يبحث عن المناهج البحثية الإسلامية، من الداخل والخارج، أي التي نبتت في البيئة الإسلامية، وكذلك التي جاءت بها الثقافات الأخرى ولم تمر مروراً عابراً منقولاً فحسب بل تعرضت لكثير من التطوير والتجديد والكتاب مهم ومفيد ومشهور.
نبذة موقع النيل والفرات: كانت الفكرة السائدة لدى الباحثين، شرقيين وأوروبيين، أن المنطق الأرسططاليسي قوبل في العالم الإسلام، حين ترجم وتوالت تراجمه، أحسن مقابلة. لذا نشأت تلك الفكرة القائلة: إن المنطق الأرسططاليسي أميز مثال "للفتنة اليونانية" التي افتتن بها المسلمون، والتي سيطرت على عقولهم حتى العصور القريبة. وبهذا حل الباحثون مشكلة المنهج في العالم الإسلامي. بأن هذا المنهج كان أرسططاليسياً، إن في كلياته وإن في تفصيلاته، إلا أن تياراً آخر رأى أن المنهج الإسلامي الحق ينبغي تلمسه في علمين أصيلين هما: علم أصول الفقه، وعلم الكلام. وقد أخذ الباحث النشار بهذا الاتجاه.
ومن أجل التأكيد على هذه الرؤية كان كتابه هذا الذي حاول من خلاله تقديم نموذج الفكر الإسلامي الأعلى، النموذج الوحيد المعبر عن روح الحضارة الإسلامية، والمنبعث في تدفق سيال من روح القرآن وسنة محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الدراسة العلمية النزيهة التي قدمها النشار للباحثين كافة في هذا الكتاب تثبت بصورة قاطعة أن المسلمين لم يقبلوا، أبداً، بالمنطق الأرسططاليسي القياسي بل هم هاجموه ونقدوه أشد الهجوم وأعنف النقد، ثم وضعوا منطقاً جديداً أو منهجاً جديداً، هو المنطق أو المنهج الاستقرائي. وكل منهج من هذه المناهج يعبر عن روح حضارة خاصة، ذات ملامح تختلف أشد الاختلاف عن الأخرى.
وقد حاول النشار في دراسته هذه الكشف نتاج العبقرية الإسلامية في التوصل إلى المنهج لا في كتب "فلاسفة الإسلام"، بل في كتب الفقهاء والأصوليين والمتكلمين وغيرهم من المفكرين المسلمين. لذا جاء بحثه هذا بمثابة تاريخ تلك الحركة الفكرية التي سادت العالم الإسلامي، والتي أدت إلى الكشف عن هذا المنهج.
علي سامي النشار. * ولد في ( 19 يناير عام 1917م) بمدينة القاهرة ثم انتقلت الأسرة إلى موطنها بدمياط. * حصل على الشهادة الابتدائية بمدرسة دمياط الابتدائية. * حصل على شهادة الثانوية العامة ) البكالوريا ( من مدرسة القبة الثانوية في ( يونية 1935م ). * صدرت أول مؤلفاته عام ( 1935م ) كتاب «’الألحان الصامتة » وهو مجموعة قصصية، وقد نفدت في خلال عام، وكان قد طبع منها 1000 نسخة. * التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة في عام ( 1935م ). * اشترك في مظاهرات الطلبة عام ( 1936م )، وتعاون في نقل زميله الشهيد (عبد الحكيم الجراحي ) إلى مستشفى قصر العيني، وقد ذكر ذلك زعيم حزب العمل الأستاذ إبراهيم شكري في تصريح له بجريدة الأخبار عام ( 1976م )، وقد كان سيادته وزيرًا للزراعة آنذاك. * تتلمذ في كلية الآداب على كبار أساتذة الفلسفة والمستشرقين من أمثال ( لالاند وكورايه ) ولكن أحبهم إلى نفسه والذي توطدت الصلة به كان المرحوم الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي كتب في تصديره لكتاب « صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام »: «’علي سامي النشار تلميذي وصديقي وأقرب الناس إليَّ ». * تخرج في كلية الآداب قسم الفلسفة عام ( 1939م ) وكان أول دفعته. * حصل على درجة الماجستير عام ( 1942م ) تحت إشراف الشيخ مصطفى عبد الرازق وكان موضوع رسالتـه: «’مناهج البحث عند مفكري الإسلام ونقد المسلمين للمنطق الأرسططاليسي »، وقد نبه هذا الكتاب الباحثين مستشرقين وعربًا إلى وجود منظور إسلامي مستقل عن منطق أرسطو وذلك في علم أصول الفقه. وبالرغم مما كتب في هذا الموضوع من بعده واستفادة الباحثين العرب من رسالته، فإن الكتاب بعد أكثر من أربعين عامًا لم يستنفد أغراضه. * عُـيِّـن مدرسًا مساعدًا بكلية الآداب جامعة الإسكندرية عام ( 1943م ). * أوفدته الجامعة في بعثة علمية إلى جامعة « كمبردج » عام ( 1948م ) حيث حصل بعد ثلاث سنوات على درجة الدكتوراه في الفلسفة تحت إشراف المستشرق البريطاني « أربري » وكان موضوع رسالته: « أبو الحسن الششتري: المتصوف الأندلسي »، وقد نشر ديوان شعره. * عُـيِّـن بعد عودته من البعثة مديرًا لمعهد الدراسات الإسلامية في مدريد عام ( 1952م ) حيث عمل على إحياء التراث الأندلسي وأصدر مجلة للمعهد. * عُـيِّـن مستشارًا لمجلس قيادة الثورة عام ( 1953م ). * عاد إلى كلية الآداب بجامعة الإسكندرية عام ( 1954م ) حيث عكف على التدريس والتأليف وأصدر أهم كتبه « نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام » الذي حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام ( 1962م )، وقد صدرت منه ( 8 ) طبعات آخرها في سبتمبر ( 1980م ). * انتدب أستاذًا بكليـة الآداب والعلوم بجامعة العراق في الفترة من ( 1955م ) إلى ( 1959م )، ويعد معظم أساتذة الفلسفة الحاليين بجامعات العراق من تلاميذه، وظلوا على علاقة وطيدة به حتى وفاته. * عاد إلى جامعة الإسكندرية عام ( 1959م ) حيث أشرف على عدد كبير من الرسائل ، ويعد كثير من أساتذة الفلسفة الإسلامية بالجامعات المصرية والعربية من تلاميذه. * حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام ( 1964م ). * أعير للتدريس بجامعة أم درمان الإسلامية بالسودان في العام الجامعي ) 1966 1967م ( ثم عاد بعدها إلى مقر عمله الرئيسي بكلية الآداب جامعة الإسكندرية حتى عام ( 1971م ). * قضى في أستراليا الفترة بين عامي ( 1971م، 1973م ) مستشارًا ثقافيًّا. * عُـيِّـن أستاذًا للفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة محمد الخامس بالمغرب عام ( 1973م ) وظل يعمل بها حتى وفاته في أول سبتمبر ( 1980م )، وقد لقي تقديرًا من الأوساط العلمية والرسمية بالمغرب، ونوهت الصحف والمجلات المغربية بمكانته عقب وفاته.0 المصدر http://old.dar-alsalam.com/ar/Persons...
نقد المسلمين للمنطق في كتاب مناهج البحث عند مفكري الإسلام --- المنهج هو طريق البحث عن الحقيقة في أي علم من العلوم أو في أي نطاق من نطاقات المعرفة الإنسانية... و لكون ما يميز حضارة عن أخرى هو مناهجها كما يخبرنا علي سامي النشار فلذلك كان مشغولا به... و كان مشروع حياته تسليط الضوء على المنهج المعبر عن روح الحضارة الإسلامية و حقيقتها و المستمد من كتابها و لغتها و الذي تجلى في أصول الفقه و أصول الدين (أي علم الكلام)... و كان بذلك من أوائل من سبح عكس التيار الذي كان ظاهرا بقوة في بدايات القرن العشرين بتأثر من دراسات المستشرقين الذين لم يروا في الحضارة الإسلامية إلا صدى للمنطق اليوناني تدور في فلكه... و لأجل هدفه هذا فلم تشمل دراسته للمنهج الإسلامي من يسمون بفلاسفة المسلمين كابن رشد و ابن سينا، لأنه لم يعتبرهم أكثر من مقلدين لليونان... و لم يبدعوا منهجا جديدا...ه يخبرنا النشار أن المسلمين قد عرفوا المنطق اليوناني منذ القرن الهجري الأول في العهد الأموي، و منذ البداية كان هناك رفض له... لكن رفضه لم يكن رفضا للتفكير كما يـُدلـَّس بالجملة عادة، فدلالة الكلمة في تلك الفترة لم تكن تعني التفكير أو بديهيات العقل البشري، و إنما المراد منهج معين قائم على شكل معين... و المنطق اليوناني مباحث متعددة، بعضها له علاقة بالشكل و طريقة القياس، أو طريقة التعريف أو الألفاظ، و منها ما يدخل في الغيبيات...ه و قد اختلفت أسباب الرفض بين مفكري المسلمين لاختلاف المناهج بينهم، كما اختلفت أيضا أساليب نقده، فبعضها اتخذ شكلا هدميا استعانوا ببعض جوانبه ممن سبقهم من نقاد المنطق اليونان من رواقيين و سفسطائيين، و بعضها كان نقدا إنشائيا، و هو قيام المنهج التجريبي أو الاستقرائي الذي استمدوه من روح الإسلام...ه و أذكر هنا باختصار مخل بعض أسباب الرفض و أنواعه: ه 1 الرفض بسبب اللغة و أهم ممثل لهذا الاتجاه الإمام الشافعي، فالمنطق اليوناني يقوم على خصائص اللغة اليونانية و حين طبق على الأبحاث الإسلامية التي لغتها العربية ظهرت التناقضات... و كما نعلم فإن الإمام الشافعي مؤسس علم أصول الفقه، الذي هو بالنسبة للفقه كما المنطق للفلسفة... و هو مستمد من بنية اللغة العربية و من أساليب الحجاج و البلاغة العربية في الكتاب و السنة... و يعتبر الإمام الشافعي للمنهج الإسلامي مثل أرسطو لمنهج اليونان، فهو أول من قعّد هذه القواعد بكتاب... و في هذا المبحث كان شرح النشار رائعا في تقسيماته لطرق الاستنباط و القياس الأصولي و العلل...ه
2 الرفض بسبب الغيبيات في المنطق اليوناني كالأفلاك و الماهيات الخ، فهي مخالفة للعقيدة الإسلامية، و لأن كثيرا من أصول المنطق الآرسطي مبنية على الميتافيزيقا فيه، فقد رفضوه جملة... و أكثر من ذهب لهذا علماء الكلام على اختلاف فرقهم من أشاعرة و معتزلة... ه
3 ما تقدم كان كله في المتقدمين من مفكري الإسلام، إلى أن أتى الإمام الغزالي، و الذي كان أول من أدخل مباحث المنطق الأرسطي في أصول الفقه، و ذلك بعد أن حرره من مباحث الميتافيزيقيا التي كان المسلمون الأوائل قد انتقدوه لأجلها و رفضوه... و خطوته هذه قد أيدها بعض ممن جاء بعده فبنوا عليها مؤلفات كثر، و صارت بعض مباحث المنطق جزءا من كتب أصول الفقه... و أنكرها بعض آخر... أما النشار فقد اعتبر هذه الخطوة قد شوشت على منطق إسلامي كان مبتدأ به... حتى و إن كان الغزالي غيّر رأيه بعد ذلك كما يخبرنا النشار، منتقلا للمذهب الذوقي الصوفي...ه
4 نقد السهروردي _صاحب الفلسفة الإشراقية_ ارتكز على تلخيص كثير من مباحث المنطق مما جعلها تخرج من شكلها اليوناني... و هذا أعقد فصل وجدته في الكتاب... لأنه اختزله بشكل كبير، و لأنه يحتاج لتصور أبواب المنطق مرتبة، لمعرفة الفرق الذي أحدثه السهروردي...ه
5 المتصوفة أيضا رفضوه لرفضهم العقل كأداة، و لكن النشار لم يذكر الأمر باستفاضة، لأنهم غير داخلين في البحث، فهم لم ينقدوا المنطق من وجهة منطقية نظرية، و إنما لأنه يخالف في جوهره طريقهم المعرفي من الكشف أو الذوق، و هي طريق يخالفهم بها مفكرو الإسلام من أصوليين و متكلمين، لأنها ذاتية و لا تصلح لتكون منهجا و قاعدة للحياة...ه
6 أما أهم مباحث الكتاب و أكبرها، فهو نقد ابن تيمية للمنطق، و ذلك لأنه نقده نقدا علميا محكما في مباحثه كلها، متبعا أساليب مختلفة هدمية و إنشائية، و أكثر إبداعه فيما يتعلق بواقعية القضية الجزئية، حيث اعتبرها سابقة على الكلية التي لا وجود لها خارج الذهن... و هكذا فلم يعد زيد فان لأن كل إنسان فان كما في المنطق الأرسطي، بل كل إنسان فان لأن زيدا و عمرا و أسلافهم قد كانوا فنوا فاستنتجنا كلية كل إنسان فان، بمعنى أنه اعتبر الجزئية هي ما يتوصل به إلى الكلية، و ليس العكس... و قد سبق و تحدثت عن المسألة باستفاضة حين حديثي عن كتاب تشيلفان ما الذي يربط دمشق بباريس... و لكن نقد ابن تيمية لم يستثمره من أتى بعده كما ينبغي، كما يخبرنا المؤلف... و حقيقة أن النشار أبدع في هذا المبحث، و شرحه شرحا وافيا... ه
7 رفض علماء الطبيعة و الكيمياء، لأنهم اهتموا بالمنهج التجريبي الاستقرائي متجاوزين بذلك كلا من الهنود الذين اهتموا بالعلوم الجزئية من دون أن يكون لهم نظرية في العلم، و اليونان الذين كان لهم نظرية في العلم مع قلة العلوم الجزئية. و كانت النتيجة النهائية للكتاب كما ذكرها المؤلف، أن: "المنهج الاستقرائي هو المعبر عن روح الإسلام _والإسلام في آخر تحليل_ هو تناسق بين النظر و العمل. يقيم نظرة فلسفية في الوجود، و لكنه يرسم أيضا طريقا للحياة العملية. فالعلة الحقيقية لنقد المسلمين للمنطق الأرسططاليسي: أن هذا المنطق يقوم على المنهج القياسي لأن هذا المنهج هو روح الحضارة اليونانية القائمة على النظر الفلسفي والفكري. ولم تترك الحضارة اليونانية للتجربة مكانا في هذا المنهج، و هي أحدى ركائز الإسلام الكبرى." ص289 كما يذكر أن هناك مناهج أخرى لدى علماء المسلمين، لم يعالجها مثل المنهج الاستردادي عند علماء مصطلح الحديث، و المنهج الجدلي في كتب المناظرات و الجدل... و إنما فقط اهتم ببحثه هذا بالمنهج الاستقرائي و المنهج القياسي "الفلسفي"... ه
و يمكن ملاحظة أمرين في نقودهم للمنطق، أنه جاء بعد دراسة له بدقة، و يظهر لدينا هنا اعتناء النشار في التقصي عن الكتب في المنطق اليوناني التي من الممكن أن يكون قرأها العالم هذا أو ذاك من خلال نوعية نقده، و ما كان ترجم لتوه في عصره...ه و الأمر الثاني أنهم قدموا مذاهب منطقية بديلة عن ما رفضوه، قد وجدوها أفضل... مناهج مبنية على أسس علمية تثري المعرفة الإنسانية... و ليس رفضا انعزاليا سلبيا...ه
الكتاب عظيم جدا و هو نادر المثيل و كان ليباع بوزنه ذهبا لو كان في زمن تثمين الكتب بعدل وزنها ذهبا... تشعر أن الأفكار واضحة في ذهن مؤلفه وضوحا انعكس على أسلوبه الواضح، و تقسيماته المرتبة ترتيبا ممتازا، و لغته السلسة، إلا أنها مختزلة و مكثفة و دقيقة، و لذلك فإن الكتاب يحتاج من قارئه معرفة ببعض الاصطلاحات الأصولية و المنطقية للخروج منه بالفائدة الكاملة... و شخصيا أشعر بامتنان كبير للكتب التي تكون مرتبة باقتدار و ذات منهج منضبط لأنها ترتب الكثير من الأفكار في الرأس... و أحسب الكتاب سيشكل منعطفا لدى كل من يقرأه في فهم التراث، لأن المنهج يجعل الأمور أوضح من رؤية التفصيلات بشكل منعزل و مبعثر...ه و يلاحظ أن المؤلف مهووس بإثبات الأصالة، كما كنت ذكرت عنه مرة في كتابه (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام)، و إلحاحه في بعض المواضع يبدو غريبا... لكن يمكن تفهم أن ذلك بسبب الجو الذي كان حينها سائدا، و كونه من أوائل السابحين عكس التيار الدائر في فلك الخطاب الاستشراقي، و كون بعض أساتذته من المستشرقين أيضا... و لذلك اعتبر رائدا لمدرسة الأصالة الفلسفية الإسلامية... و كانت بدايات هذا الاتجاه من أستاذه مصطفى عبد الرازق لكن النشار استطاع تطويره و صنع نظرية متماسكة لاطلاعه على الفلسفة الغربية بلغتها و اتصاله بالمنطق اليوناني.ه الكتاب رسالته للماجستير في بدايات أربعينيات القرن الماضي، و كان ما زال في عشرينياته، و هو من حقبة الأصالة و الإبداع كما يسميها رضوان السيد التي كانت مزدهرة في مصر و الشام... و قد توفي رحمه الله عام 1980 في المغرب. ه قد كان كتابه بداية لمشروع مهم... و لا أدري كم استثمر من بعده، و كيف استقبل، و هل جرى نقاش حوله أم لا... و لكن من الممكن تخمين أنه لم ينل حظه كما ينبغي، و لا أدري سبب قلة شهرته مقارنة بغيره، هل لتخصصيته، أو لقلة الدعاية له بسبب حقبة القطيعة مع التراث و التأويل المؤدلج التي أتت فيما بعد و روج لها بكثرة، فأعتمت على مثل هذه المشاريع العظيمة حتى كادت أن تتوارى و عرقلت التطور بهذا الاتجاه... أو أني آخر من يعلم كالعادة... أو شو السبب... لا أدري... حتى أني لم أعثر في النت على صورة له سوى هذه و هي نفسها الموضوعة في الكتاب من أيام شبابه الأولي... رحمه الله و أحسن إليه...ه
كتاب جدير بالقراءة لكل مهتم بالتراث، و بإعادة القراءة لمن قرأه... ه
(( ما جهل الناس واختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم الى لسان ارسططاليس)) للامام الشافعي رحمه الله
تساؤلات !! هل ثمة قانون يلزم العقل الانساني بالتقيد به والسير على منهجه عبر تعاقب الازمنة والامكنة والاجيال وختلاف السنتها؟ وان كان العقل الانساني متعاقب ومتتالي في مساره وان كان اتفق على اسس وركيزة ما بين امتين في كافة العلوم والمعارف فهل تتوافق الاحكام العقلية المنطقية والمنهجية في تيننك الامتين؟ ام ان لكل امة منهاجاً وشرعة ولغة خاصة بها نابعة من روحها وان كانت اطلعت واخذت من الفكر والمنطق السابق؟ وكيف ي��بلور منهج امة ما وما عوامله وهل شرط ان يكون له هوية وطابع متأصل ونابع بشكل خالص من مفكري تلك الامة ام لا ضير ان تأثر بمنهج اخر وبلوره؟ ما الاسس التي نقف عليها لنعرف ماهية ذلك المنهاج وكيف نميز النهج الذي سلكه مفكر ما؟ تساؤلات لطالما تراودني وترهقني اكثر حينما اتيه واضل نهج كاتب ما فهل لجهلي بالمناهج السبب ام لأني لم اجرب نهجاً اسلكه؟ لست أدري؟ **************
مناهج البحث عند مفكري الاسلام
بحدثنا النشار عن مفكري الاسلام وتاريخ منهجهم وتأثرهم ونقدهم لمنطق اليونان ومناهجهم وان وصول فلسفة اليونان للعالم الاسلامي كانت في عهد بني أمية وليس في عهد المأمون بالتحديد وقد عرفوها بالقرن الاول الهجري وهاجم النشار ابن المقفع وسماه بروزبه وذلك لبغضه للاسلام وتقديمه لكتاب مزدك وكتابته باب برزويه ليثبت فيه تناقض الديانات ولترجمته ونقله لمختصرات من فلسفة اليونان وان خلفاء روزبه كثيرون بعصرنا وان الفكر الاسلامي بقي اسلامياً بجوهره واصوله الى نهاية القرن الخامس الهجري ولم يقبل معظم مفكرين الاسلام على اختلاف نزعاتهم المنطق الارسططاليسي الا حينمامزج الغزالي المنطق الارسططاليسي بعلوم المسلمين واتخاذه منهجاً للبحث العلمي وقد تم نقد ومهاجمة الغزالي بوقتها ويكون بذلك نهاية العقل الذهبي للعقل الاسلامي وان المسلمين في بحوثهم وشروحاتهم لم يقتصروا على الاخذ بل درسوا دراسة واعية ناقدة واضافوا وعمقوا وادلوا بدلوهم وتوزع المسلمين بين منهج نهج طريق اليونان وبخاصة منهج ارسطو ومنهج نهج منهج المواءمة بين الفكر الاسلامي وجذور البيئات المتختلفة التي انتقلوا اليها كبلاد الهند والسند وفارس ويرى النشار ان المنهج الاسلامي الحق ينبغي تلمسه في علمين اصيلين هما علوم اصول الفقه وعلم الكلام ودراسة الفكر الاسلامي في اطار المنهج العام لاصحاب الاصول ولعلماء الكلام ولا يرد منطق الشراح المسلمين الى مصدر واحد اي لارسططاليس بل دخلت عناصر مختلفة كالمشائية والرواقية والافلاطونية محدثة واضيف لذلك تأثير الدراسات اللغوية العربية ولا تستطيع ان ترد اصول فيلسوف الى مصدر فكري واحد فالفكر الانساني متأثر بتيارات متعددة وفكر مختلف والشراح الاسلاميين انقسموا الى فريق مشائي وفريق رواقي وتخللت مباحثهم عناصر سقراطية وافلاطونية وكانوا امتداداً للعقل الهليني
تحدث عن منطق الاصوليين ونظريتهم في العلل ومسائلها والسبر والتقسيم والتنقيح والتحقيق وموقفهم من المنطق الارسطي بقول الشافعي ان خصائص اللغة اليونانية ولغة اليونان مخالفة وان اول محاولة لوضع مباحث الاصول كعلم نجدها عند الشافعي فاقامه علماً متفق الاجزاء متناسق الاطراف ولم يتأثر بمناهج اليونان ثم انقسم علم الاصول بعد الشافعي الى قسمين علم اصول فقهي وعلم اصول كلامي ولم يتأثروا بمنطق ارسطو حتى القرن الخامس الهجري وعن علماء الكلام واصول الدين ونقدهم للمنطق الارسطي فلم يقبلوا الميتافيزيقا الارسطية لانها مخالفة لالهيات المسلمين وهذه الفكرة كافية لهدم المنطق الارسطي من وجهة نظر اسلامية
نقد الفقهاء للمنهج اليوناني وركز على نقد ابن تيمية معللاً ذلك اي ابن بتيمية بنقد المنطق الارسطي للفطرة الاسلامية بقوانين متكلفة في الحد والاستدلال وان الاسلام يفي بحاجات الانسان المتغيرة والمتقلبة وقد اخذ قسم كبير من الكتاب وقسمه لجزئين جانب هدمي وجانب انشائي فقد كان ابن تيمية كما يقول يهدم جانباً ليبني جانباً اخر وتحدث عن منهجه الاستقرائي التجريبي وتأثير جون ستيورات ميل والفلسفة الاوروبية التجريبية به ونسب ابن تيميه الى الرواقيين والشكاك وان عداوة ابن تيمية لاهل السنة والاشاعرة اعمت بصيرته واغلفت فكره وقال النشار ان الاشاعرة هم الممثلون الحقيقيون للاسلام! بصراحة شعرت بتخبط بهذا القسم وتيه ومع ذلك يبقى له اهميته
تحدث بشكل موجز عن الصوفية وذلك برفضها للعقل كأداة
تحدث عن السيوطي وعن كتابه صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام
تطرق الى العلم عند المسلمين وان المسلمين كانوا علماء اكثر ما كانوا فلاسفة فاذا كان لليونان فضل بالفلسفة فللعرب الفضل في العلم والمنهج
للكتاب اهميته وقيمته يكفي انه لم يشبعني بهذا الجانب
أميل في تقييمه إلى نجمتين ونصف بالنسبة لي، ولابد من تذكّر أن التقييم نسبيّ ويمثّل ردة فعل القارئ تجاه الكتاب وليس بالضرورة تقييم الكتاب ذاته. وعلى العموم معنى النجمتين حسب قودريدز هو "it was ok" وأظن هذا شعوري بالضبط تجاه الكتاب
نبدأ بما أحببت: يظهر في الكتاب جهد جيد في تتبع المصادر وتلخيصها واستخدامها لإثبات الفكرة المراد إثباتها. موضوع البحث ذاته ممتاز، أقصد ما تفرّد به الشراح الإسلاميون (متكلّموه وأصوليوه) في المنطق وما زادوا فيه وما رفضوا منه؛ إذ ظن البعض بأن مباحث المنطق توقفت عند أرسطو، وكل ما كان عند الإسلاميين ترديد ما قاله بعيد عن الصواب. تلخيصه وعرضه لنقد ابن تيمية للمنطق ومنطق الإشراقيين كان جميلا ومفيدا لي.
بعض ما لم أحب: * فيه استخدام لميزان الصواب الحداثي. الكتاب محاولة لبرهنة أن المسلمين رفضوا المنطق الأرسطي الذي حكم العالم الحديث بأنه سيّئ، واتّجهوا منذ قرون اتّجاها استقرائيا سابقين بذلك الفلاسفة الغربيين الذين طوّروا المنهج العلمي (التجريبي)، وكأن ذلك جيد لأنّ العالم الغربي حكم بنجاعته، أو أن منهج العلماء الإسلاميين هو الصواب لأنه هو الموافق للعالم الحديث. وهذا يظهر من كثرة المقارنات بين منقولات بعض الإسلاميين ومنهج بيكون وغيره التجريبي أو الاستقرائي، والكلام في معرفة بيكون العربية ودراسته في الجامعات العربية .. إلخ. لست معجبًا بهذه الطريقة عموما.
* في كلامه عن "روح الإسلام" التجريبية، يقول: "وبواسطة هذا المنهج الإسلامي التجريبي نستطيع أن نفسر عداوة الإسلام للفلسفة. لأنه إذا كانت روح الإسلام تقوم على المنهج التجريبي العملي و تنكر أشد الإنكار المنهج القياسي النظري، استطعنا أن نفسر بسهولة عدم نجاح الفلسفة - وهي القائمة على هذا المنهج - في الإسلام" ومنه يتوصل إلى "وبواسطة هذا المنهج الإسلامي التجريبي نستطيع أن نفسر سر هجوم علماء المسلمين على الغزالي في محاولته مزج المنطق الأرسططاليسي بعلوم المسلمين. فالغزالي لم يفهم الإسلام حق الفهم، بل قام بعملية المزج هذه بدون أن يتبيّن التناقض التام بين روح الإسلام والروح اليونانية التي أملت هذا المنطق"
هذا كلام مستنكر طبعا، ومن الطريف أنّي قرأت الطبعة التي وفّرها مشروع جامعة نيويورك - أبوظبي، وجاء في الهامش تعليقا على جملة "فالغزالي لم يفهم الإسلام حق الفهم" التعليق هذا: "لا يا شيخ!"
لكن فيه الانتقال من كون المنهج الإسلامي تجريبي موافق للمباحث الغربية إلى ضرب كليّ للمباحث العقلية عند الإسلاميين متكلميهم وفلاسفتهم وأصولييهم، ثم إلى نقد سمج للغزالي.
* هناك مشكلة في تحديد من هم مفكري الإسلام الذين يقصدهم؟ يقول: "والنتيجة الأولى إذن التي نستطيع أن نصل إليها من هذا البحث هو أن مفكري الإسلام الممثلين لروح الإسلام لم يقبلوا المنطق الأرسططاليسي، لأنه يقوم على المنهج القياسي. ولا يعترف بالمنهج الاستقرائي أو التجريبي" وهذا يستلزم أن أغلب وأعظم علماء الإسلام غير ممثلين للروح العلمية الإسلامية، رأينا الطعن في الغزالي مسبقا، لكن هذا ينجرّ إلى الرازي والسعد والجرجاني والإيجي والبيضاوي وغيرهم كثر. كل هؤلاء غير ممثلين له. فيه هذه مشكلة.
* الكتاب لا يعالج حقيقةَ أن هؤلاء الممثلين للروح الإسلامية هم شذوذات في التاريخ العلمي الإسلامي؛ فالعموم لم يزل مصنِّفا في المنطق ومستخدما له ومتكلما فيه وغير منكره. بالتالي هل ما بُحث هو مناهج البحث عند مفكري الإسلام فعلا؟ رأينا أن لفظ "مفكرو الإسلام" لا يتناول جهابذته كالغزالي والرازي والأسماء السابقة وغيرها الكثير، فهو أقرب لأن يكون بحثا في مناهج البحث عند أقلّيات الإسلاميين، وفي مناهجهم المهجورة من المتأخرين، وما شابه، وليس بحثا فعليا في مناهج الفكر عند مفكري الإسلام، فهذا يوهم الغالبية، وليس كذلك.
* كنت أود أن أجد فصلا في تتبع نقودات الشرّاح الإسلاميين للمنطق، وتهذيبهم لمباحثه وما شابه، كنقد الرازي والمناقشات التي حصلت في آرائه، و"طوشات الحواشي" المكتوبة على الخبيصي والشمسية على الأقل، فهذا أكثر دلالة على أصالة الفكر الإسلامي حقيقةً، ومن داخل الشرّاح نفسهم.
* في محاولته البحث عن معارضة المتكلمين لمبادئ الفكر الثلاث ضعف شديد، فهو يأتي بأمثلة لا تخدم المطلوب كمسألة الجزئي كلي واللامفهوم مفهوم، أو مسألة الحال ويعترف أن المؤيدين نفوا أن يكون ذلك واسطة بين النفي والإثبات وحاولوا التوفيق بين الأمرين، أو مذهب السجستاني الذي لم يرتضه أحد. ثم يأتي بنفي السادة الأشاعرة لمبدأ العلية في الطبيعيات، ويتخذه دليلا على معارضتهم للمنطق الأرسطي، ولا يبدو أن الأمر كذلك: فمبدأ العلية إما ينظر له من جهة منطقية محضة، أو طبيعية، وإنما نقد الأشاعرة التطبيق الطبيعي لمبدأ العلية، وإلا فكيف ينكرون العلية وهم يستدلون على وجود المولى الأجل بالعالم؟ وجدت محاولته بيان رفض المتكلمين للمبادئ الثلاث التي هي مبادئ المنطق الأرسطويّ شديدة الضعف.
(مناهج البحث عند مفكري الإسلام.. واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي)، لمؤلِّفه الدكتور علي سامي النشار، كان في الأصل موضوع رسالته للحصول على درجة الماجستير عام (1942م)، بكلية الآداب قسم الفلسفة، تحت إشراف الشيخ مصطفى عبدالرازق يطرح الكاتب إشكالية أساسية وهي هل كان لعلماء المسلمين منهج قائم بذاته متميز عن المنهج اليوناني القديم أم أن علماء المسلمين لم يقفوا موقف المتلقي للتراث اليوناني فقط بل طوروا في مباحثه ومناهجه حتى تمايز منهجهم واستقل منهجا بذاته. كتاب رائع ربما يحتاج مراجعة موسعة يوما ما
كتاب مفيد يتناول علم المنطق تحليلا و دراسة و نقدا للمبتدئ يعد هذا الكتاب مقدمة مختصرة في علم المنطق و أشهر الاعتراضات و الانتقادات الموجهه له. في مقامات أعلى يعد هذا الكتاب مرجعا للباحثين في هذا العلم لمعرفة إسهامات علماء المسلمين و تعاملهم مع علم المنطق و جزئياته. و فيه إيراد لمناقشات و اعتراضات علماء المسلمين في جزئيات العلم.
كتاب رائع و ممتع ، أثبت فيه الدكتور علي النشار أصالة المنهج الفكري الإسلامي وفنّد مزاعم المستشرقين والتصور الشائع بأن المسلمين قبلوا منطقيات اليونان على علاّتها وبنوا حضارتهم على أصولها. ما يميّز الكتاب الأسلوب العلمي الرصين لدى الباحث و وفرة المصادر التي استشهد بها.
تعد قضية (أصالة المنهج) في التراث العلمي للمسلمين على اختلاف مناحيه من القضايا التي ثار حولها كثير من الجدل، فما بين الادعاء بافتقار العلماء المسلمين للمنهج العلمي وما بين ادعاء آخر بنقلهم لمناهج اليونان نقلاً حرفيًا، ما بين هذا وذاك يقف باحثون آخرون يلتمسون في تراث المسلمين العلمي معالم المنهج الذي سلكه علماء المسلمين ويبرزون خصائصه، وقد نهض بذلك العمل غير واحد من الباحثين العرب والمستشرقين، فمن العرب الدكتور علي سامي النشار في كتابه (مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي)، ومن المستشرقين المستشرق الألماني فرانز روزنتال في كتابه (مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي. وقد أقام النشار كتابه على دحض الفكرة الشائعة بأن علماء المسلمين لم يعرفوا منهجا متميزا في بحثهم العلمي، وأن المنهج الذي ينتمون إليه هو المنهج اليوناني وبخاصة منهج أرسطو، وكانت غاية المؤلف من كتابه هذا أن يقدم نموذج الفكر الإسلامي المعبر عن روح الحضارة الإسلامية، والمنبعث في تدفق سيال من روح القرآن الكريم والسنة المطهرة، وليس من المنطق اليوناني الذي هو أدق تعبير عن الروح اليونانية –التي رفضها الإسلام- في نظرتها إلى الكون وفي محاولتها إقامة مذاهبها في الوجود. استفاد النشار من مقولة أستاذه الدكتور مصطفى عبد الرازق أن (المنهج) الإسلامي الحق ينبغي تلمسه في علمين أصيلين، هما علم أصول الفقه وعلم الكلام، فاعتبر الفقهاء والأصوليين والمتكلمين ممثلي الإسلام الحقيقيين، واعتبر فلاسفة الإسلام دوائر منفصلة عن تيار الفكر الإسلامي، ومضى يتتبع ملامح المنهج العلمي ويكتشف المنهج التجريبي في العالم الإسلامي. في البداية تحدث المؤلف باختصار عن دلائل معرفة المسلمين بالفلسفة اليونانية منذ زمن واصل بن عطاء ...ثم تحدث عن مباحث المنطق الأساسية عند أرسطو وشراحه من المسلمين والفرق بينه وبينهم، حيث أوضح أن الإسلاميين أضافوا بعض الأبحاث وخاصة اللغوية منها، لا نجد لها شبيها لا في منطق أرسطو ولا شراحه اليونانيين. كما وقف المؤلف موقف الشك والارتياب من افتتان المسلمين بالمنطق اليوناني واعتباره القانون الصحيح للعقل، وقد تتبع المؤلف مواقف مفكري الإسلام من المنطق وقد انقسموا أمام المنطق إلى أقسام:
القسم الأول: فلاسفة الإسلام ( الشراح الإسلاميون المشاؤون أو الأفلاطونية المحدثة ) الذين قبلوا المنطق وشرحوه واعتبروه قانون العقل، وقد توقف النشار طويلا أمام كثير من العناصر التي أضافها الشراح الإسلاميون، والتي لامثيل لها في منطق أرسطو ولا الشراح اليونانيين، والعناصر الرواقية المنطقية التي دخلت في منطق الشراح الإسلاميين، والتي كونت مع المنطق الأرسططاليسي منطقهم الخاص.. ويرى المؤلف بذلك أن المنطق الأرسططاليسي لم يبق على ماهو عليه، بل تكون منطق خاص من العناصر الرواقية المنطقية، مع المنطق الأرسططاليسي، ثم أضاف عليها الشراح الإسلاميون عناصر جديدة ليدلل بذلك على عمل المسلمين النقدي في المنطق الأرسطي وأنهم لم يحملوه غفلا بغير تفكير.
القسم الثاني: الأصوليون والمتكلمون، وقد لفت النظر إلى أن البحث في المسائل العملية عند المسلمين بدأ قبل البحث في المسائل الاعتقادية، ومن ثم فتتبع منهج البحث لديهم ينبغي أن يكون لدى علماء أصول الفقه قبل علماء أصول الدين، فتكلم عن نظرية الأصوليين التي صاغها الإمام الشافعي في الرسالة، وأوضح موقفه السلبي من المنطق الأرسطي الذي انطلق من اختلاف خصائص اللغة اليونانية واللغة العربية، مما يؤدي إلى تناقضات عدة عند تطبيق المنطق اليوناني على الأبحاث الإسلامية. وأوضح النشار علماء الأصول والكلام على قسمين: 1. المتكلمون الأوائل (المدرسة الكلامية الأولى) من المعتزلة والأشاعرة والشيعة والكرامية( )، رفضوا المنطق وهاجموه، وحاولوا إقامة منطق جديد بالكلية، وكانت لهم فلسفة خاصة، ومنطق خاص يخالف منطق أرسطو، ونقدهم له قائم على أسس منطقية خاصة( ).وذكر أن العلة في عدم قبولهم للمنطق الأرسطي أنهم لم يقبلوا الميتافيزيقا اليونانية التي تخالف عقائد المسلمين ويقوم عليها المنطق الأرسطي بصورة وثيقة. ويدخل في هذا القسم الإمام الشافعي، ومن بعده من علماء الأصول إلى القرن الخامس. فقد اعتبر أن الشافعي واضع أصول الفقه قد اطلع على التراث اليوناني ، لكن هل استفاد منه ام لا، لم يثبت في كتابه العظيم الرسالة .. والشافعي وصفه الكاتب بفيلسوف الإسلام ..حيث قعد قواعد لم تكن مكتوبة من قبل ، فضبط الكليلات الشرعية كلها .. وأكمل تلاميذه العمل من بعده وعلى رأسهم الجويني .. 2. المتأخرون ( الشراح الإسلاميون الرواقيون) رفضوا كثيراً من المنطق وأضافوا عليه أبحاثاً خاصة كما سبق، وأول من مزج المنطق بالأصول الغزالي في القرن الخامس الهجري.
ويستنتج مما تقدم انه كان للمتكلمين في العصر الكلامي الاول حول تكوين المنهج موقف مزدوج : 1) رفض المنطق الارسططاليسي كمنهاج للبحث ومهاجمته ، وتجلى ذلك في موقف المتكلمين من قانون عدم الجمع بين النقيضين وعدم ارتفاعها في مبحث الحال وصفات الله، ونقد قانون العلية. 2)الاخذ بمنهاج اسلامي خاص وضعه او وضع اسسه علماء اصول الفقه ..وتناوله المتكلمون بالزيادة والتعديل .. وقد عرض المؤلف نماذج متعددة منه حيث تناول مذاهب المسلمين في العلة وشروطها ومسالكها (السبر والتقسيم، الطرد، الدوران، تنقيح المناط) وذهب إلى أن طرق البحث عند المسلمين مع القياس الأصولي كون منطقاً كاملاً من نتاج المسلمين، وماوجد فيه من تشابه وتماثل مع المنطق الأرسطي، لم ينسبه المؤلف للمنطق اليوناني، وإنما لا يعدو أن يكون المسلمون استمدوه بفطرهم وحاجتهم إلى وضع صور للاستدلال والبحث العلمي( ).
القسم الثالث: فقهاء أهل السنة والجماعة وموقفهم على قسمين: الأول: تحريم المنطق ورفضه كلياً، ويمثل هذا القسم ابن الصلاح وعبدالوهاب السبكي( ). وقد هون المؤلف من موقفهم لكونه لم يمثل تيارا عاما في الفكر الإسلامي. الثاني: نقد المنطق: ويمثل هذا القسم: 1. ابن تيمية الذي نقد المنطق من جانبين جانب هدمي وجانب إنشائي. 2. ابن القيم الذي لم يصنف كتاباً في المنطق وإنما ردد ماذكره شيخه ابن تيمية، وهو ينقل عنه كثيراً. 3. ابن الوزير الصنعاني الذي ألف كتاب "ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان"، وهذا الكتاب يظهر فيه التأثر بابن تيمية، وهو يحاول إثبات أن أسلوب القرآن يخالف أسلوب اليونان من جهة اللغة( ). 4. السيوطي له كتاب " صون المنطق من الكلام عن فني المنطق والكلام " وهو من أكبر الموسوعات في نقد المنطق، وله قيمة علمية من جهتين: • الترتيب التأريخي للمنطق. • تلخيص بعض الكتب المفقوده ومنها كتاب ابن تيمية في نقد المنطق.( ) القسم الرابع: الصوفية:وهم في موقفهم من المنطق على قسمين: 1. قسم رفض المنطق؛ لأنه يبحث في النظريات المجردة العقلية وهو يخالف جوهر الطرق الصوفية الكشف والذوق، ولذا لم يتعرضوا لنقده. 2. قسم اتخذ المنطق رياضة عقلية، ويمثله الإشراقية الصوفية التي يتزعمها السهروردي.( ) وقد اعتبر النشار المنطق الإشراقي هو أعمق نقد للمنطق الأرسططاليسي في تاريخه، بل ليس له مثيل عند مفكري الإسلام، ولا حتى عند مفكري اليونان قبلهم( )
وبذلك يكون المؤلف قد أثبت عدم قبول المفكرين المسلمين لمنطق أرسطو ونقدهم له لأنه يقوم على المنهج القياسي الذي هو روح الحضارة اليونانية القائمة على النظر الفلسفي والفكري، ولم تترك الحضارة اليونانية للتجرية مكانا في هذا المنهج، ولذلك فإن المسلمين –في المقابل- وضعوا المنطق الاستقرائي (التجريبي) كاملاً، فإن هناك وثائق عدة تثبت أن المسلمين استخدموا طرق التحقيق التجريبية في دراستهم للطب، والعلوم الطبيعية، والكيميائية والفلكية والنباتية، وأن هذا المنهج قد وصل إلى أوروبا واستفاد منه علماؤها ونسبوه إلى أنفسهم، وكان سببا في إقامتهم حضارة إنسانية وعلم حقيقي. ولا ينكر النشار أنه كان لدى اليونان نوع من هذا المنهج التجريبي في أبحاثهم، وأنهم طلقوه إلى حد ما، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك نجاحا يذكر، لأن منطق أرسطو كان يعوقهم إلى حد كبير، وكثير من أبحاث الأطباء اليونان كانت تقوم على التجربة ولكن لم تكن هذه التجربة كاملة وذات أصول وطرق تحقيق، وأحس الأطباء المسلمون بهذا وسرعان ما اتجهوا وجهة أخرى حين اتخذوا قواعد المنهج التجريبي الذي نشأ في بيئة إسلامية خالصة. وقد عرض النشار نماذج من المنهج التجريبي لدى بعض علماء المسلمين، حيث انتقل من كونه قانونا إلى تطبيق وممارسة عملية، فعرض لجهود جابر بن حيان واستعانته بطريق المتكلمين في قياس الشاهد على الغائب وعزوفه عن طريق المنطق الأرسطاطاليسي، وبالمثل عرض للحسن بن الهيثم ومنهجه التجريبي الذي يعتمد على الاستقراء والتمثيل والاستنباط الرياضي، وهو منهج المتكلمين والأصوليين، تكون قبله ونضج لديهم في صورته الكاملة، ثم انتقل وإلى غيره من علماء المسلمين.
قرأت الكتاب بناء على توصية استاذى لنا بعد درس لآداب البحث و المناظرة و لا أملك وصفا له إلا كما وصفه استاذى بالعمل الرائد يناقش الكتاب قضية حساسة و مركزية فى التراث الاسلامى و هى تلقى علماء الإسلام للمنطق و الذى كان متباينة بشدة بين الرفض التام حتى جعله ميزان العلوم و ما بينهما من تيارات متفرقة يرى الكاتب رفض علماء الإسلام خاصة المتكلمين و الأصوليين للمنطق و عزوفهم عنه حتى جاء الغزالى و أولع به شغف به حتى رأى رئاسته على سائر العلوم مما ترتب عليه مزجه بعلوم الاسلام الأخرى كان هذا الرأى السابق صادما لى - بل وما يزال - فالمألوف عندى هو قبول المتكلمين للمنطق بل و ارتكازهم عليه فى إقامة دعواهم و حججهم لكن للكاتب رأى اخر و هو الذى سبق ذكره احسب أنه ما زال بحاجة إلى نقاش واسع الكاتب موسوعى و مصادره متنوعة و ثرية بين التراثى و الأجنبى راقنى جدا ما رصده من نقد ابن تيمية و نقد السهروردى للمنطق سيما أن هذا النقد لم يكن عبر رفض المنطق من الخارج و تحريمه بل كان عبر تفكيكه من الداخل و تحليل افكاره و الاعتراض عليها و دحضها و إنشاء نماذج أخرى للنظر و التحليل و ذلك هو النقد الجدير بالاعتبار و الذى يدفع عجله العلم للامام بدلا أن يظل التراشق قائما بين من يراه ميزان العلم و من يرى تحريمه دون الخوض فيه الكتاب بحاجة إلى قراءة ثانية و قراءة واحدة لا تكفي ابدا لكنها حتى تكون مجدية ينبغى أن يسبقها دراسة أوفى للمنطق عبر السلم التعليمى الأزهرى حتى. شروح الشمسية ثم الانعطاف على نقد ابن تيمية و نقد السهروردى بالقراءة المباشرة لهما لا عبر القراءة لناقلين عنهما أو ملخصين لآرائهما ، وقتئذ أرجو أن تكون قراءتنا للنشار قراءة الفاحص المتأمل و الناقد المدقق الذى يقبل و يرفض بعد نظر و تأمل لا الذى يطير بكل جديد و يولع بكل طريف لمحض أنه جديد و مخالف للمألوف فهذا من الخفة و النزق التى نسأل الله أن يسلمنا منها ختاما لا أزعم انى فهمت الكتاب بتمامه بل ظلت مواضع عدة مرهقة متعسفة مغلقة ربما لانى لم اصل بعد للمستوى المطلوب لفهمها و ربما لانى لم انعم النظر فيها بما يكفى ، كذلك اظن الكتاب بحاجة إلى مراجعة لوجود أخطاء مطبعية مزعجة و مشوشة على الفهم غفر الله للمؤلف و أجزل مثوبته و رزقنا بمن يكمل دربه و يبنى على ما أنجزه
آه لو أنصف الأستاذ النشار رحمه الله! لكان هذا السفر ذهبا خالصا! غير أن أشعريته طغت عليه، فنصرها في كل موطن خذلت فيه، ورفعها في كل ساحة شالت فيها! أنصف في عرض ابن تيمية، وجار في الحكم على إبداعه، فنسبه لغيره، ولم يبق له إلا القليل. غير أنه كتاب فذ، وإن خشيت من أن يهجم عليه من هو ليس له بأهل، فسيخرج منه من لا يعرف فيم كبا الأستاذ النشار، وفيم أجاد =وفي هذا خطر أي خطر!
كتاب ممتع. يعرض فيه الكتاب تاريخ المنطق عند المسلمين ومناهج البحث العلمي وتنوعاتها بين المدارس الإسلامية ومدى تأثر الحضارة الإسلامية بالمنطق الأرسطاطاليسي
هذا الكتاب (مناهج البحث عند مفكرى الإسلام.. واكتشاف المنهج العلمى فى العالم الإسلامى)، لمؤلِّفه الدكتور على سامى النشار، كان في الأصل موضوع رسالته للحصول على درجة الماجستير عام (1942م)، بكلية الآداب قسم الفلسفة، تحت إشراف الإمام الأكبر الشيخ مصطفى عبدالرازق، وهو أول كتاب يؤلِّفه النشار، وواحد من أهم أعماله الفكرية والفلسفية؛ إذ يعالج فيه قضية شائكة، كانت -وما زالت- محل جدل واسع بين الباحثين، شرقاً وغرباً.
إذ يتناول الكتاب قضية (منهج البحث) الذى اتخذه المسلمون طوال تاريخهم، وارتضوه منهجاً لعُلومهم، وضابطاً لفكرهم، ومعبِّراً عن حضارتهم وهويتهم..
فالكتاب كله (بأبوابه الخمسة) هو بحث عن إجابة سؤال رئيسى: هل اتبع المسلمون فى منهجهم البحثى المنطق الأرسطى؟ أم كان لهم منهج خاص يعبر عن روح حضارتهم وخصائصها؟ وتكمن خطورة هذا السؤال أنه إذا اعترفنا بالفكرة السائدة أن (المنطق الأرسطى قد اعتبره المسلمون قانون العقل الذى لا يُرد، والمنهج العلمى الثابت)، فسيجرنا هذا إلى التسليم بما يقوله كثير من المستشرقين أن الحضارة الإسلامية لم تكن سوى صورة مشوهة من الحضارة اليونانية وذيلا لها، ولم يكن المسلمون إلا تابعين مقلدين.
لكن المؤلف بعد عرض تفصيلى لآراء مفكرى الإسلام على اختلاف نزعاتهم (أصوليون – متكلمون – فقهاء – صوفية – علماء الطبيعة) يصل إلى نتيجتين جوهريتين: 1- لم يقبل المسلمون المنطق الأرسطى وحاربوه أشد محاربة؛ لأنه لا يعترف بالمنهج الاستقرائى والتجريبى. 2- وضع المسلمون لهم منهجا هو سر حضارتهم (المنهج التجريبى الاستقرائى)، وسبقوا بذلك علماء الغرب أمثال فرنسيس بيكون وجون ستيوارت مِل، الذين حذوا حذو العرب فى الأخذ بهذا المنهج.. وكانت إسبانيا هى مَعبر انتقال العلم الإسلامى إلى أوربا؛ فالمسلمون هم مصدر الحضارة الأوربية القائمة على المنهج التجريبى، حسبما توصل إليه الأستاذ النشار.
علي سامي النشار كاتبي المفضّل في الفكر الإسلامي ، وإن كان قد سار بإخلاص في الطريق التي سكّها شيخُه مصطفى عبدالرزاق ، إلا أن كُتبه ذات سِحر خاص ورونق فريد وجاذبية قصوى ، يكفيني أن كتابه هذا هو الأصل الذي ابتنيت عليه أطروحتي للماجستير ، فلاشك أن هذه المدرسة لم تنل حقها من التقدير والعناية وهي أولى بها من كثير