بغداد نائية جداً.. قريبة جداً. تكاد اليوم تتوارى وتصبح مجرد وهم. عشق سري يضيء نوره الأعماق. أناسها رحلوا، أو هاجروا وتشتتوا تاركين أصداءهم تتردد خافتة بين حين وآخر. تخلّوا مكرهين عن دورهم ونهرهم وأنماط حياتهم ليتحولوا في أصقاع الأرض إلى نبات بلا جذور. من جمرة هذا العشق ولدت قصص هذا الكتاب. إنها حكايات بغدادية كمنت طويلاً داخل ذاكرة مهملة. أناسها لم يصنعوا التاريخ الكبير، مع أنهم جوهر هذا التاريخ وأول ضحايا أحداثه الجسام. على قاماتهم ارتكزت المدينة ونهضت، وبغيابهم انحدرت وذوت كأنها ما كانت ولم تكن. ولكن. ألم يبق منهم أحد؟
مي عباس مظفر الخالدي، ولدت في بغداد عام 1940، حصلت على البكالوريوس في الأدب الإنجليزي جامعة بغداد، وعملت في شركة إعادة التأمين العراقية باحثة ومترجمة لمدة خمسة عشر عاماً ثم تفرغت للكتابة.
دواوينها الشعرية: طائر النار 1985 ـ غزالة في الريح 1987 - ليليات 1994، ولها عدد من القصص هي: خطوات في ليل الفجر ـ البجع ـ فصوص في حجر كريم.
مؤلفاتها: ترجمت خمسة كتب عن الإنكليزية معظمها في مجال المقارنة في الأدب والفن، بالإضافة إلى دراسات، ومقالات نشرتها في الصحف والمجلات المتخصصة باللغتين العربية والإنكليزية.
كان توقعي مختلفاً عن النصوص حينما اشتريت هذا الكتاب، بغداد التي عبّرت عنها الكاتبة بأنها "نائية جدا.. قريبة جداً. تكاد اليوم تتروارى وتصبح مجرد وهم" أكثر من مجرّد مدينة. بغداد على الرغم من كُل المآسي التاريخيّة التي عبّرت من خلالها كانت تعاود النهوض. بغداد مدينة الحُلم، تظل بغداد بشعبها، ومعبئة بالحياة وإن كانت مهترئة. حتى وإن لم يبق منهم أحد، تمنيت لو تكون الذكرى دليلاً ملموساً على جمال بغداد. بدت الشخوص في المجموعة بعيدة كل البعد، أغلبها مخذولة ومحطمة وباحثة بل ويائسة. أريدُ شعراً، أو مجموعة كهذه فيها بعض من فرح بغداد، ليالي بغداد. ذلك الجمال العراقيّ الشامخ.. فبغداد في عيني صعبة الكسر.
قصص من زمن ولى و مضى و من ذلك عنوان المجموعة فلم يبقى منهم أحد. تتراوح مواضيعها بين الواقع و الخيال و ان كان الواقع أكثر اثارة للاهتمام لان فيه شذرات من التاريخ الاجتماعي لبغداد في بدايات و منصف القرن العشرين و بالتحديد ملامح من حياة الطبقة الأرستقراطية في ذلك الزمن. من العشرين قصة أعجبتني قصة 'يوم تزوجت ام كلثوم' ففيها ذلك الشغف الذي كان يثير عوالم من الخيال في مستمعيها الذين ينتظرون أمسيات الخميس الاذاعية بفارغ الصبر. كوكب الشرق و لا عجب. و من قصص هذا الزمن تميزت قصة 'عشية غزو بغداد' و التي كتبت من المهجر و فيها ذلك الانتظار الكئيب و امل بسلامة الاهل و الاصحاب هناك، هناك في بغداد.