التجربة اليابانية في عالم الإدارة الاستراتيجية، تجربة رائدة جديرة بالتقصي، وهي تجربة يكتنفها غموض ويدور حولها تساؤلات: كيف تحقق اليابان التنمية والتطوير مع ندرة الثروات الطبيعية؟ لماذا تحققت المعجزة اليابانية ولم تتحقق لغيرها من الدول التي تحتوي على المدخرات نفسها الطبيعية؟ كيف استطاع اليابانيون التوليف بين التراث الشعبي التقليدي والحداثة بابتكار أساليب إدارية نابعة من البيئة المحلية، وكيف حقق اليابانيون هذه المعجزة التي تتضارب مع معظم النظريات الإدارية الغربية؟ كيف يمكن للباحثين العرب في الإداربة استنباط استراتيجيات إدارية عربية من البيئة المحلية والثوابت العربية؟ هل يمكن نقل أو استنساخ الأفكار والمفاهيم والأسس الإدارية اليابانية ما يمكن تجربته وإنجاحه في العالم العربي؟ يحاول هذا الكتاب الإجابة على هذه التساؤلات بأسلوب شيق، يفتح أمام القارئ والمثقف العربي آفاقاً جديدة للتطور.
من معجزات الإدارة اليابانية، هو النقلة النوعية التي تمت بعصر الإمبراطور ميجي، ولمعرفة الفرق، قبل ميجي، كانت كلمة صنع في اليابان، تعلمك أن المنتج رديء وتحذرك من شرائه.. وبعد ميجي وحتى الآن.. نفس الكلمة تعني الدقة والجودة. وهذا في بلد لا يحوي حتى المساحات الكافية من الأرض لبناء المصانع أو للزراعة الكافية(حتى أن اليابان تعتبر البلد الوحيد الذي لا وجود فيه للحيوانات الداجنة مثل الأغنام والأبقار والجمال)، يعني بلد قليل الموارد المادية، ولكن غناها بالموارد البشرية هو سبب نهضتها.. وهو سبب إعجابي الشديد بالإدارة اليابانية. وأذكر هنا أنني في مرحلة الدبلوم، كلفت مع زميل لي بكتابة بحث عن نقل تجربة الإدارة اليابانية إلى سوريا، وخلص بحثنا، أنه لا يمكن نجاح التجربة اليابانية في الإدارة، إلا إذا استبدلنا الشعب السوري بشعب ياباني، وكتبت في آخر البحث الحكمة التالية: "إذا لم يكن نسلك من الصقور فلسنا بحاجة لمزيد من النعاج". والتي كادت أن تكلفني الرسوب بالمادة لأنها لم تعجب دكتورنا.