العيش في لغة أجنبية يشبه مشاهدة التلفزيون. تجلس وتتابع ما يدور أمامك وأنت تعرف أنه وهم شبيه بالواقع. لحظة منفصلة تقع على هامش لحظتك الحالية. أطراف الحديث التي تتجاذبها وأنت تتحدث لغة أجنبية تشبه جملا تجري على لسان ممثل يقوم بدور صغير في مشهد ممل. حتى أكثر المشاعر صدقا تخرج وكأنها كتبت خصيصا لمسلسل تلفزيوني يعرض وقت الظهيرة. مسلسل تقوم فيه بمهمة عجيبة وهي تقمص ذاتك. أما الجزء الذي يعيش في اللغة الأم فيتوارى قليلا في الخلفية، وبتأمل في رأي "آندي وارهول" عن التلفزيون، حيث قال ذات مرة إنه ليس صحيحا ما يذهب إليه البعض من أن أفلام التلفزيون تقدم لنا صورة مزيفة عن الحياة، وإنما ما يحدث لنا في حياتنا الحقيقية هو الزيف بعينه. فالأفلام والمسلسلات التي تعرض في التلفزيون تكثف المشاعر التي تنتابنا أثناء مشاهدتها وتجعلها حقيقة، في حين لا يكاد المرء يشعر بشيء عندما يمر بأحداث حقيقية في حياته، إنه يتابعها كأنه يشاهدها على شاشة التلفزيون
· مواليد 1972 الجيزة. · حاصل على بكالوريوس هندسة كهربائية من جامعة القاهرة 1995. · يعيش حاليا ما بين برلين والقاهرة، ويعمل كمحرر في موقع دويتشه فيله باللغة العربية. · نشر عددا من النصوص المتفرقة في عدد من المجلات والدوريات الثقافية (أمثلة: أمكنة، زوايا، أخبار الأدب، Starship). وصدرت له مجموعتان قصصيتان، احداهما مشتركة (خيوط على دوائر – شرقيات 1995) والأخرى منفردة (جماعة الأدب الناقص – ميريت 2003). · قام بعمل بعض الترجمات عن الألمانية (أمثلة: فالتر بنيامين، فولفجانج هيرمان)، وصدرت ترجمات لبعض أعماله. · ينشط من حين لآخر في مجال الفيديو، وله بعض الأفلام القصيرة المشتركة. شارك مؤخرا في تنظيم معرض فني يدور حول امكانية الحياة على هامش الاقتصاد الحديث، عُرض في جمعية NGBK (الجمعية الجديدة للفنون البصرية) - برلين 2004 .حلم يقظة"مجموعة قصصية" دار ميريت 2011
هل تشعر بذلك الفراغ الذي يتسللك رغم كل الأحداث والفوضى التي تحيط بك . اذا أهلا بك في عالم الغربة .
لحظات تشعر بأنك تود لو أنك فررت من الأرض التي لم تعد أرضك لتبحث عن أخرى فأرض الله واسعة , اذا قررت أن تفعل فهذه المجموعة القصصية ستخبرك عن الصور البصرية مجسمة الأبعاد والهالة الوردية وحالة التلاشي التي ستبدأها لتصبح غريبا في أرض المهجر التي ستفر اليها من جحيم وطنك.
كتابة أشعر بأنني قد سأكتب شبيهتها يوما ما ان رحلت.
وقد تشعر بحالة اتلاشي أيضا وأنت على أرضك بجسدك لكن بلا روح حية على كل...
جميلة بحق. من الكتب التي تتمنى أن تكون كاتبها في حالتك المتطرفة، وقارئها قبل ذلك بزمن، في حالتك العقلانية. فضلاً عن ضعفي تجاه المجموعات القصصية التي تحوي قصصاً يربطها المزاج او المكان او الفكرة او الزمن الواحد. من افضل ما قرأت عن المهاجرين العرب في الخارج، والغربة عامةً، والعلاقة بالمكان. التقطيعات في الأرواح الميتة ومسلسل النائمون جميلة. لا ارتباك من هذا المنتشر في الكتب العربية. لا حنجرة، لا سياسة بائسة، لا بيانات واطروحات اجتماعية ليست الرواية او القصة مكانها. سحرية. قد أكتب عنها إذا ما أسعفني المزاج والوقت :)
التراوح بين الندم على السفر، وبين محاولات التعايش مع الزملاء المهاجرين. السؤال المؤرق بالنسبة لي؛ إذا كانت الهجرة أو السفر فراراً من الواقع المؤلم، لم يصر المهاجر على الحفاظ على هويته ويستمر في الاتصال ببني وطنه؟
"كلّنا وحيدون في مواجهة مصيرنا الفردي. أليس كذلك؟".
في هذه المجموعة القصصية التي يكتبها "هيثم الورداني" بأسلوب منمق وشاعري ولطيف على الحس والقلب تلعب المدينة دور البطل في كل مشهد من مشاهدها، مدن الغربة الصعبة وتحديداً "برلين" التي يدور داخلها أفراد كل حكاية عاجزين عن الهروب من معضلة العيش في بلد أجنبي لا يشبههم في شيء وغير قادرين على التغلب على شعور الحنين والفقد لبلدانهم التي تعيش ظروف قاسية تحت وطأة الحروب والفقر والإرهاب، فيتشاركون شعور الشتات ويدفعهم حس الإنتقام والرغبة في الإنتماء في مواصلة العيش داخل تعرجات المدينة، يمارسون يومياتهم العادية والروتينية في أعمالهم ويخرجون منها إلى فراغ مطلق فيتقابلون مع خيالاتهم في شققهم الصغيرة محاولين التعايش مع واقعهم الجديد، وأفكارهم التي تغزو خيالاتهم في كل مرة يحاولون التحرر منها.
تدور شخوص هذه الحكايات داخل دهاليز المدينة ويسعى كل فرد منها إلى تحقيق ذاته في بلد يحتقر وجوده ويتعاطف مع وضعه في نفس الوقت، فنجد الكل منهمك في ممارسة الحياة بشكل صعب يدفعك إلى التأمل في أوضاع العامة من المغتربين الذين يقاسون شعور الغربة ويعيشون في محيطها كل يوم وكل لحظة من ذلك اليوم، فتغدو حياتهم سلسلة متكررة من ذات الأحداث والأفكار والمشاعر حتى تصبح فكرة الوجود والعيش مشقة لا تحتمل ولا يصبر على وطأتها بشر، ويأخذ "الورداني" بأيدينا بين مشاهد متصلة/منفصلة وكأنك تتابع سير أحداث فيلم مستقل رغم عادية أحداثه إلا أنها تدعوك إلى التفكر في تفاصيلها وظروفها، وشخوصه متسمرين في كل مشهد ينظرون إلى عدسة الكاميرا ناقلين إليك من خلال تعابير وجوههم فقط أحاسيسهم ومشاعرهم المختلطة، وأنت تتقلب بين الوجوه والأسماء محاولاً تتبع خط سير الأحداث في كل مشهد بين "السيد فهمي"، "إستير"، "جرجس"، "مينو"، "عمر"، "أبو حيّان"، "عائشة" وأسماء ووجوه لآخرون كثر.
هناك جمالية عالية في تعابير وأسلوب "الورداني" فهو قادر على صناعة نص شيق من خلال التعمق في سرد التفاصيل والمشاهد الخلفية للأحداث، فالحكايات في مجملها لا تأخذ حيزاً كبيراً أكثر من كونها يوميات روتينية لأشخاص يعيشون في غربتهم وينغمسون في الروتين ومشقات الغربة لكن من خلال تعابير "الورداني" يخلق من كل ذلك الروتين مشاهد مبهره يجذبك من خلالها إلى عمق التفاصيل وعادية الحياة وأشيائها وينطلق بك في جولة ممتعة داخل شوارع وأزقة بلدان الغربة الصعبة متأملاً الشوارع والنوافذ المحيطة والبارات والجسر الذي يعبر من تحته النهر ومراكز التسوق والساحات الواسعة التي يغزوها السياح ويتركك وسط كل ذلك الزحام مترقباً لما يحمله كل منعطف داخل حي من أحياء تلك البلدان من أحداث وتفاصيل لا تشبه شيئاً في عاديتها سوى اليوم الذي سبقه والذي يليه. على العموم القراءة داخل هذة النصوص والحكايا كانت في مجملها ممتعة ومشوقة بحق.