لم تكن أم كلثوم مجرد مطربة تقف أمام جمع من الناس لتسعدهم بأدائها وصوتها العذب فقط... ولو كان الأمر كذلك لانتهى الحديث بعد وفاتها بفترة معينة.. طالت أو قصرت.. ولما استمر الأدباء والمثقفون يقتفون أثرها، ويدرسون سلوكياتها، ويحللون موهبتها على مدار عقود مضت.. وسيواصلون تأملاتهم وأبحاثهم لسنوات أخرى قادمة ما دامت الحياة باقية..
لقد كانت أم كلثوم وستظل ظاهرة فريدة في عالم الفن، صنعتها بشخصيتها الملهمة، وإرادتها الفولاذية، وعقليتها الثاقبة، وأفكارها المتأججة.
لقد استنفرت أم كلثوم طاقتها مع معاناة أبناء جيلها، وأرادت أن تتلمس مواضع السعادة لديهم لتزيح عن كاهلهم بعضاً من أعباء الجفاء السياسي والتناحر الاجتماعي والذبول المادي، لتستخرج من داخلهم إشعاعات الراحة والسكينة، على أمل أن تشرق السعادة الدائمة في حياتهم.
ومن منطلق هذه الأهداف السامية عاشت أم كلثوم بفنها وموهبتها بين السياسيين والمثقفين ورجال العلم وبناة الاقتصاد، تتأثر بهم وتؤثر فيهم من أجل صالح أبناء العروبة الكادحين الذين طالما عانوا من قهر الاستعمار والمستبدين.
وهذا الكتاب يلقي الضوء على تلك الملحمة النادرة التي عاشتها أم كلثوم والتي جسدت فيها تاريخ شعب وسلوكيات أمة تحاول أن تنهض من مرقدها لتمسك بأشعة الأمل وتثب إلى قمة سلم المجد من جديد بعد أن أضناها التطلع إليه من بعيد.
كان ناقد أدبي وصحفي مصري. تخرج من جامعة القاهرة قسم اللغة العربية عام 1956 واشتغل بعدها محرراً في مجلة روز اليوسف المصرية بين عامي 1959 إلى غاية 1961 ثم محرراً أدبيا في جريدة أخبار اليوم وجريدة الأخبار بين الفترة الممتدة من عام 1961 حتى عام 1964، كما أنه كان رئيس تحرير للعدد من المجلات المعروفة منها مجلة الكواكب ومجلة الهلال كما تولى أيضا منصب رئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة مجلة الإذاعة والتلفزيون
"علّمت أم كلثوم هذا الجيل من المطربات والمطربين كيف يُغنّون، ويُخرجون الألفاظ سليمة. إنها مدرسة، إن صوت أم كلثوم يكفل الحياة لأي لحن. إنها معجزة لن تتكرّر ولا كل ألف سنة. لأننا لسنا في زمن المعجزات." #محمد_الموجي
وعيت منذ طفولتي المُبكّرة على أغاني السيدة أم كلثوم، وعلى والداي وهما يدندنان ويغنّيان مقاطع من أغنياتها، حتى ترسّخت في بالي فكرة أن الأغنية العربية هي أم كلثوم. وحتى حين عُرض مسلسل أم كلثوم، تابعته مع أمي بكل شغف، فتعرّفت أكثر على هذه السيدة العظيمة وقصة حياتها المليئة بالإرادة والتصميم والإبداع والفن، وقد شاهدت المسلسل عدة مرات وبنفس الشغف، وعندما كبرت أكثر ازاداد تعلّقي وحُبّي لفن أم كلثوم وصوتها الخالد، حتى إنني أشعر بنشوة طاغية وحالة من التجلّي عندما أسمع أغنياتها، فصوتها يهزّني من أعماق أعماق روحي وقلبي، فلا أشعر بنفسي إلّا ودموع التأثر تنساب من عينّي المُغمضتين..
هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات المتفرّقة عن السيدة أم كلثوم، وعن طفولتها ونشأتها وبعض الرجال الذين كان لهم دور في مسيرتها، وعن حفلاتها في كل من السودان وليبيا، وعلاقتها بشاعرها وكاتب أغنياتها أحمد رامي.
من الكتب القليلة التي أدمعت عيناي طيلة قرائتي لها ♥ والكتاب مليء بمعلومات عن رجال كمصطفى أمين وطلعت حرب وزكي مبارك وأحمد رامي وعن أعمالهم ومؤلفاتهم وهذا ما يجعلني اقرأ لهم في المستقبل. وذكر الكاتب في أكثر من موضع كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد: أم كلثوم.. عصر من الفن، والذي بنى عليه الأديب والسينارسيت محفوظ عبدالرحمن مسلسل أم كلثوم، من إخراج إنعام محمد علي وبطولة صابرين وأحمد راتب وكمال أبو رية وكوكبة من النجوم الذين أبدعوا في تجسيد عصر كامل من الفن، وعادوا بنا إلى الزمن الجميل.
ولكن ما أضعف الكتاب برأيي هو احتواء المقالات على معلومات وكلمات مُكررة جداً.
وهنا يجب أن أشكر الصديق غيث حسن لاقتراحه هذا الكتاب عليّ. والجدير بالذكر إن هذا الكتاب هو الأول الذي اقرؤوه من اقتراحات الأصدقاء على هذا الموقع.
لماذا يكتب رجاء النقاش عن أم كلثوم بعد ربع قرن من الرحيل؟ السبب هو المقارنة، أن تنظر إلى عصرين، تبحث عن الموجود والمفقود، وتتخذ من رمز فني تاريخي ظاهرة ثقاقية تستخلص منها سمات الهوية التي تصل الفرد بجذوره الحضارية أم كلثوم عند رجاء هي الذات التي تجلت فيها الشخصية المصرية بروحها وفكرها وسلوكها ولحظتها التنويرية التي تحاول أن تحقق وجودها في أعقاب احتلال تبحث عن مقوماتها وتعبّر عن مكنونها وأشواقها وبعثها في عصر تستشرف مكانها مستلهمة رحلتها ومتطلعة للأفق العالمي ليس كتابا يعالج سيرة شخصية مفردة وإنما دراسة ثقافية في التاريخ والحضارة والفن والأدب والاقتصاد والسياسة، يستعرض فيه رجاء أقوال مفكرين من الشرق والغرب، ويناقش مفاهيم الحب والتصوف والتطور والالتزام يجيب على أسئلة تلقي على اللغز بعض الإضاءة، ويترك مساحة بين سطور الصفحات والتاريخ كروح الشرق التي لا تبوح بكل ما فيها وإنما تلمس حدس الناس لتتألق أضواء أحلامهم على نهر المشاعر كما تفعل شمس الأصيل بالنيل ذاك النيل الذي تشربت أم كلثوم ثقافته الزراعية وتشبعت عيناها من تألق وهج الشمس على صفحته ومسامرة القمر لرحلته
شغلت أم كلثوم الدنيا بروعة صوتها وفنها، لقد كانت الظاهرة الإنسانية والاجتماعية و الوطنية الأبرز في القرن العشرين، ويأتي هذا الكتاب لمؤلفة الصحفي الكبير الراحل رجاء النقاش الذي لازمها في بعض رحلاتها كاشفا بعض أسرار كوكب الشرق وملقيا الضوء على أبرز الجوانب الإنسانية في شخصيتها الذي كان انعكاسا على واقع فنها فخرجت لنا أم كلثوم بكل هذه العظمة كواحدة من المطربين الذين لن يتكرروا.
لقد استمتعت مرة أو مرتين برؤية المرحوم عمَّار الشريعي يتحدث عن أم كلثوم في التليفزيون ويفسر لنا عبقريتها من خلال تحليله المبهر والشيِّق لأسلوبها الفريد في الغناء مستعرضًا حالات تاريخية معينة في أدائها. كنت انتظر من كتاب يحمل عنوان: "لغز أم كلثوم" أن أجد المزيد مما يشبه هذا النقد الفني الذي يعلل دهشتنا من هذا الأداء الغنائي الخيالي ويبرز كوامن مواهب هذه الشخصية الأسطورة. غير أن ما وجدته هو "مجموعة من الذكريات والأحاديث والدراسات والأفكار المتنوعة المتفرقة والتي لا يربط بينها سوى رابط واحد هو أم كلثوم" كما يقول الكاتب في المقدمة. يتحدث الكتاب إذن عن الأشخاص المحيطين بأم كلثوم أكثر مما يتحدث عنها: طلعت حرب الذي قدَّم لها قرضًا سخيًا، مصطفى عبد الرازق الذي حماها من مكائد الوسط الفني، أحمد رامي الذي ثقَّفها وأحبها حبًّا أفلاطونيًّا، مصطفى أمين الذي تزوجها بالسر، الشيخ التركي الذي نظم فيها قصيدة، زكي مبارك الذي وصفها بالبخل، وأخيرًا نعمات أحمد فؤاد التي عشقتها وألفت عنها كتابًا موسوعيًّا. ويخصص فصلين من الكتاب أيضًا لذكريات سفره معها إلى السودان وليبيا. وهو لا يفتأ يذكر مسلسل أم كلثوم ويشيد بكاتبه ومخرجته وممثليه، وهو محق كل الحق في هذا. يغلب على الكتاب أسلوب رجاء النقاش الصحفي الذي ينقل أخبار حياة المشاهير والتي كان (هل لا يزال؟) لها رواج كبير في المجتمع المصري. وأكرر أنه لا يتطرق إلى فن أم كلثوم: لن تصادف هنا أي ذكر للقصبجي أو زكريا أحمد. بل هناك أحيانًا استطرادات غير مبررة، فلا تستغرب أن تجد نفسك تقرأ مثلاً عن الأمريكان وهم يبيدون السكان الأصليين في أمريكا! ولكن عشاق أم كلثوم وهم كُثُر سوف يستمتعون بأي كتاب يحمل اسمها في عنوانه.