تحتوي صفحات هذا الكتاب على جملة مختارة من بعض ما نشره الصادق النيهوم في صحيفة الحقيقة بدءاً من العام 1966م وإلى العام 1971م. وهي كتابات عرضت لقضايا، وناقشت موضوعات كانت تشغل بال النيهوم والعديد من المثقفين الليبيين في تلك الأعوام الضاجّة بالأحداث والتشابكات، والتطلعات، والخيبات.. أيضاً.
كان النيهوم قد بدأ يطل على القارئ الليبي بهذه الكتابات، والتي كان للحقيقة دور فاعل في إيصالها والاهتمام بها، وتزامنت المقالات مع بدء الصدور اليومي للصحيفة وحتى توقفها (1) مطلع عام 1972م، واستأثرت بما ورد فيها باهتمام المتابعين وإعجابهم بأسلوب وأفكار النيهوم التي بدت صارمة وغير مألوفة في كثير من الأحيان، وتعدّدت بشأنها الآراء، واختلفت بل، بل ونظرت حتى بنوع من الريبة.. أو (الحسد) تجاه صاحبها!
والمقالات ـ علاوة على أنها طوّرت أو جدّدت من الأسلوب الأدبي والصحفي السائد آنذاك ـ فهي وضعت القارئ الليبي في قلب العالم بمشاكله وقضاياه ـ حيث كان النيهوم يقيم خارج وطنه.. ويكتب، ونبّهت إلى احتياجات المجتمع وضرورة القفز به خطوات نحو المستقبل. وجاء عنوان هذا التقديم محاولة لتكملة سؤال النيهوم في أحد عناوين مقالاته (ماذا يريد القارئ؟) الذي ظل يتمنى على من يقرأ لهم في ليبيا بمعالجة همومه اليومية، ووضع الحلول لها، وإيجاد بيئة مثالية نظيفة مثل المدينة الفاضلة!
وهو أمر صعب للغاية، ولكن من المنطقي أن يظل السؤالان عما يريده القارئ ثم الكاتب وجهين لقضية واحدة.. وموضوع واحد ينشدان التكامل والتواصل، وسيظلان كذلك على الدوام.. فالكلمة الجيدة لا تموت، والقارئ الواعي يحترمها، ويعيش معها، ولا يُفرِّط في قيمتها.
وهذه المقالات تمثل أيضاً أخصب وأجود فترة لعطاء النيهوم في تلك المرحلة الزمنية والظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدتها ليبيا والمنطقة العربية والعالم. وقد حاول النيهوم في كثير منها الانطلاق إلى عوالم أخرى.. إلى معانقة قضايا الإنسان والثورة في الصين، وفيتنام، وكوبا، وأفريقيا، وأمريكا، وأغلبها جاء نتيجة لتجربة عايشها النيهوم شخصياً بالسفر والتنقل، والقراءة والمتابعة الدائمة، والمقارنة والمقاربة، وكان في ذلك كله ملتزماً ـ إنسانياً ـ بهذه الموضوعات والقضايا التي طبعت أعوام أواخر القرن العشرين، وهو الكاتب صاحب الحلم، آنذاك، والطموح، والمتحمس دون التزام أو ارتباط بأيديولوجيات أو مدارس أو مذاهب معينة كانت تملأ العالم وتضجّ به من أقصاه إلى أقصاه. لكنه وقف ـ تلك الأعوام ـ عند قضية الإنسان.. والإنسان وحده.. سواء في أزقة القدس، أم غابات أفريقيا، أم بوليفيا، أم أحياء الزنوج المعدمين في أمريكا، أم صاحب العيون الضيقة في ساحات بكين.. أم غيرها.
إن الإنسان في هذه المقالات هو الذي يلوح.. وينهض عبر سطورها ومعه يتعاطف النيهوم ويقترب منه وينقل معاناته ليكتشفها القارئ الذي عرف النيهوم ماذا يريد بالضبط من الكاتب.. وبالعكس!
وهذه المقالات التي ترحل بين السؤالين تبقى لوحة كاملة أو ناقصة، في محاولات الإجابة، والسعي نحو الحقيقة، وتبقى جزءاً مهماً لا يستطيع أيّاً كان تجاهله.. أو إسقاطه من الحياة الأدبية والصحفية في ليبيا، بالرغم من أشكال الاختلاف والتباين، وهو الأمر الذي يَسِمُ مقالات النيهوم، وكتاباته عموماً، بطابع خاص .. وبميزات معينة تظل على الدوام في حاجة إلى الاكتشاف والدراسة.. والنقد.
ولد الصادق النيهوم في مدينة بنغازي عام 1937. درس جميع مراحل التعليم بها إلى أن انتقل إلي الجامعة الليبية، وتحديدا بكلية الآداب والتربية - قسم اللغة العربية، وتخرج منها عام 1961 وكان ينشر المقالات في جريدة بنغازي بين عامي 1958-1959 ومن ثم عُين معيداً في كلية الآداب.
أعدَّ أطروحة الدكتوراه في " الأديان المقارنة" بإشراف الدكتورة بنت الشاطيء جامعة القاهرة، وانتقل بعدها إلى ألمانيا، وأتم أطروحته في جامعة ميونيخ بإشراف مجموعة من المستشرقين الألمان، ونال الدكتوراه بامتياز. تابع دراسته في جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية لمدة عامين.
درَّس مادة الأديان المقارنة كأستاذ مساعد بقسم الدراسات الشرقية بجامعة هلنسكي بفنلندا من عام 1968 إلى 1972.
يجيد، إلى جانب اللغة العربية، الألمانية والفنلندية والإنجليزية والفرنسية والعبرية والآرامية
تزوج عام 1966 من زوجته الأولى الفنلندية ورُزق منها بولده كريم وابنته أمينة، وكان وقتها مستقراً في هلسنكي عاصمة فنلندا، انتقل إلى الإقامة في جنيف عام 1976 وتزوج للمرة الثانية من السيدة (أوديت حنا) الفلسطينية الأصل.
توفي في جنيف يوم 15 نوفمبر 1994 ودُفن بمسقط رأسه مدينة بنغازي يوم 20 نوفمبر 1994.
كتب لصحيفة الحقبقة الليبية حينها، نشر أول مقالاته (هذه تجربتي أنا) مع بداية الصدور اليومي لصحيفة الحقيقة كما نشر بها :
- الكلمة والصورة
- الحديث عن المرأة
- عاشق من أفريقيا
- دراسة لديوان شعر محمد الفيتوري
نشر سنة 1967 مجموعة دراسات منها (الذي يأتي والذي لا يأتي) و(الرمز في القرآن)، وأصبح في هذة الفترة يمثل ظاهرة أدبية غير مسبوقة، وأخذ يثير اهتمام القراء، وكانت أطروحاته وأفكاره تتضمن أسلوباً مميزاً يشهد له الجميع بالحيوية والانطلاق،
وفي عام 1969 كتب دراسة (العودة المحزنة للبحر)، ونشر عدد من قصص الأطفال، وأهداها إلي طفله كريم، ونشر عام 1970 رواية (من مكة إلي هنا)، وفي 1973 صدر له كتاب (فرسان بلا معركة) و(تحية طيبة وبعد)، وأقام من 1974 إلي 1975 في بيروت، وكتب أسبوعيا بمجلة الأسبوع العربي، وأشرف على إصدار موسوعة (عالمنا -صحراؤنا -أطفالنا - وطننا - عالمنا)، ومن ثم صدرت رواية (القرود).
انتقل إلي الإقامة في جنيف عام 1976 وأسس دار التراث، ثم دار المختار، وأصدر سلسلة من الموسوعات أهمها(موسوعة تاريخنا - موسوعة بهجة المعرفة)، وعمل بجامعة جينيف أستاذاً محاضراً في الأديان المقارن حتى وفاته.
عام 1986 صدرت له رواية (الحيوانات)، وفي 1987 صدر له كتاب (صوت الناس)، وعام 1988 بدأ الكتابة في مجلة الناقد منذ صدور الأعداد الأول منها في لندن. استمر بالكتابة بها إلي أن وافته المنية في عام 1994، ص
نظراً للعنوان وصورة الغلاف ، قد يظن البعض أن الكتاب يتحدث عن قراءة الكتب على وجه الخصوص ، والحقيقة أن هذه المقالات والتي كتبها النيهوم في الستينات في صحيفة الحقيقة الليبية " كانت قراءة للواقع .. الواقع والذي لازالت بعض فصوله تواكب الحدث .. من ليبيا ، الصين ، فيتنام ، كوبا ، افريقيا ، أمريكا والدول العربية تناول فيها القضايا الفكرية ، السياسية ، الاجتماعية والثقافية بإسلوب جدا جدا رائع والسخرية في بعض المواضع .. أول كتاب أقيمه بخمس نجوم دون تردد .. يستحق القراءة بامتياز
كجيل لم تعد عبارات البنط العريض في الصفحات الأولى للجرائد تغريه ، يمكنني أن أقول حال انتهائي من الكتاب : يا إلهي ، كم أحب الصحافة !
لم اكن اعتقد بأني سأقرأ مقالات كُتبت قبل مايقارب الخمسين عام وفي صحيفه تخص بلداً لا اعيش فيه بهذا القدر من المتعه . مقالات اشبه برحلة حول العالم تصلك كل صباح مع فنجان قهوتك . من بيوت اسنكدنافيا حتى شتاء روسيا إلى جزر الهند الغربية مروراً بحدود نيجيريا إلى غابات بوليفيا وفيتنام وصولاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية وصعوداً إلى القمر .. كل هذا لأجل بناء وترميم ليبيا سياسياً واجتماعياً وتعليمياً وثقافياً من خلال القارئ الذي يمسك الجريدة بين يديه .
قد تكون بعض المقالات قديمة المعلومة أو تتحدث عن وضع سابق قد تغيّر أو عن موضوع لا يهمك حقاً ، لكن ما أنا متأكد منه بأنها ستُعيد لك الثقة بما يمكن أن تساهم به الصحافة في إثراء حياة الناس والإرتقاء بهم .
إن أردتَ أن تعرف ليبيا-ما قبل الجنون- أو أردت أن تفهم أفريقيا أو أردتَ أن تشمّ تشي غيفارا , أو أردتَ شيئا من الصحافة التي كانت يوما ما متعة و إفادة قبل أن تفقد الأمرين ... فعليك بهذا الكتاب أفادني بشكل رئيسي - عدا لغته و تعابيره و لفتاته المدهشة أحيانا - في تمثّل الآمال و الأحلام و الحالة التي كان يعيشها هؤلاء العرب قبل حوالي خمسين عاماً , العودة بخلاياك إلى التاريخ في تلك اللحظات هذا ما جذبني فيه , أفريقيا بالذات لم أعرف عنها حتى رؤوس الأقلام قبل هذا الكتاب . و هو لطيف بشكل عام و إن لم يكن أجمل كتبه و إن كان يهمّ الليبيّ خاصّة أكثر من القارئ الآخر , و الصادق النيهوم ممن تقرؤ لهم أدبهم أو فكرهم ولا تندم .. و ما هؤلاء بكثير
" بنغازي، قلعتنا العجوز سوف يصلح المهندسون وجهها .. وسوف تختفي تجاعيدها المحزنة، وتصل إليها الشمس وتكفّ الخفافيش عن اعتبارها مقبرة مهجورة، وينتهي أمر الوحل .. ذلك الشيء الذي ظل أطفالنا يخوضون فيه إلى ركبهم كلما سقطت قطرتان من المطر بالصدفة "
كتاب رائع ! ولا شيء مثير للإستغراب، لكونه للمفكر الصادق النيهوم! :)
ليس كتابي المفضل للنيهوم (رحمه الله عليه) ولكن اعجبني ما يحتويه جداً، أخذني الكتاب في جولة إلى اماكن عدّة في زمن يسبق زمني هذا بطريقة سرد مسلية ، جذبتني مقالة " قلعتنا العجوز " حتى إني لم استطع تخطّيها إلا بعد قرائتها اكثر من مرة .
مقالات مختارة من بعض ما كتبه النيهوم في صحيفة الحقيقة من عام 1966 إلى1971، ناقش فيها النيهوم قضايا وموضوعات كانت تشغل المشهد الثقافي انذاك، جدد فيها النيهوم الأسلوب الصحفي السائد حينها، شخصياً جعلني أردد أثناء القراءة "يا إلهي، كم أحب الصحافة!" مقالات رافقتني صباح كل يوم من هذا الشهر مع فنجان القهوة، أذهلتني اللغة، التعابير، اللفتات المُدهشة في مواضع معينة، أسلوب النيهوم كما عهدته وأحبّه وجداً، يأخذك الكتاب في جولة إلى أماكن عدة، ليبيا، أفريقيا، فيتنام، شخصية غيفارا، معسكرات الاعتقال الأميركية، اليمن السعيد، وغيرها من المواضيع.
أكثر مقال أعجبني "القلعة العجوز" أحبّ دائماً إعادة قراءته، وأتوقف تحديداً عند: “نتمنى أن يفهم المشرفون على تجديد بنغازي عواطفنا تجاه هذه القلعة العجوز.. ونحن لا نتمنى أن تُهدم بنغازي لكي تحل محلها مدينة خرقاء أكثر مشاكلَ، ولكننا نريد أن ننال شيئاً مجدياً في مقابل مدينتنا.. شيئاً يستحق أن تُهدم بنغازي من أجله".