رواية توثيقية، تكشف فصولها عن معاناة المعتقلات السياسيات داخل السجون السورية خلال عقد التسعينات من القرن الماضي وتفضح قمع النظام السوري في تعامله مع المعارضة النسائية بشقيها الشيوعي والإسلامي كأبرز اتجاهين للمعارضة النسائية بسورية. كما تبرز أيضا ضمن هذا العمل مآسي إنسانية عديدة يكشف عنها النص الأدبي في أكثر من موضع من الرواية
كاتبة وروائية سورية خريجة كلية الهندسة المعمارية سنة 1998 عملت كصحفية وكاتبة في عدد من الصحف والمجلات السورية واللبنانية والعربية. عملت كمديرة لمكتب مجلة عشتروت في دمشق. أصدرت: - مجموعة قصصية بعنوان: سماء ملوثة بالضوء- دار الكنوز الأدبية- بيروت 2000 - رواية بعنوان: أبنوس. فازت بالجائزة الثانية في مسابقة حنا مينة. أصدرتها وزارة الثقافة السورية عام 2004 - قيد النشر كتاب بعنوان: نيغاتيف- رواية المعتقلات السياسيات في سجون سورية - فازت في سنة 1992 و1993 بجائزتي القصة القصيرة
ناشطة في مجال العمل الأهلي والجمعيات النسائية عضوة مؤسسة في جمعية: نساء من أجل الديمقراطية تعمل حالياً في هيئة تحرير موقع الثرى الإلكتروني، وتنشر في عدد من المواقع الإلكترونية والصحف والمجلات السورية واللبنانية
ما أقسى وجع الإنسان ,ما أقدس دمه , ما أرقّ الأنوثة في قوّتها , كم هو موحش التفكير أنّ عقودا مرّت علينا نضحك و نلعب صامتين متغافلين مسكرين ضمائرنا بينما آلاف الصرخات تشقّ ضمير الأرض تحت الأقبية .... لولا صمتُنا لما أقام السفّاح عرش الدم عقوداً .... أيّها السوريّون يا أهلي و يا ترابي و يا دمي , تعيدون التاريخ لمساره البشريّ بعد تقييده عقودا بالفجيعة , تعيدون للإنسانيّة عنفوان الضمير بعد أن لفّ صمت الانتحار حول عنقنا مع كلّ صراخ .... هذا و ننبّه إلى أنّ ما في هذا الكتاب رغم قسوته إلّا أنّه ليس أقسى ما حدث .. و كُتب ... للقراءة أيضا مع هذا الكتاب حتى تكتمل الصورة :
" خمس دقائق و حسب " لـ هبة الدبّاغ " القوقعة " لـ مصطفى خليفة " تدمر : شاهد و مشهود " لـ محمد سليم حمّاد و كتبٌ و صورٌ و تواريخ و دماء و قيحٌ و موتٌ و سلخٌ و و و ... أخرى تجري الآن في هذه اللحظة ... هناك في أرض المستحيل و الأنبياء : سورية قريبا سيُصبحُ كلّ هذا من الماضي ... ألا إنّ نصر الله قريب
"شوارع العاصمة وأضواؤها الفاتنة تلقي عليكِ التحية مشيت فيها حتى تعبت الأرصفة تغزلت بها حتى غارت النجوم عشقتها حتى بكت الرجال وما زلتُ أصرخ منذ عودتي إليها: يا مدينتي الجميلة والخائنة ها أنذا قد عدت"
لقد عرفت الكاتبة هذا العمل على أنه "رواية توثيقية" وأنا أختلف معها بهذا التعريف كل الإختلاف. لذلك, وحتى نستطيهع تقييمه بشكل جيد لابد لنا من فصل هذا المسمى إلى جزأين: أولاً, من الناحية التوثيقية يكون العمل مميز وجريئ ينقل معاناة السجينات كما هي وبتجرّد, شديد المصداقية يسلّط الضوء بشكل جيد على هذا الجزء المغيّب من العالم وبالتالي فهو يحقق الهدف من وجود هذه الانواع من الأعمال بشكل ممتاز وهو يستحق من هذه الناحية خمسة نجوم من أصل خمسة لولا قلّة الترتيب وغياب وجود نسق يسير وفقه. وبهذا فهو يستحق أربعة من خمسة. ثانياً, إذا نظرنا إلى العمل كرواية!!..... هنا تكمن المشكلة! فهو لم يقترب حتى من أي بنية روائية, القصة غير موجودة أو بالأحرى غير مترابطة وهي عبارة عن قصاصات مختلفة جمعت مع بعضها البعض بشكل أقرب إلى العشوائية, الشخصيات غير كاملة, الوصف منقوص والزمان مبعثر. وعلى الرغم من أن الكاتبة حاولت الإعتذار عن تسمية العمل برواية منذ البداية إلا ان هذا لايعني تسميه في نهاية المطاف "رواية"!!!. و برأيي لو تم بناء العمل ليكون مجموعة قصص قصيرة لحقق نجاح أكبر وبذلك هي ستسرد الوقائع كما وقعت دون لي القصّة الحقيقية بالخيال كما زعمت.
وبالمجمل بالرغم من أني أرى أن العمل وضع على عجل إلا أن قصصه تحمل في طياتها الكثير من العبر والتساؤلت المخفية بين السطور وهي مفيدة وتغني فكر كل قارئ.
يستوعب المرء أن يُعذب رجل في معتقل أو مخفر في نضال ضد محتل أو لنيل الحرية من مستبد، لكن أن تكون المعذبة إمرأة، وأن يكون السجان هو ابن البلد الذي يهشم فيها كيانا ضعيفا، وينزع ما في داخلها من أنوثة، وأن يُحطم نفسيتها بتجويعها وإذلالها، ويحطم فيها الإنسان باغتصابها وهتك عرضها، وأن يصل التعذيب إلى تعذيب زوجها —النصير والسند— أمام عينيها، عندها لن تجد بعد ذلك سوى الخوف والتيه؛ بعد أن وُئدت وقُتلت آلاف المرات في كل لحظة عاشتها في المعتقل.
هذا ما تناولته رواية "نيغاتيف" والتي رصدت عشرات التجارب لمجموعة من المعتقلات اليساريات والإسلاميات السوريات اللائي تم اعتقالهن في الفترة من أواخر السبعينيات حتى أواخر التسعينيات؛ حيث تم جرهن للمعتقلات بحجة الانضواء تحت أحزاب معارضة للنظام الحاكم، أو أخذهن كرهائن بديلا عن الأزواج والإخوة، خصوصا بعد المذابح الشهيرة التي أقامها النظام السوري الحاكم حينها للمعارضين السوريين بكافة طوائفهم، وعُلقت المشانق للكثيرين منهم.
وما زالت مذبحة "حلب وحماة" تمثل ألما في ضمير الذاكرة السورية؛ حيث تجاوز عدد القتلى فيها أربعين ألف شهيد ماتوا برصاص الجيش السوري على أبواب العمارات، وفي ساحات النوادي التي تحولت لساحات إعدام جماعية للشيوخ والرجال قبل أن يتم قتلهم قبلها باغتصاب نسائهم وفتياتهم العذارى أمام أعينهم التي تحولت لثقوب بفعل رصاص جيش ترك الجولان السليب وتحول نضاله للداخل، حيث المعركة السهلة بقنص العزل والفلاحين في سهول وجبال حلب وحماة.
كشفت كتابة روزا ياسين حسن عن إيمانها بأن التجربة لا تستمر ولا تعيش إلا حينما تُدون، وأن الضياع كُتب على شيء لم يُنقش في الحجر. ورأت أن الواجب يفرض عليها أن تخرج للقارئ العربي كتابا يحاول أن ينقل بعض الويلات والانتهاكات التي ارتكبت في حق النساء والرجال على السواء في ظل تخدير وتعتيم تمارسه أنظمة "يا جبل ما يهزك ريح". ومن ثم وجهت نداء: "إلى كل الصبايا المعتقلات.. عليكن العمل كثيرا لفضح القليل من المسكوت عنه.
تبدأ روزا ياسين حسن روايتها تحت عنوان "بمثابة مقدمة" بمقولة للكاتب سـعد الله ونوس في مســرحية "منمنمات تاريخية" يقول فيها آزدار، آمر قلعة دمشق، عندما اجتاح تيمور لنك دمشق قولا يشبه قول البطل السوري الكردي الأصل يوسف العظمة فيما بعد عندما أرسل غورو القائد الفرنسي إنذاره بحل الجيش السوري: "إني أتحصن في هذه القلعة، كي لا يقال في قادم الأيام اجتاح تيمور لنك هذه البلاد ولم يوجد من يقاوم".
تقول الكاتبة روزا ياسين: إن تجربة المعارضة السياسية في بلاد الديكتاتوريات وبمختلف أطيافها جزء لا يتجزأ من هذا النسق الذي قال عنه بريشت: غدا لن يقولوا: كان زمنا صعبا، بل سيقولون: لماذا صمت الشعراء؟! حيث ترى روزا أن التجربة النسائية بين صفوف المعارضة تؤكد ذلك، وما تجربتها في الكتابة عن الاعتقال إلا انسحاب لإجهار الصوت في زمن الصمت، حين تتحول الأنوثة بمعناها التاريخي النظري والمكرس لتصبح قادرة على الوقوف في وجه الطغيان وظلمة المعتقلات.
اعتبرت روزا روايتها هذه محاولة لتدوين جزء من تاريخ نسوي سياسي غُيّب سنين طويلة كما غُيّبت تجربة المعارضة عموما وبمختلف أطيافها.
الموت.. أمنية
كان من الصعب أن تظهر الأيديولوجيات ويتم استحضارها في المعتقل في هذا الوضع المأساوي؛ حيث كل الحقائق حينها تتراجع لصالح الحياة والبقاء، وحيث الرموز والتابوهات والمذاهب تتلاشى من أجل شربة ماء أو قصعة برغل طعمها شبيه بزيت السيارات، أو من أجل بطانية للتدفئة، أو حتى من أجل أن تتسلل المعتقلة على أطراف قدميها خفية لتقضي حاجتها في غيبة من الحراس والسجانين.
حيث لا يجد الإنسان نفسه بالتعذيب والقهر المتواصل إلا وهو يتراجع عن إنسانيته حتى حيوانيته. فالأفكار لا تتواجد حيث تحاول المعتقلة أن تناضل لكي تتحمل التعذيب، لتهرع بعدها لزنزانتها شاكرة ربها ثم جسدها أن عاوناها على أن بقيت حية بدون أن تفكر في أية تبعات إنسانية، وأحيانا تصل أن لا تفكر في الطعام، تجاهد لتبقى، ولتبقى فقط!.
المرجعيات تتلاشي تحت سقف زنزانة ضيقة ضيق الجحر، والمعتقلات يعشن فيها ملتصقات، نصفهن نائم بشكل التسسيف (عقب ورأس) كل منهما تحتضن أقدام الأخرى، بينما النصف الآخر واقفات على الباب ينتظرن بفارغ الصبر استيقاظ الأخريات كي يستطعن النوم.
تشير روزا بطرافة أن السجن السياسي كان تعبيرا حقيقيا عن فسيفساء المجتمع بكل طوائفه وأديانه، وبكل اتجاهاته السياسية والفكرية والاجتماعية، السجن ويا للسخرية كان نواة وحلما لمجتمع حقيقي.
سوط السجان
سلمني إلى رفيقاتي منهكة متعبة، ثم حكى لهن، والدموع تنزل من عينيه، كانت دهشتهن كبيرة وهن يرين زيادا يبكي، زياد السجان، الذي طالما كان جلادا بامتياز، متأثرا وهو يروي، يومها أقسم زياد ألا يعمل جلادا أبدا..
بالفعل لم تلمحه أي من المعتقلات في أقبية الفرع بعد تلك الليلة". المشهد الذي تتضمنه الرواية على لسان البطلة في غاية الغرابة لا يمكن أن يفسره حتى صاحبه، إنه "السجان" الذي يلعب غالبا دور "الجلاد" القاسي الذي لا يمتلك في قلبه ذرة شفقة أو رحمة حينما يُعذب، ويلعب —أحيانا وليس كل الوقت— دور "المشفق" الذي يقوم بتوصيل الرسائل وبعض الصور للمعتقلات، ويرمي إليهن خلسة بعلبة تونة أو قصعة طعام مسروق، أو يعيش مع تفاصيل حياة إحدى المعتقلات حتى يبكي لحالها.
يحيا أزمة صراع داخلي ومشاعر متناقضة، نظرته التي تجمع بين الشفقة على معتقلات أو معتقلين يدعون أنهم مناضلون تم رميهم في مسلخ المفترض أن يمارس هو دور الجزار فيه، وما فهمه من قادته من أنهم مجموعة كفرة شيوعيين أو متطرفين انقلابيين يريدون حرق البلد وقذفه إلى الجحيم، وخوفه منهم إن عرفوا بمساعدته للمعتقلات.
الألم الذي يعانيه حينما يخلو بنفسه منفردا وهو يتذكر مشاهد التعذيب، وليسأل عن ذنب صبية في عمر الزهور قضت في السجن سنوات طويلة رهينة عن أبيها أو أخيها، عن الأطفال الأبرياء الذين لم يروا من الدنيا سوى وجه السجانة، وبعضهم وُلد وبلغ السبع السنوات وما زالت والدته في السجن.. عن الحاجة سبعينية العمر—ربما في عمر جدته— التي كانت تضرب حتى يشج رأسها، وتمتد إليها أيدي زملائه وربما هو نفسه لتمزق ملابسها.
كان السجان في الحقيقة يشعر بأنه لا يفرق كثيرا عن المعتقلين والمعتقلات اللائي يقوم بحراستهن؛ فهو يعيش في نفس المكان الموبوء، ويستنشق نفس الهواء العطن الفاسد، تقتله كل يوم أنات وصرخات المعذبين من المعتقلين والمعتقلات، يجثم على صدره نفس الطاغية، ولكن يبقى الاختلاف الذي لا يدري هل يفرح أم يحزن به.. إنه في النهاية ليس إلا عصا للطاغية.
حب في الزنزانة
كالطامعة في البقاء، أو ربما تغرها نفسها فتظن أنها تحيا فتحلم بأن تُحِب أو تُحب، تهوى أن تعشق أو ينتفض قلبها وهي تدري أن الأنفاس محسوبة عليها، وأن عيون العالم بأجمعها تراقبها. لكنها تدرك أن الحب هنا في المعتقل هو وسيلة للبقاء، فهو أمل بأن تعيش وتصمد ضد التعذيب لأجل من تحب.
تدرك أن الزبانية يستطيعون كتم الأنفاس ومنع الطعام وتكسير العظام، لكنهم في النهاية لا يقدرون على وأد مشاعر الخوف والرغبة والحب والعشق والأحاديث الهامسة في أرجاء الزنزانة، خصوصا أنه في أحيان كثيرة كان يسجن الرجل وزوجته في نفس المعتقل وفي زنزانتين متجاورتين لا يرى كل منهما الآخر، ربما لسنوات.
تحدثت روزا عن تجربة لينا وزوجها عدنان؛ حيث استطاعا أن يلهبا جدران الزنزانة بأحاديث شوقهما وحبهما أحيانا همسا، وأحيانا بإشارات مورس، وكان حلم لينا الذي تحقق أن رأته صدفة بتدبير من سجان أشفق على حالتهما، وعندما رأته ظلت مشدوهة، صامتة، مصعوقة، حيث لم تر حبيبها منذ شهور طويلة. وتتكرر القصص بتفاصيلها -اتفقت أو اختلفت- بين هند وأبو مهند، المعتقلة الإسلامية وزوجها الذي أعدم وهي في المعتقل.. عماد وحميدة.. أميرة وزوجها مضر؛ حيث "الحب يتضخم هناك حتى يطغى على كل أوقات المعتقل / المعتقلة.. على الروح والذاكرة وحتى أقاصي العقل، تصبح كل ثانية من الوقت المسفوح بين الجدران.. تتوق له فقط.. أي للحب".
نقلت روزا قساوة التجربة، لكن تتبقى صورة التعذيب داخل المعتقلات كما تقول من الصعب تدوينها، ولن ينجزها كاتب واحد يستطيع أن ينقل مأساة متعددة التجارب ومتعددة بتعدد مسارات الطغاة، ومتنوعة بأساليب تعذيبهم وقمعهم، وعميقة عمق أقبية السجون.
المعتقلات الكاتبات
لم تكن الأديبة السورية "روزا ياسين حسن" أول تجربة نسائية تكتب عن المعتقلات والسجون العربية؛ فقد سبقتها الصحفية والأديبة المصرية فريدة النقاش التي كانت أول امرأة عربية تكتب عن تجربتها في المعتقل، والتي دخلته في أوائل الثمانينيات مع مجموعة من أبرز المثقفين والسياسيين الذين هاجموا السادات بعد عقده اتفاقية "كامب ديفيد"، وهي الأحداث التي عُرفت بأحداث سبتمبر 1981، وألفت كتابا حمل عنوان: "السجن.. الوطن" رأت فيه أن السجن أصبح جزءا من الوجدان الوطني العام.
وتبقى التجربة المغربية النسائية أشد قسوة بطول سنين السجن، وشدة معاناة الاعتقال؛ فالمناضلة اليسارية المغربية "فاطمة البوية" قضت أجمل سنين عمرها في المعتقل الذي دخلته وهي في ريعان الصبا—اعتقلت ولم تتجاوز التاسعة عشر وخرجت منه وهي في أواخر العشرينيات من عمرها—فدونت ما عانته في المعتقل ونشرته في كتاب بالعربية بعنوان: "حديث العتمة"، وبالفرنسية بعنوان: "امرأة اسمها رشيد"، ورشيد هو ذاك الاسم الذي أُطلق عليها حينما كانوا لا ينادون المعتقلات إلا بأرقام أو بأسماء رجال.
وكانت التجربة الأولى لأسرة كاملة تسجن كلها لمدة عشرين سنة متواصلة، تجربة "مليكة أوفقير" ابنة الجنرال المغربي المعروف "محمد أوفقير" الذي قام بانقلاب فاشل على الملك المغربي "الحسن الثاني"، فقام الملك بإعدامه، ولم يشف ذلك غليل "الحسن" فقام بوضع أسرة "أوفقير" وزير داخليته ووزيره المقرب في المعتقل؛ حيث كان كل فرد في الأسرة معزولا عن الآخر طوال مدة السجن تقريبا.
واستطاعت "أوفقير" بكل دقة أن ترسم صورة لهول المعاناة التي عاشت فيها هي وأخواتها، فصورت معاناة أمها وقد حبسوها في زنزانة لمدة خمس سنوات كاملة بعيدا عن أخواتها، والابن الأصغر "عبد اللطيف" الذي لم يبلغ السنتين حينها؛ حيث لم تر فيها الأم أولادها وهم يكبرون، وكانوا يتغيرون دون أن ترى منهم إلا أطيافا على بقع الماء التي يخلفها المطر على باحة القلعة التي سجنوا فيها في أقصى الصحراء المغربية.
وكان للكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي دور في إظهار المخفي من سراديب وأقبية السجون بأعمالها الجريئة التي كشفت فيها عن عالم الجلادين والمعتقلات، وساهمت في كتابة جزء من التاريخ المغربي وما يحمله من آلام ومعاناة لمناضلات وسجينات سياسيات سابقات عانين في سجون زمامارت، ودرب مولاي الشريف، والكوربيس، وأكدز، وقلعة مكونة، والكومليكس، وكلها أماكن لا تزال شاهدة على ما حدث فيها من آلام وانتهاك للإنسان المغربي فيما عرف في التاريخ المغربي باسم: "سنوات الرصاص".
ما أوسع الألم و ما أعظم انكسارات الانثى هناك..تحت هذه الأرض التي ندوسها يوميا ظانين أن الحياة تبتدأ من أصغر أفراحنا و تنتهي عند أعظم أحزاننا... ظانين أننا أحطنا بمفهوم الألم علما ... ياااه كم هو متعدد هذا الألم/كبير /متسع/كثيف/ و تافه هو الألم الذي يقارن بآلامهم! إن توثيق مثل هذا التجارب مدخل مهم لإضافة تعبير آخر لمفهوم الانسانية في قاموسنا
أن تتجسد الأنوثة المتصخرة هناك عند سماع صوت أي ذكر..حتى لو كان سجانها أن تصبح الأمية من أكبر المخاوف بعد أن مرت السنة و السنتان و لم يدخل شيء إلى دماغك عدا لغة المورس أن تختصر ذاكرتك البصرية بعالم ترسمه لك العصابة التي اعتادت أن تلف عينيك فتصور لك الشمس كجزء من المستحيل بالنسبة للذاكرة السمعية فلا تحمل لك -حتى بعد الخروج من هذا الجحيم- سوى أصوات الأنات و العويل و أصوات السياط على الأجساد العارية حتى الدم ...حتى الدم هناك يغدو جزءا من ذاكرتك السمعية! مثل هذه القصص عليها أن توثق بداخل ذاكرة كل شخص طبيعي يخاف على مفهوم "الانسانية من الاندثار تحت وطأة ثقافة الاستهلاك المتشرشة و الترف و الحياة الفاضلة التي نهرب إليها كلما استعصى علينا أن نشعر بكل هذا الألم الذي ندوسه يوميا دون أن نشعر...
الحرية أن تحيا الحياة كالحياة! كما كان يفترض و يقدر لك أن تعيشها لولا لحظة سوداوية مرت بجلادك فجعل منها...سجنا و لا شيء يعبر عن قسوة هذا المكان كمفردته الأصلية .."السجن"!
كثير من السجن هنا، كثير من الوجع .. كثير من الأنوثة الضائعة .. المختلف في هذه الرواية أنها استطاعت مع قلة صفحاتها تغطية الكثير من الجوانب التي لم تغطى في كثير من القصص، ونقلت تجارب أكثر واقية .. ذلك أنها لم تتحدث عن سجين واحد، أو قصة شخصية .. وإنما نقلت أكثر من تجربة بأكثر من بيئة بأكثر من زنزانة .. فكانت كما تسمى رواية توثيقية بحق ..
إن سألتني عن الحرية أقول لك : هي الهواء النظيف ، صخب الشوارع ، الأصدقاء الجميلون ، رائحة البحر وعبق الغابة ، حنان الأهل ،زحمة المهرجانات والمسارح . كل ذلك هو حريتي وحلمي الرائع أحمله ويثقل علي .
كتاب يجمع مقتطفات من شهادات عدة معتقلات سياسيات في سوريا حافظ الأسد. أغلب النماذج المذكورة من المعتقلات الشيوعيات و إن أشير في ثنايا الكتاب إلى أن الإسلاميات كن يلقين معاملة مختلفة (أسوأ بكثير) من السوء المذكور هنا. التجربة النسائية السورية في معتقلات الأسد التي قرأت عنها سابقاً كان كتاب هبة دباغ و ورد منه عدة اقتباسات هنا كملاحظة شخصية, لم أتأثر كثيراً عند قراءتي لهذا الكتاب. لا أدري هل بسبب أن معاملة النساء - بكل ما يحمله الكتاب من مآسي - هي بعد كل شيء أخف من معاناة الرجال التي مررت بها في كتبٍ أخرى كان من أثرها فيما يبدو أن تشربها القلب فجمد, أم أن هذا من تأثير الواقع الأسود الذي نعيشه الآن؟! لفت نظري فيما لفت أن أغلب المعتقلات الإسلاميات لم يكونوا يحسنوا استقبال الشيوعيات إذا ما حلوا وسطهم بدعوى الكفر. قد تكون بعضهن معذورات إذا مان السبب هو التخوف من كونهن جواسيس بينهن لصالح آمري السجن -و هذا كان يحدث أحياناً - لكن هذا أمرٌ يمكن الإحتراز منه بطرقٍ أخرى, أما حسن المعاشرة و المعايشة فهو أمرٌ حتمي على من يعتبر نفسه صاحب دعوة. و أكبر عيبٌ في حقه ألا يترك أثراً حقيقياً فيمن يعيش معه كل هذه الفترة كما حدث مع صاحب رواية القوقعة!
في اي قانون أو منطق هذا يسمح فيه بأن تستعمل النساء للضغط وإذلال وإعتقال الرجال!! لكن حدث ويحدث دائما
وأي الرجال هم هؤلاء الذين يقامرون بحرية وكرامة وشرف اخواتهم وزوجاتهم وأمهاتهم؟
في كل دولة في كل زاوية بالعالم.. رعب وسادية،مسلسلات تعذيب وتفنن لا نظير له. اليهود وهم أبناء جلدتنا، سجون وأسوار عالية،أسلاك شائكة وسجان بلا رحمة. في الظلام يتعفن الجسد والروح تنازع أنفاس الحياة بكرامة. لقد نزل الإنسان إلى مستوى منحط ،وحين تعلم أن يروض حيوانه الأليف لم يعرف السبيل لترويض نفسه ابداً، أو ببساطة لم يكن ذلك ليصب في خانة رغباته.
كيف لهؤلاء المنتمين لدين أن يفعلوا أشياء مماثلة بحق إنسان آخر من نفس ملتهم؟!! بحق أي كائن آخر
أي عرش هو وأي سلطة هي هذه التي من أجلها تتحول النفوس إلى وحوش ضارية ويمحى الفارق بين الصواب والخطأ. بين الشر والخير..
أن يمارس الجحيم على "الأصوات" بينما ينعم الأشرار بالحماية والاحتفال،هو خلل اخلاقي فادح .. موجود دائما في مجتمعاتنا.. فهل يلقى اللص او القاتل او المرتشي نفس المعاملة .. هذا في حالة دخول السجن؟
يا الله على هذة الارض الكثير ممن عانوا الظلم والضياع فى السجون العربية فانتقم لهم يا الله تجربة جديدة لي فى القرأة عن السجون لتثبت لى نفس الشىء ان السجن هو اقسى تجربة يمكن للانسان ان يعيشها اختلاف المكان واختلاف الشخصيات واختلاف الانظمة ولكن السجن واحد والتعذيب واحد وان اختلفت اساليبه انظمة باسماء مختلفة تدعى مصلحة الوطن لتعذيب الشرفاء والابرياء !! ملعون الف مرةذاك الوطن
غياب الفواصل الانتقالية بين الضمائر والاسماء المختلفة جعل قصص كل النساء تبدو كقصة لامرأة واحدة وهذا سرد لاواع عند السجين او سارده للسجن لأن الأمر كذلك بالفعل
ـ السجينات الإسلاميات خرجن من السجن محطمات ولا يستطعن الحديث إلى أحد عما واجهنه! ـ تتحدث كثير من السجينات عن البنطلون الذي يقوم المعتقلون بإلباسهن إياه أثناء التعذيب، ويقع في نفسي أنهن يردن بذلك أن ينفين تهمة اغتصابهن التي تتأكد عندي بهذا الإثبات. ـ بدأت قراءة الكتاب على مضض ولم أعجب به لتباين أسلوبه لكن الأجزاء الأخيرة منه كانت أفضل. ـ قبح الله نظاماً لا يرى لنسائه كرامة!
البُعد، الحنين إلى رتم الحياة الطبيعية، العجز عن مواصلة الحركة المعتادة قبل الاعتقال : كلها مشاعر قاسية ... تقتل، تذبح، تضعف الإنسان وفي سجن صيدنايا وقفت الفيروزيّة بثينة تشدو بصوتها المخنوقِ صبا وكرد ونهاوند، شذب صوتها قضبان الحديد والأغلال، وقفت بجانب النافذة، كل نزلاء القسم وقفوا على أرجلهم ينصتون للصوت الملائكيّ السجين: لشوا الحكي .. طالل علينا قمر خلي النظر للنظر ... يشرح هواه ويشتكي لشو الحكي؟ لشو الحكي .. عند التلاقي سوا أهل الهوا ع الهوا بيتفاهموا من دوي حكي! نوستاليجا الحنين، تذكرنا بأهل البرزخ إذ يتحادثون بينهم عما لاقوه وسمعوه في الدنيا .. السجن تجربة إحياء روحي عارم رزوا ياسين في أدب السجون، وتسليطها لآلام المعتقلات السوريات، لم تنحاز للعنصر النسائي!، لا ... بل انحازت إلى الإنسان، ذكراً كان أم أنثى، ففي السجن ... يغدو الكل بهوية جنسية واحدة، يستوي في ذلك الرجل، المرأة، الشيخ، الكهل ، الصغير ... كلنا سجناء، بأرقام لا تعني شيئاً سوى أننا هنا بلا رتب
الكتاب هو شهادة لإحدى المعتقلات في السجون السورية و ما يجري فيها من تعذيب نفسي و جسدي بمختلف أنواعه، حاولت الكاتبة وصف ما كان يتعرض له السجينات الشيوعيات و الإسلاميات. و مما لفت انتباهي في الكتاب هو أنه كان في السجن جنسيات متعددة من بينها أمريكية تاجرة مخدرات، تقول الكاتبة أن تلك السجينة كانت تعامل و كأن أمريكا كلها موجودة في سجن النساء، و كانت السفارة الأمريكية ترسل مبعوثا خاصا لزيارتها كل حين و إعطائها النقود. ما لم يعجبني في الكتاب هو أنه عبارة عن سرد أحداث و وقائع لكن صاحبته حاولت أن تجعل ذلك في قالب روائي على شكل رواية، أعتقد أنه كان سيكون أفضل لو اقتصر فقط على سرد الأحداث بتفاصيلها بشكل أكثر واقعية
لا يمكن تقييم كتاب عن الألم خاصة وأنت تدرك أن المعاناة المرصودة في صفحاته ما هي إلا صور لجراح حقيقية لم تلتئم بعد وأن أصحابها لا زالوا على قيد الحياة، نيغاتيف من عالم آخر موازٍ لعالمنا تتركز فيه مخاوفنا وكوابيس آبائنا بكل ما تحمله من قهر وقنوط. يفتقر أسلوب الكاتبة إلى السلاسة، وتتكسر رواياتها مع كل انعطاف يسلط فيه الضوء على بطلة جديدة فيبدو السرد ذا حواف حادة كشظايا حياة المعتقلات وأحلامهن، كل ذلك لا يمنع من إنهاء الكتاب في أيام قليلة وضمه إلى رف "شرق المتوسط".
ليه سوريا بيحصل فيها كل ده دلوقتي عشان اللي حصل زمان.. سنين وسنين من الظلم والطغيان والعذاب كان طبيعي لما يتواجه يحصل كل الدماراللي بنشوفه ده..
الرواية فيها شوية نقط ضعف زي اللغة مثلا او اختيار الكاتبة لترتيب الاحداث والفصول اللي خلاني اتلخبط شوية لكن يعوض عن ده تماما انها واقعية وبتحكي قصص لناس عاشوها فعلا، كمان يحسب لها انها اتكلمت عن ادب السجون من وجهة نظر المعتقلات الستات وديه حاجة قليلة نسبيا. الرواية في المجمل جميلة واجمل ما فيها الصور اللي في الاخر.
بدأت شوطا في قراءة ادب المعتقل وكنت أتمنى ان يكون المشوار قصيرا ولكن كلما انهيت كتابا حتى قادني الى الأخر هذا الكتاب ليس الأفضل ولكن المميز فيه انه كتب على يد إمراة بينما باقي الكتب كان أبطالها من الرجال ولكن كمية ونوعية العذاب الذي ستناله وستشهد عليه لن يكون أقل مقارنة بنظرائها الذكور
لاتبحث هنا عن الاثارة والعنف فالجنس البشري سيدهشك على كمية الشر القادر على صنعه وافراغه في اخيه الانسان ولكن ابحث عن القوة التى نتمتع بها جميعا في مواجهة مثل هذه الظروف والخروج منها
(نيغاتيف) رواية توثق تجربة السجن من وجهة نظر الأنثى السجينة، تحكي معاناتها وعذاباتها والظلم الذي وقع عليها داخل السجن، تعري عوالم المسكوت عنه والمغيّب والمحرّم تداوله في العرف الاجتماعي الذي ما زال يتعامل مع الأنثى بعقلية الحريم، وفي العرف السياسي الذي مازال يرى في السجن وسيلة من وسائل استمراره وديمومته.