سجين الزرقة
رميت الكتاب بطول يدي لحظة انتهائي قلت تبًا لأبو راشد والعالم الذي ينبذ كل ذنب باستشراف مفرط وكأن العالم وجد على الفضائل وليست هناك خطايا كالتي أخرجت آدم عليه السلام من الجنة أو خطيئة ابليس والتي نمارسها اليوم بكل عنجهية ولامبالاة مستكبرين أمام كل شيء.
كان بإمكان الرواية أن تكون في جملة بسيطة "ابن غير شرعي أتى نتيجة سفاح زوج أم بابنة زوجته" أو لننشئ أي شيء بإمكانه أن يحكي الألم هكذا، في كلمة تكررت وجرحت راشد مرارًا "الغبون"، لكنني أستذكر هنا بيانًا للدكتور محمد زروق في أحد جلسات صالون قراء المعرفة وهو يُعرّف الرواية على أنها قدرة الكاتب على يحكي حكاية بنفس طويل، وشريفة التوبي قدمت هذا النموذج بطريقة عبقرية جدًا حيث أن لا يوجد فصل مكتمل ولا يمكنك وإن اجتهدت أن تقفز بين الفصول لتفهم أمرًا تتوقعه فلا شيء متوقع هنا وإن تصادفت ظنونك مع حدث ما فإن تفصيلة مهمة ستفقدها حتمًا، وهنا نقطة قوة تضاف للسرد المحكم.
بجانب القضية التي غاصت أشواكها في أعماق عواطفي، إن الحديث عن أمر بهذه الحساسية والصرخة التي توجه لمجتمع سيظل عاجزًا أمام تقبل أمرٍ كهذا مهما أدرك أن أبناء الخطيئة ليسوا مخطئين، سيظل هناك حاجز عرفيّ وسيكولوجي يمنعهم من امضاء صلح مع نتيجة هذه الحالات.
لم تكن تخلى الرواية من قضايا أخرى فعندما نكون في السجن ورغم استثناء قضية شمسة راشد، إلا أن الإضاءات التي وضعتها الكاتبة مشيرة لقضايا المجتمع خاصة الزواج وإشكالياته العرفية، كانت بارزة بشكل رغم قضايا أخرى مثل قضية سلوى، وهنا نرى أن نزعة علم الاجتماع ظهرت عند شريفة التوبي وربما كان ذلك بسبب مؤثرات مهنية وأكاديمية تعرضت لها الكاتبة في فترة من الفترات، كما أن اللغة واللهجة في الكتابة تُظهر نوعًا من الثقة في الطرح مما يثير أسئلةً تتعلق بكيف استطاعت الكاتبة أن تتحرك في حقل الألغام هذا بهكذا رشاقة؟ خاصة وأن بعض اللمحات في قضية حليمة قد تناولها الواقع يومًا من الأيام.
كم تحمست لو أن اللقاء الذي طال انتظاره سيتحقق ولكنني بقيت معلقًا في زمن لا يتحرك بقي في تقدم وتأخر ونقاط زمنية متباعدة يدخلك فيها السرد ثم يقذفك لحاضر بسيط ولا تلبث إلا أن يعيدك مرة أخرى أو يقدمك فصلًا آخر جديد بعد الذي قضيته مع راشد الطفل أو المراهق أو الشاب وأمه التي وقفت بعيدًا دائمًا، قريبة بشكل يكفيها هي، وهنا تظهر جدلية أخلاقية أخرى ما الذي كان بإمكان شمسة أن تفعله ولم تفعله؟ سؤال سيظل يرافقك حتى نهاية الرواية والضحية واحدة منذ البداية، لم تتغير وإن شئنا أن نترفق بأحد غير راشد فهو الوحيد الذي استحق.
هناك حدث فقط واحد قد يكون مفرحًا وربما قد وضعت الكاتبة شخصيته حسب ما يقول المثل "روح بعيد تعال سالم"، فسالم الوحيد الذي عرف كيف يتعامل مع أمره وهو واحد من بين أحمد ومصطفى وراشد ومئة وأكثر قد أحضر لهم راشد يومًا من الأيام هدايا بعد أن خرج من الدار.
هذه رواية تعري الإنسان من القيم التي يرتديها مفاخرة أو يلفها حقيقة الأمر كله أنه يستر عورة ما، فهو لابد وأن يلبس فضيلة لذلك يصعب جدًا أن نعرف الحقيقة كاملة هنا أو أن نتعرف إليها فأسوأ الظروف أنتجت ضحية وأحسنها حافظت على وجودها كضحية.
سعد بن عماد