كتاب (تطور علم أصول الفقه وتجدده، وتأثره بالمباحث الكلامية) هو في الأصل أطروحة دكتوراه سجلت في جامعة محمد الخامس -الرباط- عام ١٩٩٢ ونوقشت عام ٢٠٠٢ .. يعني استغرقت عشر سنوات ! ، الكتاب تناول موضوع مهم وكبير للغاية ومتشعب -وهذا أثر سلبا على الكتاب- إذ أنه مقسم إلي ثلاثة أبواب .. أكثر ما أعجبني الباب الأول وأما الباب الثاني فلا أملك من المعرفة ما يؤهلني لتقييمه وأما الباب الثالث ففيه جهد ملحوظ ولكن لم يتناول بالطريقة المرضية.
الباب الأول خصص للحديث عن (مراحل تطور أصول الفقه) ، وفكرة الكتابة عن "تاريخ علم أصول الفقه وتطوره" فكرة مفيدة جدا والكتب فيه قليلة -فيما أعلم- وتطرق الكاتب في هذا الباب لمباحث عديدة عن مناهج الاستنباط في عهد النبوة وفي عهد الصحابة والتابعين (وكان هذا الجزء مأخوذ من كتاب تعليل الأحكام لشلبي بشكل شبه كامل) وعن أسباب تدوين هذا العلم وظروفه المصاحبة وعن تطور أصول الفقه بعد الشافعي ومناهج التأليف في ذلك العصر وخصائصه، ثم تكلم عن التأسيس الثاني لعلم أصول الفقه وأبرز المؤلفين فيه (الجصاص - الباقلاني - عبدالجبار المعتزلي) وعن الموجة التالية لهذه المجموعة (أبو الحسين البصري - الجويني - الغزالي) وما هي الإضافات التي قاموا بها وما هي السمات التي ميزت كتاب كل واحد منهم. ثم تكلم المرحلة التالية لهذه المرحلة الغنية حيث تراوح علم الأصول في الغالب بين التقليد والجمود مع إرفاق جداول بالكتب الأصولية لتلك المراحل ثم تكلم في نهاية هذا الباب عن الجهود الأصولية المعاصرة في إحياء هذا العلم (الشوكاني - الخضري) ومناهج المعاصرين في احياء هذا العلم . وكما أشرت أعلاه كان هذا الباب هو أمتع جزء بالكتاب بالنسبة لي
وأما الباب الثاني فتحدث عن (امتزاج علم الكلام بعلم الأصول) وقدم له بمقدمة عن نشأة علم الكلام وكيفية إقحام بعض المسائل الكلامية في علم الأصول ثم كيف امتزج العلمين وما أثر هذا الامتزاج وتطرق لعدد من المسائل الكلامية التي لا شأن لها بعلم الأصول وكيف أقحمت وعلى يد من.. وفي عرضه لأثر امتزاج علم الكلام في الأصول نافش رأي (د.قطب سانو) الذي يرى أن لهذا المزج إيجابيات كثيرة فشرع المؤلف في ذكر الإيجابيات التي سجلها د.سانو وناقشها وخلص إلي رد أغلبها ثم ذكر الآثار السلبية لهذا الدمج بين العلمين وختم هذا الباب بعرض مختصر لبعض مناهج الداعين تجريد علم الكلام عن الأصول .
وأما الباب الثالث فخصص للحديث عن (تجديد أصول الفقه وآفاقه)، حيث تعرض في الفصل الأول لمشاريع تطوير أصول الفقه النظرية والعملية وعقد مبحثا لكل واحد منهما وفي الفصل الثاني من هذا الباب تناول قضية (مستقبل أصول الفقه) عن طريق بحث موضوع "المقاصد والقواعد الفقهية" وبإمكاني القول أن هذا الباب -والفصل الثاني منه على التحديد- لم يُبحث فيه بشكل موسع ومرضي ولعل السبب في هذا عدم اطلاع الكاتب في حينها على الكتب الجديدة التي صدرت عن المقاصد (مع أن الكتاب طبع عام ٢٠١٠ حسب الطبعة التي أملكها ولا أدري إن كان طبع قبل هذا أم لا) .
وبشكل عام الكتاب جميل وممتع خصوصا الفصل الأول -كما ذكرت هذا مرارا- وأعيب عليه عدم اعتنائه ببعض الهوامش والإيعازات ، وعدم حكمه على الأحاديث التي يذكرها وكذلك في كثير من المواضع يطلق أحكام وتقييمات بدون استدلال كافي ويرجع ذلك لضخامة الموضوع حيث لو فصل الكاتب وأعطى كل نقطة ما تستحقه لكان حجم الكتاب أضعاف هذا الحجم وهو في المقابل سلسل العبارة لا تشعر أنه رسالة علمية.
--------
على الهامش: ١- لأبي فهر حلقة عن "تطور العلوم" حلقة ثرية جدا وتطرق للكتب التي تعرضت لتاريخ علم أصول الفقه في الدقيقة ١٣ تقريبا http://khwatir.wordpress.com/2011/12/...
٢- مولانا الريسوني له كلمة قصيرة ومركزة جدا -وتسجيلها سيئ للأسف- عن تجديد علم أصول الفقه، ألقاها في مؤتمر في الأزهر يمكنكم الاستماع عليها عبر هذا الرابط http://www.onislam.net/arabic/multime...
أهمية الكتاب تكمن في تخصيصه الحديث عن أهم المسائل الكلامية التي ألصقت بمنهج أصول الفقه، وحين راجعتها تذكرت معاناتي أنا وزميلاتي في فك شفراتها لفهما وحفظها. الحمدلله أنها لا تمت للأصول بشيء. وتفهم من خلال حديثه كيف أن الكلام كان صنعة من عاشوا من مرحلة تدوين الفقه. ما لفت انتباهي وركزت على قراءته جيدًا ما طرحه في آخر الكتاب حول تجديد أصول الفقه فقد كانت دراسة شاملة جامعة بكل ما تعنيه الكلمة لم أجد من يماثلها حتى الآن وقد أفادتني في بحثي كثيرًا ووسعت مداركي.
أصله أطروحة المؤلف للدكتوراه في شعبة الدراسات الإسلامية بلية الآداب والعلوم الإنسانية، بجامعة محمد الخامس بالرباط، سنة 2002م وقد طبعته دار ابن حزم عام 2010-1430 في مجلد واحد تصل صفحاته مع الفهارس والمراجع إلى 370 صفحة مميزات الكتاب لعل أهم ميزة لهذا الكتاب هي العرض الموجز والمختصر لكثير من مباحثه، فلم يستطرد فيه كثيرًا، كما أنه أحاط بشكل جيد بما يتكلم عنه. ومن أحسن ما فيه هو الشطر الأول من البابا الثالث حيث عرض فيه عددًا من المشاريع بشكل مختصر وموجز. أما سلبيات الكتاب فالكتاب في مباحث متعددة تلخيص واختصار لكتب أخرى، فأكثر فيه من النقل، بالإضافة إلى أنه سيء بالنقل جدًّا حيث ينقل من الكتاب ثم في آخر نقل يعزوه وقد يكون في صفحات مختلفة، كما أنه -أحيانًا-لا يذكر اسم الباحث إذا نقل منه، فيقول "قال أحد الباحثين" ثم في الحاشية يذكر اسم الكتاب ولا يذكر اسم المؤلف، ثم إذا ذهبت إلى المراجع أتفاجأ بأن كتبًا كثيرة نقل منها ولم يذكرها في المراجع!! بالإضافة إلى أنه في بعض المباحث قد اعتمد على مصادر محدودة (كعند كلامه حول الحنابلة مثلًا) محتويات الكتاب يتكون الكتاب من ثلاثة أبواب كبرى الأول في نشأة أصول الفقه وتطوره والثاني في امتزاج المنهج الكلامي بالمنهج الأصولي والثالث في تجديد أصول الفقه وآفاقه.