الديوان في الأدب والسلخ*
✨ حقيقي يمكن ده أكتر كتاب محتارة في حياتي في تقييمه، وأظنه هيقعد مع إخواته: فئة ال٣ نجوم اللي بحبهم من كل قلبي بس لو عطيتهم أكتر من كده ضميري هيأنبني (زي ماجدولين وكاري).
هل استمتعت بالكتاب؟
= فوق الوصف، كلغة وكفكرة مطروحة عموما، اللي هي -المفروض- النقد والتحليل.
✨ اللغة
العقاد والمازني طبعا تحفة وحاجة كدا آخر شاي بالنعناع، مقطع صغنون للعقاد مثلا بيقول:
"ولعمري كيف يكون شاعرا من لا يذكر الزهر والثمر كما يذكر العابد الله والعاشق ليلاه؟ يذكرهما في غضبه ورضاه، وفي لهوه وبلواه، وفي فرحه وبكاه، في غيظه وهواه، وفي يقظته وكراه- ويذكرهما حين يصف الصحراء القاحلة، وحين يتمثل المدينة الآهلة، وحين يروي عن النعمة السابغة أو يتحدث بالمصيبة القاتلة والمنية العاجلة. وكيف يكون مطبوعا على الفن مدلها بفتن الجمال من إذا وصف الجثة الحائلة لم يقل أنها صفراء كالأقحوانة، أو المتميز من الحنق لم يحسب أنه يتفلق كما تتفلق الرمانة، أو المتدلي من المشنقة لم ير أنه يهتز اهتزاز البانة، أو قطع الرقاب والعياذ بالله لم يشبهه بقطف الريحانة؟!"
أكيد مش جاية أقيم لغة العقاد والمازني يعني، بس حسيت العقاد هنا أروق رغم العركة اللي هو منغمس فيها بكل حواسه، وأنه اتخذ الأسلوب اللغوي الفتان المسجوع المحبوك الجميل أوي ده علشان يخف بيه حدة النصال اللي فرتك بيها مواضيع نقده وأولهم شوقي. وحتى الفرق بين أسلوبه هنا وأسلوبه في "عبقرية محمد" مثلا واضح جدا أنه جمع فكره وحشد ألفاظه وضم مشاعر سخطه وجمعهم كلهم وطرحهم في تماسك أكبر بكتير.
✨ هل الكتاب كان منصف؟
لا خالص، متحيز وعنيف جدا، ومش القدر المقبول من التحيز (باعتبار أن كلنا متحيزين مهما أبدينا الحياد)، قدر مجحف ومتطاول، بس العقاد كان راكب دماغه بصراحة، وكان بيعبر عن كده بيقول:
"وسيرى القارئ أننا نغلظ له البلاغ ونصخه صخا شديدا، وكذلك ينبغي أن يجزى الزيف والدسيسة والاستخفاف بالعقول والاستطالة على الناس بالمقدرة على كم الأفواه وتسخير المأجورين. على أننا لا نحتاج أن نقول أن ذلك ليس بمانعنا اعتزام الحق والتزام الصواب، وفي غنى نحن عن الاحتيال باللين والمداراة على القارئ ليقتنع بما نقول فإننا لا نسأل أحدا اقتناعه. ومن كان يحتكم برأيه إلى غير الحجة القاطعة والكلمة الناصعة فليحفظه لنفسه فما تعودنا أن نوجه لمثله كلاما. وإنا لبادئون"!
✨ الأفكار
على قد ما بحب المنفلوطي وشوقي، على قد ما فيه جانب من نصوصهم بيجلطني، زي الأمثلة اللي العقاد والمازني نسفوها حرفيا، وعلى قد ما هيفضلوا فنانين ومبدعين في مواضع تانية محدش يقدر ينكر فيها ملكتهم، حتى لو ده معجبش العقاد والمازني.
* 'شوقي في الميزان'
طبعا مهمة سلخ "أمير الشعراء" كانت على عاتق العقاد، وهو خد حقه تالت ومتلت لو أننا افترضنا أنه شوقي واكل ورثه. لكن علشان أكون منصفة أنا من الناس اللي بعض أشعار شوقي بتقلب لي بطني، ومنها فعلا الأمثلة اللي العقاد عرضها نسبة محترمة منها كان بشع، وأظن أوضح عامل في الحكم هو غياب العاطفة والمغزى أو حضورهم، لأن في قصيدة مثلا زي رثاء شوقي لأبيه كانت مشحونة بالعاطفة وجميلة جدا، والقصايد اللي هي عبارة عن حكايات من عالم الحيوان هايلة، ومحتوى رهيب أنه يتقدم للأطفال في سن صغير، لكن لما بيتكلم على النيل ومصر والأهرامات والجو ده نفسي بتموع، ويمكن لأن ده كان القدر الأكبر المعروض علينا في المدارس من شعر شوقي كنت بفطرتي اللغوية والشعورية الطفلة بكرهه، لأني كنت شايفة -ويمكن لسة كده- أشعاره في الأغراض دي من أردئ الشعر، ولو أني لما اكتشفت جانب تاني منه فهو لا طبعا الراجل يستحق إنصافا أكبر من ذلك، آه فيه قدر محترم من شعره مبتذل، بس فيه قدر تاني فن، والاتنين لازم يتطرحوا ويتعرضوا للنقد، ونتكلم في المحاسن والمساوئ عادي جدا، بس من غير شخصنة أو سباب أو سخرية طافحة كالذي جرى به قلم العقاد. ولو أن أحيانا كنت حاسة العقاد بيعترض لمجرد الاعتراض، فأمثل بموضع يقول فيه:
"ومن ترهات شوقي التي يخرجها مخرج الحكم قوله في هذه القصيدة: 'وكل نفس في غد ميتة فمنشرة'، فالنفوس لا تموت في غد فحسب ولقد ماتت نفوس لا تحصى أمس وأول من أمس وقبل ذلك بآلاف السنين وهي تموت اليوم بل الساعة"
فهنا الاعتراض يعني بسيط أنه طالبة جامعية مسكينة زيي "تنسفه" على حد تعبيرهم في منتهى السلاسة خلال حاجتين:
١. اعتراضه هنا على "كل نفس" أولا وأن فيه نفوس كتير ماتت قبل كده، ففيه باب محترم في العربية اسمه الحذف، وهنا المحذوف "حيّة"، وده بدليل العقل يعني فلا يموت إلا الحي.
٢. وعلى "في غد" وأنه فيه ناس هتموت في أوقات تانية أو ماتت بالفعل أو بتموت دلوقتي، بس بتقدير "حية" يفهم استثناء كل من مات، والغد هنا أكيد مش بمعناه الحرفي هو بيستعار للتعبير عن الاستقبال عموما.
* 'صنم الألاعيب'، 'أدب الضعف'
هنا في صنم الألاعيب تكفل المازني بعبد الرحمن شكري، واللي -المفروض- كان زيه زي العقاد والمازني، عمود من أعمدة مدرسة الديوان، وفي الحقيقة "نقد" شكري هو تقريبا أكتر جزء وجعني في الكتاب، بالذات لما المازني جاب مقاطع من اعترافات شكري واللي كان جانب كبير منها فاهماه وحاساه جدا لأن خطرت عليَّ بعض الأفكار أو المشاعر المشابهة، وعارفة قد إيه كنت هتقهر لو أني قدرت في يوم أعلن حاجة من الحاجات دي وييجي حد يهزأ بيها ويستعملها ضدي.. غير كدا مطلعتش بأي حاجة مفيدة من الفصل ده، لأنه كان متشخصن، وفاقد لكل آداب الخصومة تقريبا، وحتى العقاد لما سلخ شوقي قدرت أستخلص وجهة نظره تجاه أدب شوقي حتى وسط الشتم والتعدي، وكنت شايفة أنها لو اتصاغت في صورة تحفظ قدر الطرفين وتخف من السخرية الزيادة عن الحد كان هيبقى عمل رائع إنه يتطرح على نطاق أوسع ويتقاس عليه من غير كل اللي حصل ده، لكن هنا مش حاسة أني هقدر أستخلص وجهة نظر المازني لأني مكنتش شايفاها أصلا وسط كل اللجاجة والشخصنة دي، ولم يتحرج المازني كمان أنه يصرح بجانب من المعنى ده، فقال في موضع:
"ولما كان السقم في الكلام مرده السقم في الذهن فسنبدأ نقدنا بالدليل الضمني المستخلص من كتاباته على *اتجاه ذهنه* ثم نعقب ببيان الفساد الذي اكتظت به دواوينه ونختم الكلام بتقصي سرقاته وإغاراته على شعراء العرب والغرب جميعا"
وفي ختام مقالته:
"هذا هو شكري قد رسمنا لكم صورته بقلمه وهذه هي *صفاته وميوله ونزعاته واتجاهات ذهنه* وكلها شاذ غير مألوف في الفطر السليمة والطباع القويمة كما نعرفها ويعرفها الناس، فهل بالغنا؟ اللهم لا! وهل يخرج ممن كانت هذه حاله شعر سليم؟ كيف *والطبع أعوج والذهن مقلوب* والعين تنظر إلى الحياة من منظار معكوس يريها الأشياء على غير حقيقتها وعكس نسبها وعلاقاتها؟"
أما في أدب الضعف جه الدور على المنفلوطي، المزيد من الشخصنة والتحليل النفسي أكثر من كونه تحليلا أدبيا، وتصورات المازني -اللي بيحشرها في كل مكان تقريبا- عن حفظ النوع والرجل والمرأة وآراؤه في هذا الجانب هي من أبرز منطلقاته هنا (سواء سلمنا له بها أو لم نسلم، مش ده اللي بتكلم فيه) يعني جو كفيل بإن أصغر فيمينستاية تشوحه أضعاف تشويحه لشكري والمنفلوطي (مش بقول أني فيمينست)، وما يعنينا هنا من تاني هو الشخصنة والشتم الموجه للأشخاص واعتبار تحليلهم على الملأ والكلام في أخلاقهم ووصفهم بالخلل العقلي أو النفسي هو أساس نقد أدبهم.. تؤ تؤ وألف تؤ بصراحة. كان ممكن المازني ياخد فكرته ومنطلقاته مكتملة أو ناقصة صوابا أو خطأ ويروح يواجه بيها *أعمال* المنفلوطي، *وأفكاره* ويخاطب *إنتاجه الأدبي* والسمات الظاهرة فيه، بالنقد والتفنيد والدحض لو حابب و"الهدم" على حد تعبيره، لكن في نطاق احترام مش هقول أدبي، ولا ديني، ولا إنساني، ولا مجتمعي، لكن من قبيل احترام الشخص لنفسه وكراهته عليها أنه يتكلم في ميدان الأدب والنقد كما يتكلم في ميدان السوق والردح.. وده يسري على العقاد كمان مش على المازني بس، وإن كان العقاد -في نقده لشوقي على الأقل- أوضح فكرة.. ده كان لحد ما وصل المازني -أخيرا- لأسلوب المنفلوطي وبدأ يقول كلام معقول، متشخصن بردو بس فيه فكرة على مبالغة المنفلوطي في استعمال النعوت والأحوال والمفاعيل المطلقة ومبالغته في الوصف عموما واستشهد، ومن هنا ده كلام يحترم بس لسة في نفس القالب المشخصناتي.
* 'ما هذا يا أبا عمرو؟؟'
كان أقرب لفصل محشور في الكتاب حشرا، العقاد فيه بيحل صراع حقوق ملكية مع الرافعي عادي وإحنا قاعدين نتفرج.
* الخلاصة: أظن الكتاب حتى لو كان أخطأ أو تجاوز الحد في جوانب لو كان الموضوع موصلش للتطاول والشخصنة مكانش هيبقى مُربِك كده، كان هيبقى مجرد طرح ونقاش وخد وهات، لكن الكتاب كان عبارة عن عركة أدبية، بدل ما تسمع "يلا يا ابن *** يا **** يا ****" هتلاقي: "إيه يا خفافيش الأدب! أغثيتم نفوسنا أغثى الله نفوسكم الضئيلة، لا هوادة بعد اليوم.." 😂 فأتوقع متعته كانت فعلا قريبة من متعة الوقوف في البلكونة والفرجة على الناس بتتخانق، بس المرة دي مش سرسجية ومطاوي، دي خناقة أدبية وبالورقة والقلم خدتيني ١٠٠ قلم حرفيا، ومتخيلة العقاد بيحتسي القهوة وبعدين يقوم مقطع فروة شوقي عادي.
- فيه جانب تاني في الموضوع اللي هو لو قارئ الكتاب بيحب يكتب فهو هيروح يدفن نفسه عموما بعدها، وهيحس بالعقاد والمازني بيزغروا له كل ما يمسك قلم، وهيعتبر إنتاجه مهما كان كويس فعلا زي ما اتعودت أقول عن نصوصي الخاصة "عبئا ثقيلا على الأدب"، المازني مثلا بيقول في موضع:
-
"الأدعياء في كل بلد كثيرون وفي كل قطر كالذباب يعيشون عيالا على الأدب، وحميلة على أهله وذويه، ولكنهم فيما نعرف لا يعدون الطنين في غير هذا القطر، ولا يعدو جمهور الناس معهم أن يلحظوهم كما يلحظ أحدنا العناكب ناسجة لها بيتا بين جدارين فيقول لخادمه أو ربة بيته أزيلي هذا وأتي عليه بالمكنسة ثم لا يقولها حتى ينسى أمره ويذهل عن خبره"
- وفي الواقع مظنش حد عبر عن الإحساس اللي الكتاب بينقله بنفس جمال التصدير اللي كاتبه الأستاذ ماهر شفيق فريد في الطبعة اللي معايا (طبعة مكتبة الأسرة، مهرجان القراءة للجميع ٢٠٠٠)، تصدير لطيف جدا ولازم يتقرأ.
*✨ هخليها 3.5 ⭐ علشان حبيته أوي بجد رغم كل حاجة، وكفاية أنه خلاني أقتحم عالم العقاد والمازني خارج حدود الكتاب ده وأتبسط*