يقول مطران في أخريات حياته: «هذا شعري وفيه كل شعوري، هو شعر الحياة والحقيقة والخيال، نظمته في مختلف الآونة التي تخليت فيها عن العمل لرزقي، نظمته مصبحاً ممسياً منفرداً ومتحدثاً مع عشرائي، وقيّدت فيه زفراتي وأحلامي، وسجلت بقوافيه أحداث زماني وبيئتي في دقة واستيفاء عرّف خليل مطران إذاً، ذات يوم، علاقته بالشعر هو الذي كان بالتأكيد واحداً من البنائين المؤسسين للنهضة الشعرية العربية: فخليل مطران، الذي كان يلقب بـ «شاعر القطرين» من جراء انتمائه العربي المزدوج الى لبنان الذي ولد فيه وظل يحن اليه، كما الى مصر التي عاش فيها معظم سنوات حياته، وكتب لها وعنها أروع قصائده واحتضنته بوصفه واحداً من أبنائها المبدعين الكبار، كان في المقام الأول شاعراً، وهو بهذه الصفة تولى رئاسة جمعية «أبولو» التي تأسست في مصر وامتد تأثيرها الى شتى أنحاء العالم العربي وكان واحداً من كبار شعرائها، ولكن أيضاً واحداً من كبار مثقفيها، حيث اشتهر مطران بثقافته الرفيعة واطلاعه الواسع على أحدث الآداب والأشعار الأوروبية، بقدر ما كان مرجعاً لرفاقه في الكلاسيكيات العربية والعالمية. وهذه المزاوجة بين الشعر والثقافة هي في الحقيقة من أبرز ما يطالع المتبحّر في «ديوان الخليل».
في شكل عام، وكما يمكننا أن نكتشف بسهولة في «ديوان الخليل»، كان مطران واحداً من ثلاثة شعراء أمنوا شعر المرحلة الانتقالية بين آخر الكلاسيكيين العرب، محمود سامي البارودي، وبدايات الشعر الحديث كما تجلت لدى جماعة ابولو وجماعة الديوان، ثم لدى تحديثيّي النصف الأخير من القرن العشرين. فإلى جانب أحمد شوقي وحافظ ابراهيم، عرف خليل مطران كيف يخرج القصيدة العربية من سكونيتها واعتمادها وحدة البيت، ليجعل منها قصيدة حية نابضة، تتجلى وحدتها من خلال موضوعها وتعبق بلغة طرية معاصرة يمكن فهمها من دون عناء.
والواقع أن ما ساعد خليل مطران على سلوكه درب التجديد كان كما ألمحنا أعلاه، توغله في الأصالة الشعرية العربية. لكن أيضاً وبخاصة انفتاحه على الثقافة الفرنسية، شعراً ومسرحاً، وهي ثقافة نهل منها وترجم الى لغة الضاد بعض أجمل روائعها، كما ترجم العديد من مسرحيات شكسبير يوم بدأ يهتم بالمسرح في شكل جدي وصولاً الى تسلمه مسؤوليات مسرحية كبيرة في مصر خلال حقبتها الليبرالية العظيمة.