كتاب في ترسيخ علمية النقد الأدبي
كتب د.سيد محمد السيد قطب
في كتابه "نظرية البنائية في النقد الأدبي" يتجول صلاح فضل داخل إطار المدرسة النصية الجديدة التي أسس الشكلانيون الروس قواعدها وشيد رومان ياكبسون ستة أعمدة تحمل وظائف اللغة في فضائها العلمي, بينما صمم رولان بارت (الذي لقي مصرعه بعد عامين من الطبعة الأولى لكتاب البنائية فأشار صلاح في الطبعة الثانية التي صدرت بعد رحيل بارت بأشهر قليلة لهذا الوداع المأساوي) مداخلها ووضع لها الديكور الفرنسي الجميل اللائق بموضة باريسية جديدة, يسعى فضل في هذا الكتاب للمشاركة في صياغة قانون التنظيم الذاتي للعمل الإبداعي, لقد دخل الخطاب النقدي عصر المؤسسات, ومن حقه أن تكون له هندسته الخاصة به, بوصفه مركز دراسة أشكال الإبداع, وفحص أبنيتها, ورصد النسب التي تتشكل منها المادة النصية, لكي تسمح بوجود كيان معماري لغوي في أفضية التواصل الإنساني, فالبنية النصية تنفيذ لرسم هندسي يخطط لمبنى, لن يكتسب ذاك المبنى قوة البقاء إلا إذا حافظ على العلاقة الحتمية بين التصميم والتفيذ, مراعيا العناصر التي تقيم دعائمه كلها, ومحافظا على العلاقات فيما بينها
حدد فضل أربعة مصادر أساسية تقيم هيكل البنائية هي مدرسة جنيف وميراث الشكلية الروسية وحلقة براغ وعلم اللغة الحديث, ويبدو أن الولع بالتصنيف الرباعي المماثل للأعمدة والمستحضر للحوائط كان ملهما للعالم في هذا المجال إذ تبدو علاقة التداخل واضحة بين ثلاثة عناصر إذ استثنينا الشكلية الروسية, وبروح الأكاديمي الموسوعي يبحث فضل عن فلسفة البنية وتجلياتها في النظرية المعرفية آنذاك عبر وجودها في أنشطة علمية مختلفة, ويكتب الناقد بحثا قيما عن أهمية الدرس البنيوي بوصفه المرجعية العلمية في المقولات والإجراءات في مقابل تواري المعالجات الأيديولوجية التي ترتبط بالاتجاهين المحوريين للعقل الغربي في المنعطف التاريخي السابق على البنائية وهما الماركسية بتطبيقها الشمولي والوجودية بنزعتها الفردية, ويوازن فضل في تقديمه للمنجز البنيوي بين ما يتعلق بالنظام الشعري أو التحليل السردي, ويصل في نهاية الكتاب إلى أفق رحب يمضي بثقة في فضاء العلامات سعيا إلى فلسفة الأنساق الرمزية في النقد السيميولجي
ولا شك أن كتاب "نظرية البنائية" لصلاح فضل يعد مع كتاب عبد السلام المسدي "الأسلوب والأسلوبية –نحو بديل ألسني في نقد الأدب-" وكتاب كمال أبو ديب "جدلية الخفاء والتجلي" أساسا لميلاد الحداثة النقدية العربية في نهاية السبعينيات, تلك الحداثة التي توجت بإصدار مجلة فصول عام 1980م بوصفها أيقونة النقد الجديد بكل ما فيه من علمية وعمق وبكل ما يسعى إليه من مواكبة المرجعية العالمية والممارسة الابتكارية لفن قراءة المنتج الإبداعي والسياق الثقافي