مدخل جيد إلى التوحيدي وعالمه , وما يقدمه على ما عداه أن كاتبه محب لأبي حيان فمن ثم فهو حريص على تحري كل أقوله وتمحيصها والصبر على النظر في كتبه وضم شعث أقواله المتناثرة فيها ليخرج من ذلك بصورة لأبي حيان قد تتعذر على قارئ كتبه منفصلة أو قارئ بعض كتبه , وهذا ما يحيلنا إلى طبيعة الكتابات العربية الأولى التي يعتمد الأدباء فيها الاستطراد والتنقل ما بين الفنون منهجا وسبيلا مطردا مسلوكا إيما لدفع الملل عن القارئ والضن به عن مفارقة كتابه وتقريب العلم إليه كالجاحظ أو لتخفيف مئونة العلم وتيسير تلقيه كالمبرد أو لأسباب أخرى كما يستشفها الدكتور عند التوحيدي مثلا
والواقع أن أبا حيان قد ظُلم كثيرا حيا وميتا وتفصيل الظلم الواقع عليه في حياته مستوفى بشكل ما في الكتاب أما ظلمه ميتا فقد ناله من أطراف لا يُتصور في الذهن اجتماعها على ظلمه مثله في ذلك مثل المعري رحمهما الله وذلك أن المؤرخين العرب والمسلمين قد نالوه بالذم والقدح جريا وراء تهمة لا أدري كيف تصح وهي الزندقة والإلحاد ولعل ذلك من جناية العناية بجمع الأخبار دون تمحيصها في كتبنا القديمة ولهذا السبب ناله التمجيد والتعظيم عند التنويريين!! العرب لأنه بدا لهم مجددا مطورا عاملا على الخروج عن الكهنوت وظلمات الأديان ....إلى آخر تلك السفاهات والواقع أن قراءات هؤلاء وأولئك لأبي حيان قراءات قاصرة تبحث عن تحقيق معان تدور في أنفسهم فتجري تلك الأقوال والمعاني على ألسنة قوم لا قدرة لهم بدفع ما يُرمون به والموت من دونهم حجاب وأي حجاب , على كل حال فلندع هذا الحديث الجالب للغم ولنعد إلى الكتاب
فصول الكتاب تنوعت في لينها ووعورتها بالنسبة لي ففصل فيلسوف التوحيد كان من أشقها ولا يزال بحاجة لمعاودةالتمعن فأمور كالفعل والانفعال والقوة والتشبيه والتجسيم والتعطيل والإثبات والنفي والأمور المتعلقة بالصفات الإلهية لا يزال لي بحرا خضما وأنا كما قال ابن الرومي =ولم اتعلم قط من ذي سباحة سوى الغوص والمضعوف غير مغالب
وأيسر إشفاقي من الماء أنني أمر به في الكوز مر المجانب
أما فصول الباب الأول حيث يروي وقائع حياته فهي فصول ممتعة ولا سيما التعرض لما كرب أبو حيان من شدائد وضيق أودى بكتبه في آخر حياته،كذلك كان ممتعا الحديث عن كتبه بشئ من الاستفاضة ما يجعل الاطلاع عليها بعد ذلك محببا ولا هسيما الإشارات الإلهية، كما كان الحديث عن شيوخه وتنوع معارفهم ومشاربهم أرا مبهرا وقد راعني الإمامان السيرافي وأبو سليمان اللمنطقي السجستاني فليته يتفق لي كتب عنهما فيما يستقبل ،وأسلوب الكاتب في كل ذلك أسلوب عربي لا يُثقله استجلاب ألفاظ ثقيلة هي من لوازم المتفلسفة ما يثقل الروح ويكرب الصدر، كذلك كان حضوره حضورا لطيفا فأنت تستشف من حديثه دماثة خلقه ولين معشره ولستُ أحقق مواضع الدلالة على ذلك لكنه شعور وقر في نفسي مع تقدمي في قراءة كل فصل