هذه ترجمة وليست بترجمة. لأن الترجمة يغلب أن تكون قصة حياة, وأما هذه فأحرى بها أن تسمى صورة حياة. ولأن تكون ترجمة ابن الرومى صورة خير من أن تكون قصة. لأن ترجمته لاتخرج لنا قصة نادرة بين قصص الواقع, أو الخيال, ولكننا إذا نظرنا فى ديوانه وجدنا مرآة صادقة, ووجدنا فى المرآة صورة ناطقة, لانظير لها فيما نعلم من دواوين الشعراء, وتلك مزية تستحق من أجلها أن يكتب فيها كتاب. وابن الرومى شاعر كثير التوليد غواص على المعانى مستغرق لمعانيه, ولكننا لو سئلنا ما الدليل على شاعريته, لكان غبنا له أن نحصر هذا الدليل فى التوليد والغوص والاستغراق. فقد نحذف منه توليداته ومعانيه, ولانحذف منه عناصر الشاعرية والطبيعة الفنية, فهو الشاعر من فرعه إلى قدمه والشاعر فى جيد, ورديئه, والشاعر فيما يحتفل به, وفيما يلقيه على عواهنه, وليس الشعر عنده لباسا يلبسه للزينة فى مواسم الأيام, ولا لباسا يلبسه للابتذال فى عامة الأيام. كلا! بل هو إهابه الموصول بعروق جسمه المنسوج من لحمه ودمه, فللردئ منه مثل ما للجيد من الدلالة على نفسه, والإبانة عن صحته وسقمه, بل ربما كان بعض رديئه أدل عليه من بعض جيده, وأدنى إلى التعريف به والنفاذ إليه, لأن موضوع فنه هو موضوع حياته. والمرء يحيا فى أحسن أوقاته, ويحيا فى أسوأ أوقاته, ولقد تكون حياته فى الأوقات السيئة أضعاف حياته فى أحسن الأوقات. هذا الجانب من شاعرية ابن الرومى هو الجانب الخامل المجهول, وهو الجانب الذى وقفنا على التعريف به صفحات هذا الكتاب.
ولد العقاد في أسوان في 29 شوال 1306 هـ - 28 يونيو 1889 وتخرج من المدرسة الإبتدائية سنة 1903. أسس بالتعاون مع إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري "مدرسة الديوان"، وكانت هذه المدرسة من أنصار التجديد في الشعر والخروج به عن القالب التقليدي العتيق. عمل العقاد بمصنع للحرير في مدينة دمياط، وعمل بالسكك الحديدية لأنه لم ينل من التعليم حظا وافرا حيث حصل على الشهادة الإبتدائية فقط، لكنه في الوقت نفسه كان مولعا بالقراءة في مختلف المجالات، وقد أنفق معظم نقوده على شراء الكتب.
التحق بعمل كتابي بمحافظة قنا، ثم نقل إلى محافظة الشرقية مل العقاد العمل الروتيني، فعمل بمصلحة البرق، ولكنه لم يعمر فيها كسابقتها، فاتجه إلى العمل بالصحافة مستعينا بثقافته وسعة إطلاعه، فاشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور، وكان إصدار هذه الصحيفة فرصة لكي يتعرف العقاد بسعد زغلول ويؤمن بمبادئه. وتوقفت الصحيفة بعد فترة، وهو ماجعل العقاد يبحث عن عمل يقتات منه، فاضطرإلى إعطاء بعض الدروس ليحصل على قوت يومه.
لم يتوقف إنتاجه الأدبي أبدا، رغم ما مر به من ظروف قاسية؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات. منحه الرئيس المصري جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الآداب غير أنه رفض تسلمها، كما رفض الدكتوراة الفخرية من جامعة القاهرة. اشتهر بمعاركه الفكرية مع الدكتور زكي مبارك والأديب الفذ مصطفى صادق الرافعي والدكتور العراقي مصطفى جواد والدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ.
شاعر عظيم تستطيع من شعره ان تحيط علما بكل جوانب حياته كما قسمها العقاد (اصله و نشأته، تعليمه اخلاقه عقيدته ..... ( كتب في كل جوانب الحياة و أكثر ما برز فيه هو الهجاء فيقول المعري : لو أنصف الدهر هجا اهله ... كأنه الرومي أو دعبل و دعبل هذا الذي قال : إني لأفتح عينى حين أفتحها .... على كثير و لكن لا أرى أحدا ..................... و مما قال ابن الرومي وقد كان يقول بالطبيعتين: فينا و فيك طبيعة أرضية تهوى بنا أبداً لشر قرار هبطت بآدم قبلنا و بزوجه من جنة الفردوس أفضل دار فتعوضا الدنيا الدنية كاسمها من تلكم الجنات و الأنهار بئست لعمر الله تلك طبيعة حرمت أبانا قرب أكرم دار و استأسرت ضعفى بنيه بعده فهمو لها اسرى بغير إسار لكنها مأسورة مقسورة مقهورة السلطان في الأحرار لولا منازعة الجسوم نفوسهم نفذوا بسورتها من الأقطار أو قصروا فتناولوا بأكفهم قمر السماوات و كل نجم سار ................. و قال مادحا صانع الزلابية و كان ابن الرومي معروفا بولعه بالطعام :
و مستقر على كرسيه تعب ... روحي الفداء له من منصب نصب رأيته سحرا يقلى زلابية ... في رقة القشر و التجويف كالقصب كأنما زيته حين بدا ............ ... كالكيمياء التي قالوا و لم تصب .............. و قال في رثاء ولده (وقد مات بعد ذلك باقي اولاده و زوجته ( محمد ما شئ توهم سلوة .......لقلبي، إلا زاد قلبي من الوجد أرى أخويك الباقيين كليهما .... يكونان للأحزان أورى من الزند ............
يا ليت أهل العقل إذ حرموا .. عصموا من الشهوات و الفتن لكنهم حرموا وما عصموا ..... فقلوبهم مرضى من الإحن .............
ولي وطن آليت ألا أبيعه ... و ألا أرى غيري له الدهر مالكا عهدت به شرخ الشباب و نعمة .... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا .......
يا رب ما أطول البلاء و ما .... أكثر في أن بليت لوامي يلومني الناس أن حرمت و ما .... ألزمني الله غير إحرامي ..........
فهل كنت ابكي لاصحاب الهوى زمنا فهل لي الآن من يبكيني ! أهكذا يجد العشاق كلهم ؟! يا رحمتا للمحبين المساكين ! ............... الحب داء عياء لا دواء له تضل فيه الأطباء النحارير قد كنت احسب أن العاشقين غلوا في وصفه فاذا في القوم تقصير
هذا الكتاب هو بمثابة ترجمة لحياة ابن الرومي، ذلك الشاعر الشهير بشعره و بشؤمه. حاول الأستاذ العقاد من خلال هذا الكتاب أن يعطي صورة واسعة دقيقة لحياة ابن الرومي و كذلك أن يحلل شخصيته من خلال ما استطاع جمعه، و قد اعتمد شعره بالدرجة الأولى حيث أنه كان ينظم اشعارا يعبر من خلالها على كل حركاته و سكناته و كذلك كل شاردة و واردة في حياته، و لأن الأخبار عنه في كتب التراجم أو التأريخ قليلة و متضاربة و لا وسيلة الى استقصاء الحقيقي منها الا بالاستناد الى شعره و كذا المنطق. ابن الرومي هو شاعر ذو أصول غير عربية، فالأب رومي و الأم فارسية كما يرجح الكاتب، ولد في عصر ثري جدا من الناحية الفكرية و الزخم الثقافي، و لكنه مضطرب كل الإضطراب من الناحية السياسية، فقد عاصر ابن الرومي خلال حياته 8 خلفاء، و كذلك هو عصر الشهوات و اللذات حيث انتشرت المعاصي و كثرة الملاهي. يرى العقاد أن ابن الرومي لم يكن يمتلك أي موهبة أو ميزة تميزه في عصره، فهو لم يكن يصلح الا للشعر؛ و كان مؤمننا بالطيرة حتى النخاع خاصة عند شيخوخته، فكان يؤمن بالسعود و النحوس، و مقتنعا بشؤمه في الحياة خاصة من الأحداث التي تعاقبت عليه. و كان منهجه في هذه الحياة هو الاسراف، الاسراف في الوصف الشعري، في الهجاء، في الملذات و الشهوات. و استنتج الكاتب من تحليله لشعره انه ملك ملكة السخر و قل نظيره فيها، فهو يجمع بين دقة الملاحظة و عمق المعنى و البلاغة. و كذلك امتاز بكونه ساخرا و رافضا للواقع و ليس حاقدا عليه و امتلك ابن الرومي عاطفة جياشة جعلته يتعاطف مع الكل. يرى العقاد ان ابن الرومي كان يعيش معيشة صعبة تتخللها فترات من اليسر، فقد كان فاشلا في تحصيل الرزق الوفير وهذا راجع الى افتقاره للحيلة و الذكاء. اما من ناحية عقيدته فالراجح انه مسلم غال في تشيعه و قدريا يقول بالطبيعتين (على حد تعبير الكاتب)؛ و يفهم من شعر ابن الرومي ان ايمانه كان قلبيا (اعتقاديا) اكثر منه فعليا، فهو كان يتعاطى للذات و الشهوات المحرمة باسراف. و مما استنتجه العقاد من شعره انه كان يحب الحياة لحد العبادة، و امتاز بملكة تصوير لا تضاها عند آي شاعر آخر حتى من شعراء الغرب و كانت هذه هي نقطة قوته و ما ميزه عن كل الشعراء هو استغراقه القصيدة كلها في الوصف و التصوير و جعلها بناءا متكاملا غير قابل للتجزء.
كتاب رائع بكل معنى الكلمة و تحليل موفق من قبل عملاق الأدب العربي الأستاذ عباس محمود العقاد.
لا يدري المرء بعد قراءته لهذا السفر الثمين أيكتب عن العقاد وعبقريته أم عن ابن الرومي وأصالته؟ فالشخصيتان مثيرتان للإعجاب جديرتان بالإسهاب والإطناب في دراستهما وتقصي أطراف وأحوال شخصياتهما.
العقاد المعلم الكبير الذي أنصفه اسمه الذي يخبرنا المعجم عنه أن اسمه صيغة مبالغة للعاقد أو الرجل صانع وبائع الخيوط، وفي الحقيقية فأن هذا الوصف حري بالإعجاب إذ أنه أصدق ما قيل عنه، فالعقاد يمسك الشخصية محل الدراسة فيربط من بين مواقفها الكثيرة وظروف حياتها وعصورها وأدبها ونتاجها خيوطًا ليحيك لنا لوحة أو قل صورة -كما كان يفضل- عن هذه الشخصية وعصرها وظروفها، تلك الصورة التي لا تعد مبالغة لو قلنا إنه أن كنا في زمانها لم نكن لنعرفها ولنراها بهذا الوضوح وبذلك العمق.
والعقاد رجل يفضل التحليل النفساني إذ هو يقتحم أسرار الشخصية محل الدراسة من خلال نفسيتها ونفسية عصرها، فيعريها ويكشف كل أسرارها ودواخلها ويقف على مفتاحها فيدير به كل الأبواب الموصدة دوننا، وهو بهذا يحاول أن ينتج لنا اتساقًا لتصرفاتها وأمزجتها قلما يستطيع الإنسان أن يدركه لأحد غيره، فإذ بالعقاد مثل الجراح الحاذق يشرح بمبضعه العصر والشخصية وهذا سر نبوغة وتفرد منهج العقاد.
أما عن بطل سفرنا وكوكب حديثنا فهو أبو الحسن علي بن العباس المعروف بابن الرومي شاعر الهجاء الشهير الذي فاق دعبل والحطيئة وسائر الهجائين، وبالطبع مهما قلت فلن أبلغ واحد من مائة مما قاله العقاد وبينه وفصله عنه، ولكني أود أن أتحدث عن هذا الرجل الذي شعرت بالأنس معه خلال قراءتي المتواضعة لهذا الكتاب الثري (وفي ختام حديثي سأتناول مميزات وعيوب الكتاب نفسه):
ابن الرومي صديقي الشاعر، الطفل الذي لم يكبر مهما شاخ وابيضت لحيته وتقوس ظهره، الذي لم يستطع أن يفطم نفسه عما يهلكها حتى أجدبته الشيخوخة قبل آوانها كالجراد يأتي على الأرض المثمرة فيصيرها بور، وجدت فيها طيبة وحس مرهف قلما يتواجد في إنسان وشعرت بعذاباته وفجيعته التي لا يحتملها بشري حتى إن عيناي اغرورقت بالدموع في الأحيان الكثيرة التي تناول العقاد فيها فجائعه والظلم الذي لحق به والفاقة والعوز التي ألحقتا به رغم تفوقه ونبوغه عن كثير بل قل معظم نبغاء عصره، فكيف لإنسان له هذا الحظ الوفير في اللغة والأدب والعلوم لم يبلغ منزلة ولم ينل وجاهة ولم يتحصل على وزارة أو حظوة عند الخلفاء أو حتى على اليسير من الثروة، ولكن في النهاية هذي هي الدنيا وتلك أحوالها وما بيدنا غير أن ندور في أفلاكها آسرى لقوة القدر الغاشمة التي لا رادع لها.
وأصدق ما يمكن أن يقال في ابن الرومي وعبقريته المهملة هو قوله: رأيت الدهر يرفع كل وغدٍ ويخفض كل في شيم شريفَهْ
كمثل البحر يغرق فيه حيٌّ ولا ينفك تطفو فيه جيفَهْ
أو الميزان يخفض كل وافٍ ويرفع كل ذي زنة خفيفه
وابن الرومي لم يكن سعيد الحظ أبدًأ إذ أنه أعزك الله كان ساذجًا منكشف الطوية لا يجيد نفاقًا ولا رياءًا، وكان فوق ذلك كله غريب الأطوار ينفر منه الناس كما ينفر منهم ولذا فرغم براعته وعبقريته كان حظه من الدنيا قليلًا ناقصًا وقد يكون هذا هينًا أو سهلًا إن كان ابن الرومي يكره الحياة ويبغضها ولكنه للأسف كان صعبًا لأن ابن الرومي كان مقبلًا على الحياة عاشقًا لها متيمًا بجمالها وهائمًا في لذاتها ولذا كان الحرمان والمنع أشقى شيئًا عليه.
وأود أن أطيل وأزيد ولكني إن فعلت لن أنتهي ولذا سأختصر كلامي وأصرفه إلى الكتاب نفسه:
مميزاته: دراسة العقاد عبقرية ومقنعة، ومفيدة للغاية في فهم هذا الكائن غريب الأطوار وشعره، وهو يأخذنا في رحلة زمنية إلى زمانه لندركه ومن ثم في رحلة نفسية إلى دخيلته وشعره لنشعر به ونفهمه وقد فعل العقاد هذا مستعينًا بالمنطق والتفكير لكي يزيل بعض الغموض عن أحداث كثيرة في حياته.
عيوبه: الكتاب ممل في كثير من أجزائه، والعقاد يميل إلى الإطالة المفرطة في جوانب كثيرة، ولربما يمكن أن يختصر الكتاب إلى الثلثين أو حتى النصف وهذا العيب الأهم والأقوى، أما العيب الآخر فهو صعوبة بعض الألفاظ والمعاني والتركيبات سواء في الشعر أو في حديث العقاد.
ابن الرومي حياته من شعره .. عباس محمود العقاد .. مصر ..
هي ترجمة لحياة الشاعر ابن الرومي البغدادي وليس الصوفي جلال الدين الرومي .. أبدع فيها العقاد .. مبحث مهم ورائع لشاعر عباسي .. ضاعت قصة حياته ولم يتبقى منه إلا النزر اليسير .. لكن شعره تحدث عن حياته وأظنه بشكل مستفيض .. كمن يكتب يومياته لكنها في هيئة بليغة لا تصعب على من يحاكي الادب والبلاغة ودهاليزها .. وإليكم نثراً من مقتطفات حياته صغتها من كتاب العقاد. .. عاصر ابن الرومي الشاعر ثمانية خلفاء عباسيين .. بداية من المتوكل وحتى المعتضد .. وهي الفترة التي شهدت الكثير من الفتن .. وهؤلاء الخلفاء الذين عاصرهم الشاعر ما بين قتيل ومخلوع .. فترة فوضى وترف ومجون .. وفي الوقت ذاته هو عصر ثقافة وعلم .. الشاعر رومي الأصل من اليونان وأمه فارسية .. لذا لقب بابن الرومي .. وهو مولى ابن مولى .. ولد في القرن الثالث الهجري .. شيعي وهو كذلك معتزلاً قدرياً .. لم يكن ابن الرومي معروفاً في عصره .. وقد ازداد الناس معرفة به بعد موته .. أما ابن الرومي كرجل .. فقد ذهبت أخباره كلها ولم يتبقى منها إلا متفرقات لا تغني .. اشتهر بالطيرة أي التشاؤم .. وقد توفي مسموماً .. كتب عن نفسه وحياته في شعره .. فقد كتب عن بخله وحرصه وجبنه .. وشيخوخته ولحظات مجونه .. مات أولاده الثلاثة قبله .. وماتت زوجته كذلك بعد أولاده .. ولم يتزوج ثانية إلا في أواخر عمره .. ورزق منها بولد .. ومن القصائد يتضح أنه مات بلا زوج أو ولد .. كان له في علم الفلسفة والأنساب وفي البلاغة والدين .. لكنه كان يعد نفسه من بني الشعراء بالرغم من غزارة علمه وإطلاعه على الكتب .. سقم جسمه بسبب إسرافه في المأكل والمشرب .. وقد ذكر قصائداً في أنواع الطعام المختلفة وهو في عصر اشتهر بالترف وحب الموائد لذا لا عجب أنه أنشد في صنوف الطعام .. وكان يعاني من الخوف والوساوس .. وعبد الحياة .. وقد برع في التصوير والتشخيص .. كالرسام الذي لا يغفل عن أي خط ورسمه بدقة متناهية .. تناقضه البيّن أفاده في أدبه .. وقد كتب أبياتاً في السخرية سواء من نفسه أو في غيره .. وهو من شعراء الهجاء .. وقد أكثر فيه .. وكان الهجاء سبباً في موته ..
………………
ودمتم بحفظ الرحمن ..
وعلمنا أن أبي البشر المرئدي غلط مرة فوعده أن يوافيه أيام السبت بالهدية منه بعد الهدية. فوقع المسكين في شباكه، فما كانت تنقضي فترة إلا على تذكيره له ومناوشة، وجعل ابن الرومي هذا الوعد هجيراه ودعابته التي لا يفرغ منه. وما كان يفرغ من دعابة ولا دعابة وفيها بقية، فحيناً يقول إنه قد تهود في انتظار السمك ويسأل ابن أبي بشر :
ما لحيتاننا جفتنا وأنَّى .. أخلفَ الزائرونَ مُنظريهمْ .. قد أزحنا اعتلالهم وجَعَلنا .. سَبْتهم جمعة ً فما يُشكيهمْ .. جاء في السبت زَوْرُهم فأتينا .. من حفاظٍ عليه مايكفيهمْ وجَعَلناه يومَ عيدٍ عظيم .. فكأنا اليهودُ أو نحكيهم .. واحتملنا مقالة الناس فينا .. ولهم كلُّ ما احتملنا وفيهم .. : : قد سَبتْنا وإنما كان قومٌ .. يومَ لا يَسبتون لا يأتيهم ..
تلك خاتمة الترجمة التي استخرجناها من شعر بن الرومي، وعثرنا فيها بتفاصيل ودقائق ىلا تستخرج من شعر شاعر غيره، فكأنما انتزعناها من قبضة العدم انتزاعا، وتشبث بها كما تشبث بالحياة، ... كلمات كتبها العقاد قبل أن ينهي كتابه العظيم عن أحد الشعراء العظام وهو الشاعر الكبير بن الرومي وللعقاد أسلوبه في الحديث عن الشخصيات التي يدرسها، فهو لا يقدم سيرة روائية، بل يقدم دراسة نفسية للشخصية تتعرف من خلالها الكثير من خبايا الشخصية، نعرف أسباب المصير الختامي لها، نعرف لماذا اتخذت حياته هذا الشكل دزن غيره، ومع بن الرومي تحديدا: لماذا كان منحوسا؟ لماذا كان سيء الحظ في علاقاته مع الكبار والصغار؟ لماذا كان سيء الحظ في الرزق وفي كل جوانب الحياة تقريبا؟ لماذا اعتبروه مصدرا للنحس والشؤم في أغلب فترات حياته؟ لماذا عاملوه بطريقة أقل مما يستحق، وعاملوا غيره من الشعراء بطريقة أكثر مما يستحقون؟ كيف كانت شخصيته جزء من الإجابة عن هذه الأسئلة؟ وكيف كانت طبيعة عصره جزء من الإجابة عنها؟ كتاب عظيم عن شخص عظيم لكاتب عظيم ظلمه الناس بحصره في دائرة الإسلاميات.
لو أن «ابن الرومي» أراد أن يروي لنا تفاصيل حياته وعصره، لما أضاف شيئًا إلى ما قدمه العقاد بأسلوبه المتميز. فقد استطاع العقاد أن يرسم صورة حية لشاعر من أبرز أعلام العصر العباسي وأكثرهم تأثيرًا، مبرزًا معاناته وتحولاتها في شعره. لم يكتفِ العقاد بتتبع سيرته فحسب، بل أغنى الصورة بتحليل عصره، وهو عصر توالت فيه المصائب والمآسي على ابن الرومي.
عاش الشاعر حياة امتزجت فيها الفاقة بالغنى، والترح بالفرح، وعانى من فقد الأبناء والأخوة والأصدقاء. كما شعر بالتجاهل من أصحاب الجاه، رغم مكانته الفكرية والأدبية التي كانت تعكس عمق معرفته وعلومه. كل ذلك ترك أثرًا عميقًا في نفسه، وانعكس بوضوح في شعره الذي حمل ألمًا وضيق أمل.
تميَّز العقاد في تحليل شعره، فكشف عن إنسانيته العميقة، وعن المعاني التي أبدعها نتيجة تعبه من زمانه. كما تناول أساليبه الشعرية وفلسفته بعمق، مما جعل الكتاب مرآة واضحة لشاعر لم تتوقف عظمته عند حدود عصره، بل ظل يسمو بشعره عبر الدهر.
نسيت أننا كعرب قوم فخر خصوصا في هذيك الحقبه اللي عاشها العقاد وتذكرت أيضًا كيف أن العقاد علم نفسه بنفسه حيث لم يتلقى تعليمًا رسميًا ولم يحظى بشهادات كم حظي زملاؤه من المفكرين والأدباء في عصره وإني أشهد ان العقاد ليس بحاجه لهذا أبدًا فهو متعلم ومفكر من الدرجه العاليه. لكني بديت كلامي بهذه المقدمه لأنني وجدت الكتاب ثقيلًا محشو بمفردات ومصطلحات تحتاج إلى شرح ففيها من التباهي بالثقافه والعلم الشيء الكثير. قرأت مره أن العقاد كان يحضر الشخصيات التي يكتب عنها أمام يديك أما أنا فأحسست أنه يكلم شخصًا اخر وأن وجودي معهما لم يكن إلا محض صدفه، من غير اكتراث بي ولا ترحيب.
قرأت كتاب ابن الرومي حياته وشعره لروفن جست لم احبه ربما لأن الكاتب غربي خذلته الترجمة لكن كتاب العقاد ابن الرومي جعلني اتعاطف معه اشعر بالمه كإنسان عاش تجارب مريرة فقد احبائه احببت الكتاب وابن الرومي شاعر قدير صنعته الهجاء تفوق فيه رغم اشعاره في المدح و غيرها شيء واحد لم احبه في الشاعر انه شديد التطير ربما بسبب الأحداث التي حصلت جعلته يشعر ان النحس يلاحقه اعجبني الكتاب أسلوب العقاد رائع
كتاب جميل تحدث عن حياة ابن الرومي باسهاب وان كان بتكرار في بعض المواضع وتحدث عن صناعته وعبقريته في شعره وجمال فلسفته وابداعه في الوصف والتصوير لكأن شعره صور متحركة وعالم حي أمامك وبين يديك وقد اشتهر بالهجاء أيما شهره حتي ليُشِك أنه قُتل بسبب هجائه. وخُتم الكتاب بمقتطفات من اشعار ابن الرومي.
بدأت في الكتاب بدافع حبي للعقاد وفضولي تجاه موضوع الكتاب وهو استخلاص سيرة إنسان من خلال قراءة وتحليل شعره. والحقيقة أن العقاد أمتعني في مقدمة الكتاب وفصوله الأولى التي تدور حول منهجية البحث وكيفية الوصول لموضوع الكتاب ولكن مع التعمق في الكتاب زاد التعرض لشخصية ابن الرومي، وفي المقابل، قل الكلام المنهجي بطبيعة الحال فزاد الملل؛ لعدم فضولي تجاه شخص ابن الرومي من البداية بل فضولي كان منحصراً تجاه الفكرة وهي استخلاص سيرة إنسان من تحليل شعره والمؤلف إنسان عبقري في فهم الإنسان ونفسيات الإنسان فأردت قراءة هذا العمل.
ولا أخفي إعجابي بما شدني للكتاب فالعقاد عبقري في قراءة الإنسان فضلا عن مكانته في اللغة التي شهد له بها كبار عصره، أبدع في مواضع كثيرة من أبرزها كلامه عن تشيع ابن الرومي، التي تبرز قدرة العقاد البحثية لا اللغوية فحسب بل والتاريخية الإجتماعية الدينية، ولكني مع هذا لم أحب شخص ابن الرومي أبداً فلماذا أتابع القراءة عنه!
لم يثرني أي فضول تجاه معرفة ابن الرومي فأسرعت في القراءة في آخر الكتاب رغبة في متابعة منهج الكتاب والاستمتاع بقلم العقاد وتحليله الرائع للشخصية، ورغبة في إنهاء لقاءي بابن الرومي في ذات الوقت. الكتاب جميل لمن عنده فضول تجاه ابن الرومي، ومن لم يكن عنده ذلك الف��ول فسيكتفي بالإستمتاع بقلم العقاد الأدبي الإنساني النفساني اللغوي الباحث الصادق، كتجربة لاكتشاف سيرة شخص من تحليل شعره. ولكن من لم يكن من محبي الشعر -مثلي- فللعقاد كتب أكثر إثارة للفضول ككتبه في تحليل شخصيات الصحابة على سبيل المثال، وإن كانت الفكرة مختلفة.
وللمتعة اقرأ مقدمة الكتاب وخاتمته فهما من أمتع ما يمكن قراءته، يتحدثان عن عقل العقاد في الحقيقة، الإنسان والمعنى واللغة والصدق والثقافة والغرب وسطوة الغرب الفكرية .
لم أقرأ يوماً رسالة دكتوراة، ولكنني أعتقد أن هذا الكتاب هو بمثابة رسالة دكتوراة مع مرتبة الشرف، العقاد العبقري لم يترك شيئاً عن ابن الرومي إلا وأورده، منذ تاريخ ميلاده مروراً بصفاته الجسمانية والنفسية وترجمة حياته والأشخاص اللذين عاصرهم والأحداث التي مر بها، وكل ذلك استخلصه فقط من شعره، لم يكتف بذلك وإنما كان يتناول كل حدث بالتعليق والفحص والتمحيص، حتى أنه كان يعلق على أراء المفكرين والكتاب الأوائل امثال المعري والبحتري ويفند أراءهم أحياناً، عرفت قيمة العقاد الحقيقية من خلال قراءتي لهذا العمل الضخم رغم أنها لم تكن القراءة الأولى لكتبه وإنما كتاب ابن الرومي جعلني أضعه في منزلته المستحقة،