يمثل كتاب الشكل والدلالة لجان روسيه عملا نقديا رائدا في مجال التحليل البنيوي للأدب، حيث يطرح منهجا يرتكز على دراسة العلاقة العضوية بين الشكل الأدبي والدلالة المعنوية في النص. لا يهدف الكتاب إلى تقديم تنظيرات مجردة، بل يتبنى مقاربة تطبيقية تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن الشكل الفني ليس وعاء فارغا يحمل مضمونا جاهزا، بل هو بنية حية تنبثق منها الدلالة وتتكشف من خلالها رؤية الكاتب للعالم. ينطلق روسيه في مقدمته الموسعة من أجل قراءة الأشكال من فكرة أن العمل الفني يشكل عالما مستقلا ومنغلقا على ذاته، يفرض على القارئ تغيير منظوره عند دخوله. يستند في هذا إلى شهادات لمبدعين مثل فلوبير ومالارميه وفيرجينيا وولف، الذين أكدوا على وجود فاصل بين الذات اليومية والذات المبدعة، مشيرين إلى أن العمل الفني ينشأ من حساسية ثانية متخصصة. يؤكد روسيه أن الإبداع ليس مجرد تعبير عن تجربة سابقة، بل هو عملية اكتشاف للذات عبر الشكل ذاته، حيث يجِد الفنان وهو يصنع. وهكذا، فإن الشكل هو أداة استكشاف وتنظيم، وليس مجرد تقنية أو زخرفة. تتجلى المهمة الأساسية للناقد، في منظور روسيه، في تتبع هذه العلاقة الجدلية بين الشكل والدلالة من خلال قراءة متأنية وشاملة للنص. يجب على القارئ أن يتحول إلى مشارك في التجربة الإبداعية، يلامس النص في كليته، ويتفاعل مع بنيته الداخلية من أجل استخلاص البنى – وهي تلك الثوابت الشكلية التي تكشف عن عالم المؤلف العقلي. هذه البنى يمكن أن تتخذ أشكالا متعددة: تناظرات، تكرارات، تناوب، توزيع للأدوار، وجهات نظر سردية، أنماط موسيقية وزمانية. المهم هو اكتشاف نقاط التقاء هذه البنى الشكلية مع الدلالات التي تحملها، حيث تكمن النواة الديناميكية للعمل. لا ينغلق روسيه على منهج نقدي واحد، بل يقر بتأثير عدة رواد في مجال النقد مثل مارسيل ريمون (الذي اهتم بالحساسية الشعرية واللغة)، وجورج بولي (الذي ركز على الوعي الداخلي للمبدع)، وليو شبيتزر (الذي انطلق من الظواهر اللغوية للكشف عن المركز العاطفي للنص)، وجان بيير ريتشارد (الذي حلل العالم التخيلي للشاعر). يطمح روسيه إلى الجمع بين استكشاف الخيال وتحليل الشكل في عمل موحد. يبرِز الكتاب هذا المنهج عبر سلسلة من الدراسات التطبيقية على نصوص من الأدب الفرنسي الكلاسيكي والحديث: • في تحليله لمسرحية البوليوكت لكورناي، يكشف روسيه عن بنية الحلزون الصاعد، حيث يصور حركة الشخصيات من خلال تباعد وتقارب يؤديان إلى اتحادهم على مستوى أسمى. يظهر كيف أن الانزياحات واللقاءات الفاشلة على المسرح تعكس صراع العواطف والسمو نحو المقدس.
• في دراسة الأميرة دي كليف لافاييت، يركز على بنية التناوب بين مشاهد العالم الخارجي (حيث تخفي الشخصية مشاعرها) ولحظات العزلة (حيث تحاول كشف حقيقتها الداخلية). يظهِر هذا التناوب التناقض بين المعرفة الذاتية الغامضة والمعرفة الموضوعية للآخرين، كما يكشف دور الإطار التاريخي كخلفية تبرز من خلالها حدة المشاعر الداخلية. • في تحليله لأعمال ماريڤو، يحدد روسيه بنية السجل المزدوج التي تظهر في روائعه مثل حياة ماريان وفي مسرحياته. تتجلى هذه البنية في وجود مستوى ثنائي: مستوى الشخصيات التي تعيش تجربتها في حيرة وجهل بمشاعرها الحقيقية، ومستوى الشخصيات-المراقبين (كالثقات والخدم) الذين يفسرون ويسهلون عملية الكشف عن المشاعر. تعكس هذه البنية النظرة الماريڤوية للإنسان ككائن ينقسم إلى قلب منفعل ووعي مراقب. • يخصص روسيه فصلا لتحليل الرواية الرسالية كشكل أدبي، متتبعا تطورها من رسائل أحادية الصوت (كالرسائل البرتغالية) إلى أعمال سيمفونية متعددة الأصوات (كلرسائل الفارسية، والإلويز الجديدة، وعلاقات خطرة). يبين كيف أن هذا الشكل يسمح بالتكثيف العاطفي، والتعبير عن الذات في لحظتها الراهنة، وإدخال تعددية وجهات النظر النسبية، مع إعطاء الدور الأكبر للمؤلف كمنظم ومرتب لهذه الرسائل. أخيرا، في دراسة البحث عن الزمن المفقود لبروست، يلتقط روسيه تأكيد المؤلف نفسه على أهمية البناء، محللا كيفية تحقيق الوحدة العضوية في هذا العمل الضخم من خلال شبكة معقدة من الاستعارات والموضوعات والعلاقات الداخلية. في الختام، يقدم كتاب الشكل والدلالة لجان روسيه مرجعا أساسيا في النقد البنيوي، يبرهن كيف أن الشكل الفني ليس قالبا جاهزا، بل هو عملية اكتشاف تولد فيها الدلالة من رحم البنية. يؤكد الكتاب أن القراءة العميقة هي التي تستطيع كشف هذه الوحدة الجوهرية بين الشكل والمعنى، مما يثري تجربة القارئ ويكشف عن الأبعاد الخفية للإبداع الأدبي.
Je relis ce livre après en avoir gardé un souvenir ébloui après ma première lecture pendant mes études de lettres. Plus savante sur les œuvres et la critique (notamment grâce à des ouvrages comme celui-ci), j’ai été moins touchée du sentiment d’excitation exaltée que produisent la première fois les grandes œuvres de critique (« c’est tellement vrai ! Comment je ne l’avais pas vu ? ») mais j’apprécie toujours autant la qualité des analyses proposées. En quelques pages, Jean Rousset tire le maximum de sens des effets de structure, faits de style, etc. qu’il repère. La langue est claire, ce qui n’est pas toujours le cas chez les critiques et l’analyse est dense, originale sans être tirée par les cheveux et va tout droit à l’essentiel. De la très belle critique !