إن قوام الكتاب كله، قائم على فكرة التحليل النفسي للبطل الروائي نفسه، لا كاتبه، وبذلك يهمل لاشعور الكاتب، ويعطي الأهمية والأولوية للبطل من خلال طريقة تعامله مع النص المكتوب. وكأنما يقول؛ إن بطل الرواية هو بطل منفصل عن راويه، ومخترعه، لتتشكل لدينا شخصية ثابتة بذاتها لا كونها تابعة لأحد.
والكتاب عبارة عن نصفين، النصف الأول تحليل لحكاية بحار، والثاني تحليل لبدر الزمان.
في الشق الأول يشرع طرابيشي في تحليل رواية حكاية بحر، وينطلق في كل مرة من ثنائيات، التعملق والتقزم، العهد والمصداقية، السيرة الذاتية والرواية العائلية، الأب الفعلي والأب المؤمثل، وكأنه لا يستطيع شرح الفكرة إلا بوجود فكرة ثانية داعمة، وقد تكون مضادة، بمعنى بالضد تعرف الأشياء. ثمة ازدواجية في كلامه عميقة، يحكي لنا عن الحب الذي ينبع عن الكره، أو الكره الذي يخلق حبًا، عن تمسك بطل رواية حكاية بحار بكاترين رغم يقينه بأنها ستهلكه، عن الخوف الذي يجعل الرغبة متوقدة، وعن النفس البشرية التي تهوى، دون سبب، أو مبرر، شخصًا لا ينبغي أن تقترب منه.
يقوم طرابيشي بالولوج إلى نفوس الشخوص، فيشرح المواقف ويعقب عليها، يقتبس من النص ويعلق بما يخدم فكرته، فيكون انبثاقه من النص، ومن نفسه، لا مرجعيات في كتابه لأحد أخر، أو كتاب أخر، إلا الرواية نفسها، ونفسه. إلا أننا لا ننكر، اقتباسه من فرويد، يونغ، جون و.يري، دون أن يذكر اسم كتاب، أو أي إحالة. ثمة رجوعٌ لطيف في كل مرة إلى المخيلة العربية بعامتها، كاترين بكونها حواء، صاحبة الفتنة والسم في الآن نفسه، وكاترين عروسة البحر التي يهيم بحبها البحارة، وما إن يتمكنوا منها تقتلهم. هذا الرجوع لا يستدعي توثيق من كتب، عدا ما قيل من مصطلحات.
في الواقع، فإن التحليل في هذا الكتاب يصل إلى درجة تتماهى فيه الشخوص معًا، وتتبدل الأدوار، ويسطع نجم اللغة التي تفضح، فلكل كلمة تبعات نفسية تتكشف كلما أمعنا النظر فيها، وهذا يظهر فطنة منقطعة النظير في الربط عند طرابيشي.
إن التحليل يخلُص في نتائجه للقول بأن هناك ربط بين الحكاية الأوديبية عن الولد الذي قتل أباه وتزوج أمه في حكاية بحار. بالإضافة إلى دراسة الرمز على أنه أب، كقوله أن الحزب هو أب ضابط، البحر هو الأب الذي يغفر...الخ.
إن ما قام به طرابيشي هو محاولة جادة وناجعة لتحليل الشخصيات وفق المنهج النفسي، الذي يُرجع الأمر في كل مرة إلى عقدة جنسية، أو تأزم أبوي، وهذا التناول غير مألوف في الثقافة العربية، ولعلنا لا نستطيع نكران التحرج الذي يعتري النقّاد العرب في حديثهم عن أمر مماثل.
وفي حين يخصص الكاتب مئة وأربعين صفحة من كتابه في تحليل رواية حنا مينا، يحلل رواية مبارك ربيع بما لا يتجاول الخمس والسبعين صفحة فحسب. وقد أجاد الناقد في طرح الأسئلة الاستباقية التي تخطر على بال القارئ للعمل، وأجاب عنها وبذلك وقى نفسه من شبهات جدوى ما كتب. كأن يبدأ الحديث عن رواية بدر زمانه في وصف العمل، وشرح استفادة كاتبه من الموروث الأدبي القديم الذي جاء على شكل هذيان، أو أحلام وكوابيس، ووجود الأم المولدة التي تنتج قصة جديدة في كل مرة، والنواة هي نفسها. ثم يفرق بين أن الكاتب ورغم معرفته بما يكتب، فقد تسربت منه اللغة، فنجد لاشعور البطل موجود في الرواية. وحتى التحذير الجلّي بعد رؤيته للتشابه بين البنود التي خلُص إليها كل من فرويد ويونغ ويري وهم علماء نفس، إلى نفس الأمور التي تحيلنا إليها الرواية، تحذيره من أن ننسب للنص الروائي صفة المريض، أو أنه إنتاج ذات مريضة، بل يقول إن الكاتب، دون أن يشعر، يستطيع وبموهبة ما أن يصل إلى ما يصل إليه الأطباء الذين عكفوا على العمل والمتابعة سنين طويلة.
وفي الواقع، فإن طرابيشي في جزئية بدر الزمان، أخذ يشرح النظريات النفسية بإسهاب حتى طغى على حديثه الأدبي، وإن كان قد أجاد ولو مع مبالغة بسيطة، في الاقتباس من نص الرواية نفسها في حكاية بحار، فإننا نجد الاقتباس الأكبر في النصف الثاني من الكتاب لآراء المحللين النفسيين، على حساب الرواية وأحداثها وشخوصها، وربما لا نستطيع أن نقول؛ إن هذا مأخذ عليه وإنما اقتضت الحاجة إلى ذلك.
والجميل في الكتاب، أن القارئ يشعر بالفصول وكأنها ومضات، ومضة اللغة، عن النزاع، عن الأدوار، فما إن تصلك الفكرة، حتى تجد أن الفصل قد انتهى. فلا حشو زائد.
إن هذا الكتاب بمثابة الإثبات أن ما يفلت من الوعي هو أكثر مما يقال، أكثر من المنطوق، والمفصح عنه، وأن الروائي مهما كانت سطوته على اللغة، وعلى ما يكتب، ستنفلت منه لا شك، أفكار، وأحاديث تدل على لاوعي فردي، وجماعي، وتظهر من خلاله الأنا الأولى، القديمة، للإنسان الأول.