* * * يخطئ من يظن أن قضية "تحرير فلسطين" هي محض قضية قومية أو قضية استرداد أرض عربية مسلوبة من عدو غاصب، وكل من يساهم في ترسيخ مفهوم هذه القضية على هذا النحو في عقول الناس؛ من الكتاب والمفكرين والساسة يضلل الناس ويبعدهم عن موطن دائهم وجرحهم الأليم، ويسهم في خداعهم واستدراجهم، ويؤخر فواق الأمة من دائرة الذل التي أحاطت بها وارتضتها سمتًا لحياة لا قيمة لها، فقضية فلسطين هي قضية الإسلام، هي قضية العقيدة في مواجهة كل محاولات التغريب ومحو دين الإسلام من قلوب الأمة، التي تكالبت عليها قوى الكفر والإلحاد وسلطوا عليهم عدوًا ضعيفًا هشًا في داخله، لكنه مع ضعف المسلمين وابتعادهم عن دينهم موطن عزتهم وقوتهم تسلَّطَ عليهم وعلى أجلّ ما يمتلكون من مقدسات دينية، وزرع فيهم ومنهم أولياء له ليزيدوا في إبعاد الأمة عن واقعها المرير، وعن علاج مرض ذلهم وخنوعهم، ألا وهو الاستمساك بعقيدتهم الصافية والاعتصام بشرع الله، يقول الأستاذ "سيد قطب" في ظلاله: "....... إنما هم يستطيلون على الناس في فلسطين مثلًا لأن الناس لم يعد لهم دين! ولم يعودوا مسلمين!.. إنهم يتفرقون ويتجمعون تحت رايات قومية جنسية؛ ولا يتجمعون تحت راية العقيدة الإسلامية! وهم من ثم يخيبون ويفشلون؛ وتأكلهم إسرائيل! غير أن هذه حال لن تدوم! إنها فترة الغيبوبة عن السلاح الوحيد، والمنهج الوحيد، والراية الوحيدة، التي غلبوا بها ألف عام، والتي بها يَغلبون، وبغيرها يُغلبون! إنها فترة الغيبوبة بحكم السموم التي بثتها اليهودية والصليبية في كيان الأمة «الإسلامية»! والتي تحرسها بالأوضاع التي تقيمها في هذه الأرض «الإسلامية».. ولكن هذا كله لن يدوم.. ستجيء الصحوة من هذه الغيبوبة.. وسيفيء أخلاف المسلمين إلى سلاح أسلافهم المسلمين.. ومن يدري فقد تصحو البشرية كلها يومًا على طغيان اليهود! لتحقق وعيد الله لهم، وتردهم إلى الذلة التي كتبها الله عليهم.. فإن لم تصح البشرية فسيصحو أخلاف المسلمين.. هذا عندنا يقين" . وهذا الكتاب: "أهداف إسرائيل التوسعية في البلاد العربية" رغم صغر حجمه وقلة أوراقه يعد من الأهمية بمكان، وهو في أصله عبارة عن بحث تقدم به اللواء "محمود شيت خطاب" إلى مجمع البحوث الإسلامية في دورته الخامسة التي عقدت في القاهرة خلال شهر ذي الحجة 1389هـ الموافق شهر فبراير سنة 1970م، وناقش فيه الكاتب الموضوع الأبرز على الساحة وقتذاك، وهو أطماع إسرائيل الاستعمارية في صراعها مع العرب، وكانت البلدان العربية ساعتها قد خرجت من حرب خاسرة مع الكيان الصهيوني بخسارة أجزاء مهمة من الوطن العربي، كسيناء وهضبة الجولان السورية ومعظم أراضي فلسطين حتى منطقة الأردن، بعد هزيمتها المدوية في نكسة عام 1967م، وقد كان الحس الشعبي وقتها متأججًا للغاية ومتحفزًا للمواجهة مع "إسرائيل" ردًا على مواجهة العدوان بالعدوان، من منطلق قومي وعربي، فجاء الكتاب لبيان أن دوافع المطامع الصهيونية التوسعية هي دوافع عقيدية في المقام الأول لابد أن تواجه بعقيدة مضادة وعودة إلى دين الإسلام والاعتصام به، ووضح الكاتب بشأن هذا الأمر أن إسرائيل لا تطمع في فلسطين وحدها دون سائر البلدان العربية، بل إنها منذ نشأتها وإعلان قيامها في 1948م ترى أن حدود دولتها لابد أن تشمل - كما في توراتهم - كل ما بين النيل والفرات، وقد قسم الكاتب كتابه في جزئين رئيسيين، الجزء الأول: ناقش فيه دوافع المطامع الصهيونية التوسعية، وهي دوافع عقدية واقتصادية وعسكرية وسياسية، وذكر فيه أطماع إسرائيل في الدول العربية من دول الجوار بالتفصيل من أجل إنشاء إمبراطوريتها الصهيونية، أما الجزء الثاني: فهو خاتمة البحث وذكر فيه الحل الوحيد لحل مشكلة فلسطين ألا وهو "الجهاد"، وكيفية إخراج فريضة الجهاد من نطاق الفتاوى إلى نطاق التدريب العملي، ومن عجبٍ أن الكاتب في وقته ذاك، وبرؤيته العسكرية الثاقبة، يوقن أن الحل الوحيد لإزاحة الكيان الصهيوني من المنطقة لن يتحقق إلا بالقوة والجهاد، والجهاد وحده، وأن الحل العسكري هو الخيار الوحيد المتاح للعرب في ظل التسلط الذي يمارسه الصهاينة ليل نهار على أمة الإسلام، بينما نرى في عهدنا هذا من يلتزمون مقاعد الأمم المتحدة وأرائك المؤتمرات الدولية، ويتمسكون بخيار السلام خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه للحفاظ على ما تبقى من فتات أرض فلسطين، فما الذي تغير من عهد الكاتب منذ قرابة أربعين عامًا لكي نجد في وقتنا الحالي أن مجرد ذكر كلمة "جهاد" أو "عمل جهادي" هو من قبيل الخطايا التي تحاسب عليها الأنظمة الحاكمة، وتتوعد صاحبها ومتبنيها بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! وقد ألحق الكاتب بنهاية دراسته صورًا من جرائم الصهاينة العديدة في حروبها، وختم دراسته بفهرس للمراجع العربية والأجنبية التي اعتمد عليها، وزاد بالفهارس إلى جانب فهرس المحتويات فهرسًا بالأعلام وآخر بالأماكن التي تم ذكرها بالكتاب، والجدير بالذكر أن الكتاب حال طبعه نفدت طبعاته واضطر الكاتب في أقل من شهر لإصدار طبعة ثانية منه، إلى جانب تلك الطبعة الثالثة التي صدرت خلال نفس عام الطبعتين الأوليين. والكاتب هو اللواء ركن محمود شت خطاب، قائد عسكري محنك وكاتب بارع، جمع بين يراع القلم والسيف، ولد في الموصل بالعراق سنة 1919م، تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في المدارس النظامية، وواظب على حضور حلقات العلم في المساجد، والتحق بالكلية العسكرية سنة 1937م وتخرج فيها ضابطًا، ثم أكمل دراسته العليا في الكلية العسكرية في بريطانيا، شارك في حرب 1948 بفلسطين ضمن القوات العراقية، وكان له دور بارز مع فرقته في المعارك في قرية جنين مع اليهود، اعتقل في عهد "عبد الكريم قاسم" لمدة عام ونصف، وفي عهد حكومة "عبدالسلام عارف" تولى عدة وزارات، لكنه ما لبث أن استقال وآثر التفرغ لكتاباته العسكرية والإسلامية القيمة، وكان اللواء محمود شيت خطاب غزيز الانتاج في مجال تراجم قادة الإسلام، وفي التاريخ العسكري والسياسي إلى جانب بحوثه الاستراتيجية الهامة نظرًا لخبرته في مجال القتال وفنون الحرب، وبلغ مجموع مؤلفاته ما يزيد عن مائ...
محمود شيت خطاب (1919 – 23 شعبان 1419 هـ 1998 م) ولد بمدينة الموصل شمالي العراق، ونشأ نشأة إسلامية ملتزمة. وهو رجل عسكري، درس العسكرية في العراق وبريطانيا، وشارك في حرب عام 1948م، وتقلّد مناصب وزارية عدة، وشارك في عضوية لجان عربية وإسلامية عديدة، وله العديد من المؤلفات العسكرية واللغوية والفكرية.
عرض كتاب: أهداف إسرائيل التوسعية في البلاد العربية إعداد: محمود ثروت أبوالفضل
- اسم الكتاب: أهداف إسرائيل التوسعية في البلاد العربية - المؤلف: اللواء ركن. محمود شيت خطاب. - دار النشر: دار الاعتصام. - سنة النشر: الطبعة الثالثة- 1970م. - صفحات الكتاب: 138.
* * * يخطئ من يظن أن قضية "تحرير فلسطين" هي محض قضية قومية أو قضية استرداد أرض عربية مسلوبة من عدو غاصب، وكل من يساهم في ترسيخ مفهوم هذه القضية على هذا النحو في عقول الناس؛ من الكتاب والمفكرين والساسة يضلل الناس ويبعدهم عن موطن دائهم وجرحهم الأليم، ويسهم في خداعهم واستدراجهم، ويؤخر فواق الأمة من دائرة الذل التي أحاطت بها وارتضتها سمتًا لحياة لا قيمة لها، فقضية فلسطين هي قضية الإسلام، هي قضية العقيدة في مواجهة كل محاولات التغريب ومحو دين الإسلام من قلوب الأمة، التي تكالبت عليها قوى الكفر والإلحاد وسلطوا عليهم عدوًا ضعيفًا هشًا في داخله، لكنه مع ضعف المسلمين وابتعادهم عن دينهم موطن عزتهم وقوتهم تسلَّطَ عليهم وعلى أجلّ ما يمتلكون من مقدسات دينية، وزرع فيهم ومنهم أولياء له ليزيدوا في إبعاد الأمة عن واقعها المرير، وعن علاج مرض ذلهم وخنوعهم، ألا وهو الاستمساك بعقيدتهم الصافية والاعتصام بشرع الله، يقول الأستاذ "سيد قطب" في ظلاله: "....... إنما هم يستطيلون على الناس في فلسطين مثلًا لأن الناس لم يعد لهم دين! ولم يعودوا مسلمين!.. إنهم يتفرقون ويتجمعون تحت رايات قومية جنسية؛ ولا يتجمعون تحت راية العقيدة الإسلامية! وهم من ثم يخيبون ويفشلون؛ وتأكلهم إسرائيل! غير أن هذه حال لن تدوم! إنها فترة الغيبوبة عن السلاح الوحيد، والمنهج الوحيد، والراية الوحيدة، التي غلبوا بها ألف عام، والتي بها يَغلبون، وبغيرها يُغلبون! إنها فترة الغيبوبة بحكم السموم التي بثتها اليهودية والصليبية في كيان الأمة «الإسلامية»! والتي تحرسها بالأوضاع التي تقيمها في هذه الأرض «الإسلامية».. ولكن هذا كله لن يدوم.. ستجيء الصحوة من هذه الغيبوبة.. وسيفيء أخلاف المسلمين إلى سلاح أسلافهم المسلمين.. ومن يدري فقد تصحو البشرية كلها يومًا على طغيان اليهود! لتحقق وعيد الله لهم، وتردهم إلى الذلة التي كتبها الله عليهم.. فإن لم تصح البشرية فسيصحو أخلاف المسلمين.. هذا عندنا يقين"