إن إحساسنا بشيء من الأشياء هو الذي يخلق فينا اللذة ويبث فينا الروح ويجعله معنى شعريًّا تهتز له النفس أو معنى زريًّا تصدف عنه الأنظار، وتعرض عنه الأسماع، وكل شيء فيه شعر إذا كانت فينا حياة أو كان فينا نحوه شعور» هذه من أقوال الكاتب حين أراد أن يستعرض ديوانه «عابر سبيل» موضحًا أن هذا الديوان هو شعر يمكن أن يرى صوره في كل مكان؛ لأنه ممزوج بالحياة الإنسانية .. فمن مناقشته لعصر السرعة، لعسكري المرور، للفندق، لفتنة الصور المتحركة، للعيش الجميل، وغيرها من الموضوعات الحياتية التي أفاض في عرضها بلغته الشاعرة والتي تجاوزت الستين قصيدة.
ولد العقاد في أسوان في 29 شوال 1306 هـ - 28 يونيو 1889 وتخرج من المدرسة الإبتدائية سنة 1903. أسس بالتعاون مع إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري "مدرسة الديوان"، وكانت هذه المدرسة من أنصار التجديد في الشعر والخروج به عن القالب التقليدي العتيق. عمل العقاد بمصنع للحرير في مدينة دمياط، وعمل بالسكك الحديدية لأنه لم ينل من التعليم حظا وافرا حيث حصل على الشهادة الإبتدائية فقط، لكنه في الوقت نفسه كان مولعا بالقراءة في مختلف المجالات، وقد أنفق معظم نقوده على شراء الكتب.
التحق بعمل كتابي بمحافظة قنا، ثم نقل إلى محافظة الشرقية مل العقاد العمل الروتيني، فعمل بمصلحة البرق، ولكنه لم يعمر فيها كسابقتها، فاتجه إلى العمل بالصحافة مستعينا بثقافته وسعة إطلاعه، فاشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور، وكان إصدار هذه الصحيفة فرصة لكي يتعرف العقاد بسعد زغلول ويؤمن بمبادئه. وتوقفت الصحيفة بعد فترة، وهو ماجعل العقاد يبحث عن عمل يقتات منه، فاضطرإلى إعطاء بعض الدروس ليحصل على قوت يومه.
لم يتوقف إنتاجه الأدبي أبدا، رغم ما مر به من ظروف قاسية؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات. منحه الرئيس المصري جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الآداب غير أنه رفض تسلمها، كما رفض الدكتوراة الفخرية من جامعة القاهرة. اشتهر بمعاركه الفكرية مع الدكتور زكي مبارك والأديب الفذ مصطفى صادق الرافعي والدكتور العراقي مصطفى جواد والدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ.
عابر سبيل الإنسان والطريق الرؤية والاختيار الخطوة والأَمكنة العين والمرئيات الإنسان الفرد والإنسان الرمز العنوان جميل ينطلق من رؤية حركية تهتم بالبسطاء والأشياء وفي الوقت نفسه يضع الإنسان في سياق كوني فيعد القارئ برحلة شعورية في عالم الغربة النفسية العقاد في بعض قصائده تصويري رمزي بخاصة قصيدته عن السلع التي تتحدث يوم البطالة والمحل مغلق عليها ولا تجد وجودها إلا في القيمة التي تضيفها لمن حولها إن المتجر الإنساني المغلق لا قيمة له البشر لديهم بضاعة فيها الثمين والغث وصوت الأشياء ينطق برؤية العقاد للعالم
هناك نوع من الكتب لا يمكن قراءته بشكل خاطف وانما لابد من قراءته على مهل بين فترة واخرى ترجع له فتقرأ ما تبقى منه وديوان عابر سبيل من هذه النوعيه الديوان فى مجمله " ظريف " حيث يعرض الشاعر لمجموعة من المواقف الحياتيه فى صورة شعرية إن دلت على شئ فإنما على القدرة الفائقة فى نحت المواقف المهملة الضعيفة التى لا يمكن ان تستهوى احد فى صورة شعرية يتخللها فنون الشعرية من المجاز والاستعارة والكنايه ، والرجل يجيد ذلك بحرفيه بالغة
عابر سبيل هو الديوان السابع للعقاد في مسيرته الشعرية, سبقته دواوين: يقظة الصباح, وهج الظهيرة, أشباح الأصيل, أشجان الليل, وحي الأربعين وهدية الكروان, وتلته دواوين: أعاصير مغرب, بعد الأعاصير وبعد البعد. وهو الديوان الذي يكشف لنا عن وعي العقاد بما هو شعري, وعن تجاوزه للمعجم الشعري بالمعني المألوف الذي أكثر الشعراء الرومانسيون ونقادهم من الحديث عنه. فالعقاد يري في المقدمة التي كتبها لـ( عابر سبيل) أن إحساسنا بشيء من الأشياء هو الذي يوجد فيه اللذة ويبث فيه الروح ويجعله معني شعريا تهتز له النفس, أو معني زريا تصدف عنه الأنظار, وتعرض عنه الأسماع, وكل شيء فيه شعر إذا كانت فينا حياة أو كان فينا نجوه شعور. فليست الرياض وحدها ولا البحار ولا الكواكب هي موضوعات الشعر الصالحة لتنبيه القريحة واستجاشة الخيال, وإنما النفس التي لا تستخرج الشعر إلا من هذه الموضوعات كالجسم الذي لا يستخرج الغذاء إلا من الطعام المتخير المستحضر, أو كالمعدم الذي يظن أن المترفين لا يأكلون إلا العسل والباقلاء. وفي وعي ساطع بثورة التجديد في الموضوعات الشعرية التي دعا إليها العقاد يقول: كل ما نخلع عليه من إحساسنا ونفيض عليه من خيالنا ونتخلله بوعينا ونبث فيه من هواجسنا وأحلامنا ومخاوفنا هو شعر وموضوع للشعر, لأنه حياة وموضوع للحياة. إن عابر سبيل ـ في رأي العقاد وفي ثورته الشعرية التجديدية ـ يري شعرا في كل مكان إذا أراد, يراه في البيت الذي يسكنه وفي الطريق الذي يعبره كل يوم, وفي الدكاكين المعروضة وفي السيارة التي تحسب من أدوات المعيشة اليومية ولا تحسب من دواعي الفن والتخيل, لأنها كلها تمتزج بالحياة الإنسانية, وكل ما يمتزج بالحياة الإنسانية هو ممتزج بالشعور صالح للتعبير, وأجد عند التعبير عنه صدي مجيبا في خواطر الناس. وفي رأي العقاد ـ أيضا ـ أننا نحن ـ أبناء العصر الحاضر ـ في حاجة إلي هذا التوجيه لإنقاذ النفس الإنسانية, لا لإنقاذ الملكة الفنية وحدها, فإننا إذا تعودنا العناية بالأشياء وجدنا فيها ما يستحق العناية وينفض عن النفس تلك التفاهة التي غلبت علي الحياة وعلي الشعر والفن في هذه الأيام الحديثة. العقاد إذن ـ في عابر سبيل ـ يرفض المعجم الشعري الذي كان سائدا في زمانه, وبالتالي يرفض التفرقة بين لغة الشعر ولغة النثر, ويتبني لغة شعرية جديدة هي لغة الناس البسطاء, نجدها أوضح ما تكون في قصيدته أصداء الشارع التي يستوحي فيها نداءات الباعة وضجة الحياة وصخبها في الشارع عندما يقول: بنو جرجا ينادون علي تفاح أمريكا وإسرائيل لا يألوك تعريبا وتتريكا وبتراكي إلي الجود علي الإسلام يدعوكا وفي كفيه أوراق بكسب المال تغريكا وأقزام من اليابان بالفصحي تحييكا وإن لا تكن الفصحي فبالإيماء تغنيكا قريب كلها الدنيا كرجع الصوت من فيكا دعا الداعي فلبوه طغاة وصعاليكا إذا ناديت يا دينار من ذا لا يلبيكا فما في الناس هذاك ولا في الأرض هاتيكا وهي لغة شعرية تذكرنا بالصدمة التي أحسها البعض عند استقبال النماذج الشعرية الأولي في حركة الشعر الجديد, ولجوء بعض رواد هذه الحركة الشعرية إلي لغة بسيطة عارية من الزخرفة والبلاغة, لغة تتسم بالواقعية الشديدة, ولابعد عن تهاويل الرومانسية وفضائها التصويري الرمزي, وجلجلة الكلاسيكية وصخبها. وهي اللغة التي كان صلاح عبد الصبور يبحث عنها عندما صاغ قصيدته الحزن في ديوانه الأول( الناس في بلادي): يا صاحبي, إني حزين طلع الصباح, فما ابتسمت ولم ينر وجهي الصباح وخرجت من جوف المدينة أطلب الرزق المتاح فشربت شايا في الطريق ورتقت نعلي ولعبت بالنرد الموزع بين كفي والصديق قل ساعة أو ساعتين قل عشرة أو عشرتين بهذا المعني, يكون العقاد سابقا لرواد الشعر الجديد ـ في استحداث هذه اللغة الشعرية ـ بأكثر من عشرين عاما, فديوان عابر سبيل صدرت طبعته الأولي عام1937 بينما نشر ديوان صلاح عبد الصبور عام1957. لكن لغة العقاد علي بساطتها ووضوحها لم تنجح في التحريض علي مقاربة شعره أو التعامل معه. وظلت الفكرة الشائعة عن شعر العقاد المنتزعة من دواوينه السابقة والتي تدور في فلك الصعوبة والوعورة والحوشية والتعقيد هي السائدة والمسيطرة, وظل الذوق الأدبي ينظر إلي شعر العقاد باعتباره امتدادا لدراساته في كتبه, وجها من وجوه تجلياته الفكرية ونزعاته التأملية وولعه بالمنطق والجدل. الفكرة في ديوان عابر سبيل هي أن مشاهد الحياة وعظات الأيام علي متناول اليد من كل إنسان إذا شاء أن يدير إليها عينيه, وأنه يستطيع أن يخلع الحياة الإنسانية علي ما حوله, فإذا هو في جيش لجب من الخواطر والبدوات والخوالج والأحاسيس, عالم محشود في البيت وفي الدكان وفي الطريق وفي حيثما كان عابر سبيل. تري, هل خطر علي بال راكبي السيارات ما طاف بذهن العقاد وقدح زناد شاعريته وهو يتأمل حال عسكري المرور وكيف أنه يتحكم في كل راكب وهو ليست له ركوبته ويبدع من الموقف المتأمل المقارن هذه المقطوعة القصيرة في عابر سبيل: متحكم في الراكبين وماله أبدا ركوبة لهمو المثوبة من بنانك حين تأمر والعقوبة مر ما بدالك في الطريق ورضي علي مهل شعوبه أنا ثائر أبدا وما في ثورتي أبدا صعوبة أنا راكب رجلي فلا أمر علي ولا ضريبة وكذاك راكب رأسه في هذه الدنيا العجيبة ومن أجمل قصائد العقاد في عابر سبيل قصيدته عن كواء الثياب ليلة الأحد, وليلة الأحد هي ليلة العطلة أو الإجازة التي ينتظرها البعض ليلبس أجمل ملابسه بعد أن أعاد إليها الكواء رواءها وبهاءها. الكواء وبيده مكواته الملتهبة حرارة واشتعالا, والساهرون الحالمون بلقاءات سعيدة يشتعلون بنار العاطفة والوجد والهيام. وشتان بين نارين وبين اشتعالين وبين حالين: حال يعيشها ويعانيها كواء الثياب وحال يفرح لها ويأنس بها المنتظرون لقاءات عطلة الأحد! من لفح هذه المقارنة وهذه المفارقة تتفجر شاعرية العقاد وهو يقول مخاطبا الكواء الساهر مع مكواته: لا تنم, لا تنم سهروا في الظلم أنت فيهم حكم في غد يلبسون إنهم ساهرون أو غفوا يحلمون وهمو ينظرون في غد يمرحون *** كم إهاب صقيل وقوام نبيل وحبيب جميل كلهم يحلمون ياله من إهاب في انتظار الثياب يزدهي بالشباب في غد يلبسون *** أسلموك الحلل في احمرار ا لخجل تشتهي بالقبل يالها من فنون كالربيع الجديد أو صفاء النهود لا بمس الحديد بهجة للعيون *** زد نصيب الحبيب بالكساء القشيب لك فيهم نصيب عند برح الشجون من هوي وابتسام رف حول القوام غير كي الغرام هم همو المكتوون *** الضرام اتقد هل خبا أو برد ذاك يوم الأحد إن قضيت الديون في المكاوي الشداد أو علاه الرماد! أين منك الرقاد! كل نار تهون! ليس معني هذا أننا لن نجد للعقاد في عابر سبيل شعرا كالذي اعتدناه من شعراء العاطفة والخيال والتدفق الشعري, فلم يخل شعره من حديث الحب ومجالي الطبيعة وصبوات القلب وجموح الريشة المصورة. وهو الشعر الذي تهزنا وفرته عند شعراء أبولو: إبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل وعلي محمود طه وأبي القاسم الشابي وغيرهم, كما نجده غزيرا في شعر المهجريين من أمثال: إيليا أبي ماضي وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة الذي هو أقربهم إلي روح العقاد الشعرية. يقول العقاد في مقطوعة عنوانها: في ساعة انتظار: يا ساعة الصفو غبت عني وحيرت لوعتي خطاك تائهة أنت في طريقي هداك نور الهوي هداك *** أبطأت يا ساعة التمني وموعد الملتقي قريب هل يبطيء البين لوسعي لي كما سعي موعد الحبيب أصبحت في لهفتي عليه أنتظر الليل بالنهار طال انتظاري له فماذا في الغيب يا ليل بانتظاري! وهو شعر يصدق فيه ما قاله عنه سيد قطب في كتابه كتب وشخصيات: في وضح النهار يعيش العقاد, صاحي الحس, واعي الذهن, حي الطبع, لا يهوم إلا نادرا, ولا يقول فيما وراء الوعي أبدا. وهو يري أن شعر العقاد يكثر فيه تصوير الحالات النفسية وتسجيل الخواطر الفكرية, وإثبات التأملات المنطقية ـ إذا صح هذا التعبير ـ بقدر ما تقل فيه السبحات الهائمة والانطلاقات التائهة والظلال الشائعة, فكل شيء واضح وكل شيء له حدود. وأن العقاد يبلغ قمته حين تبلغ الحيوية تدفقها فتجرف المنطق الواعي وتغطي عليه. فأما حين يضعف هذا التدفق, فيتجرد الشعر من اللحم والدم. لقد عبر حياتنا الأدبية ديوان عابر سبيل كما يعبر عادة أي عابر سبيل. لم يلت��ت إليه ـ الذين كتب الديوان من أجلهم قراء وشعراء ونقادا ـ بما يستحقه من دراسة ومتابعة واهتمام. وظلت هذه الثورة الجريئة علي ما سماه العقاد موضوعات الشعر ولغته, حبيسا داخل قصائد الديوان, يمر علي��ا العابرون مر الكرام, ولا يصغون إلي الأنين الخافت المنبعث من كلمات ألقي بها صاحبها في عرض الطريق علها تكون بذورا صالحة لتصبح ذات يوم أشجارا وثمارا.
مواضيع الديوان ظريفة ومختلفة عن المعتاد كما وعدنا العقاد في المقدمة ثم نأتي للمواضيع المعتادة كالمديح والرثاء والقوميات وسنقرأ رأي العقاد بخصوص الفائدة من قراءة شعر المديح وكيف أن المناقب الحسنة والأخلاق الفاضلة التي يمتدح بها الشاعر الممدوح لها أثر في تنشأة المجتمع على تلك المناقب على عكس مايعتقد البعض أن شعر الثناء والرثاء يقتصر فقط على لحظة الإلقاء والدراهم التي يتلقاها الشاعر من ذلك. هذه من اللفتات الجميلة التي راقت لي في هذا الديوان ..
حاول العقاد في هذا الديوان أن يطرق موضوعات شعرية جديدة، فبحث وتكلف ذلك حتى جاءت القصائد جامدة بلا روح. الموضوعات الجديدة لا يجب أن تكون هي الشغل الشاغل، فما فائدتها شعرياً من دون شعور، بل أن الموضوعات القديمة يمكن أن تمون جديدة إذا ما نظرت لها بطريقة مغايرة أو مشاعر مختلفة. برأيي الشخصي أن الديوان جاء بلا لون أو طعم أو رائحة، والصناعة والتكلف واضحة عليه لدرجة الملل. أنا أميز وأفرق بين العقاد المفكر والكاتب والناقد الذي أتلذذ بالقراءة له وبين العقاد الشاعر الذي لم استسيغه حتى الآن.
موضوعات مختلفة بالكلية عن العادة في الشعر، أغلبها تعليقًا على موقف أو حالة. لم يذع صيت ذلك الكتاب -على الأقل بالنسبة إلي فعلمته عند الشراء بالصدفة وقررت أن أقتنيه- وربما فهمت السبب.. العقاد ليس رائعًا في الشعر كما هو رائع في النثر والسرد. للتوثيق: أول ما استهللت به صباح العام الثالث في الجامعة.
“وانظر إلى صاحبنا المختالفي حُلَّة ضافية الأذيال أكان في حضرة ذي الجلالأم كان في عرض أو احتفال” “ألا أيها السائل المعدمقسمت فحسبك ما تقسمُ حقرتَ الحياة كما حقَرتْكَفما منكما أحد يظلمُ تحاسبتما فتساوى الحسابفلا من يُغالط أو يندمُ” “مولدي يوم شقائيمات في المهد رجائي ليس في قلبي عزاءٌأين في الدنيا عزائي! أحسب البدر ظلامًاوهو مصباح السماءِ لَاحَ في الأفق وحيدًاومن الوحدة دائي” “كم أَرَانِي النور حزنًاكان في طيِّ الخفاءِ” “معاذ الفتوة إني لكمعلى رصد ساهر لم ينم هو الحق ما دام قلبي معيوما دام في اليد هذا القلم” “أرى الحيوات والأيام شتَّىوأنت الدهرَ في كون جديد أتحسب أنه شيء وحيدإذا سميته باسم وحيد؟ فلا تخشَ التناقض في كلامعن الدنيا ورأي في الوجود فإن الصدق مفترقًا لأَوْلَىمن التلفيق في جمع الشهود” “حين قال المعري: وأعجب مني كيف أخطئ دائمًا على أنني من أعرف الناس بالناس كان من الحق ألا يعجب هذا العجب؛ لأن الكريم يُخْدَع كما قال العرب قديمًا، والإنسان إنما ينخدع بالناس؛ لأنه كثير العطف لا لأنه قليل المعرفة، وإن أقل الناس معرفة ليتقي الخداع إذا كان مع ذلك قليل العطف والشعور، فليس أسهل من أن يغلق المرء أبواب نفسه، ويحجب ما بينه وبين العالم إذا كانت نفسه مُغْلَقَة بطبعها أو كان لها منفذ محدود.” “ألم أقل لك مهلًافالناس لؤم وشرُّ لا تُولِهم منك عطفًافهم من العطف صفرُ لو كنت تعلم علميلما أصابك ضرُّ نعم نعم قلت هذاإني بذاك مُقرُّ وأنت عندي طفلوأنت عندي غِرُّ وما لقولك وزنولا لنصحك شكرُ أنفقتَ عطفك قبليوذاك يا صاحِ فقرُ كم حكمة هي جهلوغفلة هي فخرُ” “لا تظلموا الموتى أمانتهمإن الحقوق لمستحقيها أَنَضِنُّ بالذكرى على مهجتركت لنا الدنيا وما فيها برًّا بنا إن لم نبرّ بهافالذكر يُحيينا ويُحييها” “ليس بالزاهد في دنــياه مَنْ يقسو عليها من قسى يومًا كمن بات على شوق إليها هكذا من يشتهي معــشوقة في حالتيها” “قلت للقلب كيف حسن العزاءبعد فقد الصحابة الأوفياء؟ قال لي القلب وهو يزعم أن لم يتبدل شيء من الأشياء كل شيء كعهده لا جبال الـأرض غارت ولا نجوم السماء” “قلت يا قلب قد صدقت ولكن بلغ الصدق منك جهد الرياء إن يكن ذاك خير ما أنت فيه من عزاء، فذاك شر البلاء” “في الليلة القمراء ما أحلى النظر!لكل شيء لاح في ضوء القمر حتى الثرى، حتى الحصى، حتى الحجر” “لك الله يا حب من حيرةتهد القوى وتبُتُّ الأجل أرى الحيوان سعيدًا بهوإن الشقيَّ به من عقل أترضاه فوق منال الظنون وما فوقها فهو فوق الأمل؟ وإلا فكيف تطيق الظنون وأهون ما في الظنون الخبل؟” “فيا ويح للداعين في غفلة المنىيُرَجُّون طول العمر والعمر مُدْبِرُ” ***
لوقت طويل كنت أتحاشي القراءة للعقاد، ولله الحمد فالأمور تغيرت تماما معي، لا أذكر جيدا كيف تغيرت، لكن من المهم جدا أنها تغيرت، وأصبحت من محبي العقاد، وأصبحت الكتب التي قرأتها للعقاد تقترب من السبعين كتابا. هذا الكتاب ليس ديوان الشعر الأول الذي أقرؤه للعقاد، فقد قرأت له الكثير من الشعر من مؤلفاته ومن مختاراته كذلك. والشيء الذي يمكن ملاحظته علي نثر العقاد وشعره أن تفوقه الكبير في النثر والفكر قد غطي تماما علي شعره، حتي لو كتب العقاد شعرا مميزا بين الشعراء سيراه القارئ قليلا علي العقاد. هذا الديوان يوضح فيه العقاد (في مقدمته) أن الشعر انطباع شعوري عن ما تراه وأنت تعيش في هذه الدنيا (كأنك عابر سبيل) لذلك أطلق عليه هذا الاسم. أهم القصائد في هذا الديوان هي قصيدة عن بيت تعدد سكانه وتنوعوا في طبائعهم البشرية. وهناك قصائد أخري مميزة.
بهو النفوس بكل ظاهرة وطوى جمال النفس محتجبا فالويل للعين التي امتلأت والويل للقلب الذي نضبا
لو لم يكن هذا الزمان آفة ما اتخذوا السرعة منه مهربا
تبدو الوجوه لعين عابرها وتغيب عنه كأنها رؤيا وفي كل توديع وتفرقة شيء من التوديع للدنيا
فتش الاسماء عن اسرارها واسأل الاحرف عما في القرار تجد الارصاد حقاً ماثلاً وهي في الماضي ضلال وصغار
قال لي قلبي والهوى يرعاه هو في قربي ما الذي اخشاه عندما القاه
وجمال الوجوه سوف تراه في المرايا بعد الطواف الطويل سوف تحلو في ناظريك حلاه
اين بالامس كنت يوم ابتدأنا والتقينا بآدم في الطريق قد بلغنا فاين تبلغ اينا حين تمضي وراء يا صديقي اله والعب واضحك كما شئت منا انت طفل الزمان والطفل غر سوف تبكي حزناً وتضحك حزناً حين يمضي دهر ويقبل دهر
دع اليوم زاد الفكر في صفحاته انا اليوم عن زادي من الفكر صائم وقد يهجر العقل الكتاب تديناً كما تهجر القوت الجسوم الطواعم
ان انت لم تفهم الحياة فكن حيا فتغنى بها عن الفهم ما العلم مغنيك عن محاسن وهي غناء كاف عن العلم وكل علم لم يحيي صاحبه احب من جهالة العجم
في الروض رمان وكمثري تغازل منك ثغراً فيم استحن ذمارها فعصرتها بالراح هصرا امن القلوب حسبتها وفلوتها قطعاً وبتراً لا تشك من عدل الجزاء اذا اصابت منك ثأراً جرصتك حين جنيتها فاعرف لها ذنبا وعذرا
العقاد في الشعر ضعيف ، لذلك جاءت أشعار هذا الديوان ركيكة ضعيفة، مواضيعه متنوعة مختلفة ، لكن بنفس الوقت أغلبها تافهة ، فهو يعمل قصيدة علي أي شيء وبطريقة مزعجة ليست من الشعر الحقيقي في شيء ! - هذا رأيي الشخصي فيه -