الجمال في قراءة أدب الرحلات، هو أن تعود منها مختلفا عما كنت عليه قبل القراءة، وهذه هي تذكرة السفر الحقيقية بعيدا عن تذاكر سفر مصورة وممر سعادة وفندق باذخ مترف يبعدنا عن الأجواء الحقيقية للسفر حيث تنصهر مع المجتمع الذي تسافر إليه. نحن نسافر بدون أن نشعر في وطننا. فعندما ننتقل إلى بيت العمر فهذا سفر وحزم أمتعة لحياة مختلفة، وعندما تتنقل من وظيفة إلى أخرى طمعا في مميزات ستكون هي الأفضل فهذا أيضا سفر وحزم أمتعة وتجارب لن تنسى، ولا ننسى الحياة العسكرية التي انتسبت إليها، حيث كانت الأمتعة تحزم بحق إلى الحياة التي يجب أن نكون عليها، ونخرج منها ونحن في كامل اعتمادنا على أنفسنا. وكفى بالموت واعظا حيث السفر للحياة الحقيقية التي يتمنى المجرم أن يقدم لها كما وصفه ربنا عزوجل في سورة الفجر. هذا هو السفر الحقيقي البعيد عن مجرد أيقونة طائرة نشاركها مستمتعين ومحلقين على برامج التواصل وعلى متن طائرتنا ! هذه هي فلسفة هذا الكتاب بين أيدينا.
عرفت عن الكاتب الرائع عبد الله العمادي أثناء قراءتي لكتابه الشيق عن أشياءه من الروح على هيئة مقالات، محبا للترحال والاكتشاف ، وصل الأمر إليه بأن يبتكر مجموعة زكريت للمغامرات كي يكتشف الزوايا الخفية الجميلة في بلاده قطر بعيدا عن أضواء كأس العالم التي استضافتها بلده. حيث يذكر في كتابه بودا بودا تيمنا باسم وسيلة النقل التي ارتحل بها في إحدى البلدان الإفريقية متطوعا لها. عن أن البقاء في سجن الراحة أمر في غاية الخطورة يستحق النظر إليه بشكل طارئ. فسجن التمتع والرفاهية يحرمنا عن رؤية العالم والخروج منه أشخاصا آخرين. ولعل ما يثير اهتمامي في الكتاب أن صاحبنا عبد الله يخرج عن صندوق السفر المزيف الذي نضطر في الاستعانة به، عن البقاء في الفنادق المرهفة أو في البرامج السياحية المختلفة. بل حمل حقيبته الـ BackPack. ليقص شريط السفر الاقتصادي. يوفر النقود في المحافظ ويوفر علينا فرص البقاء عِبَرَاً لمن لا يعتبر ، فبين زوايا السفر الحقيقي دروس مجانية!
هذا ما أدركته في قراءة سفره لأجل التطوع والتدريس في إحدى البلدان الإفريقية ، وسرعان ما تتحول تلك الغربة في أول مرة يلتقي بها مع الحياة البسيطة، حتى عشق تلك الحياة البسيطة واستأنس برفاقه وعائلته الثانية من خلال اكتسابه للصداقات. ناهيك عن الأسلوب العذب الذي توهجت به أشياءه من روحه لينقل لنا الحدث مثل أن يُحشر كسمك معلب أثناء اضطراره للترحال من مدينة إلى أخرى باستخدام وسيلة نقل متواضعة. وكذلك يركز على الوطن. وأنه ليس بالضرورة أن يكون بين أهلك ورفاقك وتحمل جنسيته. بل أحيانا يصل الوطن إلى أن يكون سكنا تبحث عنه وتترك به أمتعتك، كما قال الشافعي عجبت لمن يقيم بدار ذل وأرض الله واسعةٌ فضاها
اختتم المراجعة بعبارة قرأتها من كتاب الكاتب الإماراتي المبهر ياسر حارب في بداية كتابه اخلع حذائك، حيث افتتح الكتاب بقصة ابن الثري الذي دعاه والده لأن يكتشف الفقر في حي فقير، ولكن الصدمة حملها ابنه له قائلا "عرفت يا أبي كم نحن فقراء؟"