لعلّ هذا هو الكتاب الأشهر للدكتور برهان غليون
وهو من كتبه الأولى
و لا شكّ أنّه غيّر كثيراً من قناعاته فيما بعد لكن الخطّ العام لرؤيته لأسباب الركود العربيّ ما زالت نفسها
عدا عن أنّك ستلحظ أنّه يستخدم أدوات ماركسيّة بكثافة لا تجدها في كتبه اللاحقة , و خطاب الرأسماليّة المتغوّلة المدمّرة ستجده قد ضمر في كتابه عن العولمة مع سمير أمين مثلاً , حيث يدعو إلى المشاركة في هذه العولمة لا مقاطعتها و الانعزال عن العالم .
عموماً هذا الكتاب صرخةٌ كشقّت كثيراً من المسكوت عنه و المتغافَل عنه وقتها , و مثّلت معارضة جريئة للسائد و المكرّس في الخطاب الفكري العربي , بل حرباً صريحة على قسم كبير من رموزه ,
و من كان يجرؤ على أن يقول إنّ هذه الايديولوجية العلمانيّة و القوميّة و اليساريّة ليست أكثر من ذراع لتكريس الاستبداد و حالة التبعيّة , و أنّ ايديولوجية جهل الشعب و الاستعلاء عليه و على معتقداته ليست سوى سخف مشرعن للدكيتاتوريّات و معبّر عن مرض أخلاقي لا يرى سوى امتيازات الطبقة .
و أنّ هذه الشعوب كانت بآليّات مقاومتها و بثقافتها الشعبيّة متفوّقة بمراحل على هذه النخب المستلبة و الموظّفة لتثبيت حالة القطيعة و المعاداة للشعب لصالح الأنظمة الفاسدة سواء علمت أم لم تعلم
و تأكيده المستمرّ على أنّ هذه الشعوب هي من تصنع التغيير و هي الأوعى و هي الأجدر , و أنّ التحرّر السياسي و الكرامة هي البداية و الضرورة الأولى لأيّ مشروع نهضة لا الشعارات القوميّة و لا الوعود الاقتصاديّة ... هذه الصرخة التي يطلقها مبحرقة و غضب مثقّف يشعر بالتزامه تجاه مجتمعه و ثقافته و إنسانيّته قبل كلّ شيء
و بأدوات تحليليّة غاية في الذكاء و التجاوز للشعارات و الأقنعة البرّاقة , خاصّة في كلامه عن الماركسيّة لدى الماركسيّين العرب , و التي ينفون منها جوانبها غير الفلسفيّة ليتاح لهم اعتناقها كدين يبرّر لهم التقوقع فيها و إقصاء المختلف , لينسجموا مع شرط القطيعة للشعب كضرورة لدخول جنّة النخب .
و كذلك كلامه عن استخدام الأقليّات للحكم , و هو هنا مثير للانتياه , فسورية لم تحكم فيها أقليّة بعد الاستقلال , و كأنّه يلمّح إلى نظام حافظ الأسد وحده , و ما يرتبط به من مشروع استعماري , خاصّة أنّ الكتاب يفصله أربع سنين فقط عن مجزرة حماة
من الجدير بالذكر أنّ هذه النظريّة حول الخطاب العلماني العربي قد طوّرها و أفرد لها مع ما تشكّله من حالة استقطابيّة مع الخطاب الإسلامي التقليدي مساحة كتاب كامل فيما بعد هو " اغتيال العقل " و الذي ما زال نقطة فاصلة لديّ .
و في النهاية لا بدّ أن نتذكّر أنّ هذا المثقف كان أوّل المثقّفن تماهياً و انسجاماً مع ما نادى به الشارع في ثورة الكرامة ... و كان الجسد الحقيقيّ لكلماته , على خلاف الكثيرين ممن تحدّثوا عن جهل هذه الشعوب و عدم قدرتها على التغيير و لما بدأت بالتغيير انضمّت إلى جوقة التبرير للحاكم ... أو إلى الصمت الطويل في أحسن تقدير