الفطر رواية تمتزج فيها الجريمة بالخيال العلمي، يتناول فيها الكاتب المستقبل القريب بشيء من التوقعات والغموض، لا تقتصر أحداث الرواية على محاولة اكتشاف تفاصيل الجريمة، بل تمتزج الفلسفة والصوفية بالأفكار العملية والذكاء الصناعي لتخلق روابط محاكة بدقة بين المستقبل والأسطورة والحدث الآني في الرواية، إنها رواية لن تجعلك تتوقف بعد أن تقلب صفحتها الأولى.
حينما نتحدث عن رواية بوليسية فإننا بالعادة ننتظر منها الغموض ومعرفة القاتل وكيفية حل لغز الجريمة ولكن في رواية الصديق العزيز محمد العجمي (الفطر) لم تكن الجريمة وحدها الحاضرة في مخيلته بل جمع محمد العجمي الجريمة وغموضها واستشرافه للمستقبل البشري رفقة الروبوتات والتي كانت هي الشخصيات الرئيسة في هذه الرواية. لم يكن مزج رواية بوليسية بامتياز مع نظرة مستقبلية للتعاون الإنساني مع الخوارزميات التي تقوم عليها الروبوتات بالعمل الجديد ربما، ولكن الخيال الذي قدمه العجمي هو ما أحب أن اسميه (الخيال المقنع) الخيال الذي يعتقد القارئ أن من الممكن حدوثه مع الروبوت الذي يطور نفسه ؛ليحمل نفس العواطف الإنسانية والنفسية ويتعلم المبادئ الأخلاقية وغيرها من الصفات التي يتفوق بها البشر عن سائر المخلوقات، فعن السيدة التي تسكن في بناية (اللبلاب) بالطابق السادس والتي لم تخرج من شقتها لسنتين كاملتين ولم يُعرف عنها الكثير يستفيق ذات صباح سكان بناية اللبلاب على رائحة التحنيط لجثتها من باب شقتها ليتكشف الأمر عن جريمة قتل بشعة وغامضة، من هذا الجانب تحديدا يتلاعب العجمي بالتفاصيل في غرفة القتيلة لزيادة الغموض عن تفاصيل غير منطقية للوهلة الأولى، فما الرابط مثلا بين روبوت لا يتحرك نهائيا وهو الذي كان المساعد الطبي الذي صُنع للقتيلة خصيصا و التي كانت تعاني من اضطرابات نفسية و عصبية شديدة؟ ولماذا الرسم على الجدران بطريقة معاكسة؟ ولماذا توجد لوحة شطرنج عليها قطع اللعبة المصنوعة من اللحم البشري؟ ولماذا تم زراعة الفطر في غرفة القتيلة؟ ولماذا الروبوت وهو المساعد الطبي للقتيلة أصبح بلا حركة ولا وعي؟ وغيرها من التفاصيل الغامضة التي يحكيها ثلاثة روبوتات بصيغة المونولوج في كثير من الأحيان وهو ما أعطى العجمي مساحة صنعها لنفسه للحديث عن ما يدور بخياله أو ما أراد قوله عن نظرته الخاصة المتعلقة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي ومستقبل البشرية في ظل هذا التزاوج إن صح التعبير بين الإنسان و الآلة. أستطيع القول أن محمد العجمي وضع لنفسه تحدياً و اجتازه بنجاح، فبعد روايته الأولى (سر الموريسكي) والتي كرسها لفترة تاريخية محددة يقلب العجمي الطاولة على نفسه ويقدم عملاً لا يمت للتاريخ بصلة بل يقدم استشرافاً لما يمكن أن يكون عليه عالمنا في خضم ما يفعله بنا الذكاء الاصطناعي من تطور هائل يوما بعد يوم. إن رواية الفطر تبدو للوهلة الأولى للقارئ مجرد رواية بوليسية مثل كل الروايات المرتبطة بالجريمة وطريقة حل الجريمة ولكن القارئ بين الأسطر بعمق سيعي أن العجمي حاول أن يوجد رؤية أشاطره شخصياً فيها بالمجمل حول ما يمكن أن يكون عليه هذا العالم مستقبلاً، هذا المستقبل الذي ستصبح فيه الآلة والخوارزميات هي محور حياتنا اليومي.
كتاب آخر لمحمد العجمي يثبت لنا عمق معرفته وإلمامه بالعلوم المختلفة. أظنها رواية خيال علمي أكثر من كونها رواية جريمة وغموض. استمتعت بقراءتها ولكن شعرت بأن العالم المستقبلي الذي (ربما) تحاول الرواية التنبؤ به لم يكن مقنعًا. جزء من ذلك العالم يبدو "قديمًا" بشكل لا يتناسب مع عصر الإنسالات. "منصة سديم" على سبيل المثال لا تختلف كثيرا عن منصة VR CHAT المعروفة منذ سنوات عديدة.