَ أرحل عن داركمْ دعوني، وما ليَ لا أرحلُ دعوني فما أنا من غرسكم وإنّي إلى غيركمْ أميْلُ دعوني أسعى وراء الصحابِ فلم يصف لي بعدهم منهلُ هنالكَ «حسّانُ» يشدو اللحونَ ويصغي له «أحمدُ» المرسَلُ هناك «النواسيُّ» بين الندامِ يعلُّ من الراحِ أو ينهلُ ويمشي طليقًا خليعَ العذارِ ولا هو يُلحى ولا يعذلُ هنالك «شوقي» وأترابهُ يضّمهمُ عِشّهُ المخضلُ تصافوا فلا الحقد من شأنهمْ ولا الودّ بينهمُ ينغلُ ولا حاسدٌ قلبُهُ أسودُ ولا كاشحٌ نابُهُ أعصلُ ولا ناكثونَ بعهد الهوى ولا رقباء ولا عُذّلُ
وطبيعي أنه لم يرافق منهم، حقيقة لا مجازًا، سوى شوقي، ورفقاء كرمة بن هاني، مكان سكنى شوقي، وقد سمّاه هنا "العشّ"، وأما حسّان وأبو نواس، فهم رفقاء خياليون، وإذن من هنا جاء الأسلوب الذي أحببته! وأعجب بمن هو نديم شوقي في الحياة كيف لا ينهل منه جمال اللغة!