يتعلق الكتاب بمأساة تجارة الرق التى مرت بنظم ثلاث: العبودية بالقراصنة، والعبودية بالتحالفات، والعبودية بالمشاركة، وهى الجريمة التى ضربت القارة الإفريقية وأوقفت نموها الحضارى ولطخت وأفسدت نسيج المجتمعات فيها، وحفرت فى النفوس عقدة التدنى، كما يحث الكتاب الأفارقة بأن يطالبوا المجتمع الدولى بالتعويضات عن فترة العبودية
عايدة العزب موسى كاتبة مصرية متخصصة في الشأن الإفريقي، لها العديد من المساهمات في المؤتمرات والندوات في هذا الصدد، كما تدور كتاباتها في الجرائد والمجلات المصرية والعربية في نفس الموضوع. لها العديد من الكتب مثل: شخصيات إفريقية في السياسة والفن، والعبودية في إفريقيا والتاريخ المفقود، والمسلمون وتاريخ الرق في إفريقيا، العلاقات العربية- الإفريقية والتصوف الإسلامي
الموضوع الذي لم تقرأ عنه سابقا ، يكون كتابه الأول "مدهشا" بالنسبة لك، و إعمال أي تفكير نقدي لن يكون موضوعيا بما يكفي ! لم أقرأ سابقا حول تجارة العبيد و معاناة القارة الأفريقية سوى رواية لكاتبة انجليزية "الطريق إلى جوهانسبرح " ، و كل ما عدا ذلك كان عالما منفيا عن وعيي الخاص ، كانت لدي معلومة عن لنكولن أنه محرر العبيد فقط ! بعد قراءة الكتاب أكتشف كم توجد في التاريخ أزقة ضيقة - تشبه أزقة مخيمات اللاجئين - لا تزورها خطوات المترفين في عوالم أخرى ! هنا أزقة الرق المحشوة بالألم ، و بمساحات المنفى من الذاكرة البشرية الصغيرة التي لا تتسع سوى لروايات اليهود حول المحرقة ، أما آلاف المقهورين في أفريقيا فإنهم لا يعنون شيئا لذاكرة خائنة ! قصص الألم / مطالب التعويض / أسماء أشخاص (أبطال) لم تتسع لهم الشوارع المضاءة بالنيون ، و لا ميادين النصب التذكارية / و أحداث زورها التاريخ لأنه غير قادر على غير ذلك ! بعد قراءة الكتاب ، أسأل نفسي عن شيء واحد فقط : الإنسان .. خلال فترة قراءته هذه كانت المجازر في سوريا (مجزرة الحولة تحديدا ) .. نوع من الإحباط جراء تكرار المأساة البشرية ، الإنسان الذي ينتزع جلده بكفيه ، و يمشي عاريا في صحراء البدائية الأولى ، و يصرخ : أنا صورة عن إله ما لأن ( بشرتي بيضاء أو وريث الأسرة المالكة ) كثير من التأملات و الأسئلة و قليل (جدا) من الإجابات ! و اليوم بعد أن أتممت القراءة تعود جثامين الفلسطينين من معاقل إسرائيل إلى شوارعنا الخاصة ، نحتفل بعودة (الجثث ) ! .. كما احتفل الأفارقة بعودة جثث الضحايا .. تساءلت : إلى متى نحتفل بحقنا في دفنهم ، بدل من حقنا في حياتهم !
الكتاب كان تجربة أولى عن مجاهل افريقيا ، و ارغب في تكرار التجربة !
أذكر ذات يوم أثناء الحديث مع أحد الرفاق فكنت اترحم على أحد قادة المسلمين يسمى لابو لابو وهو قاتل المستعمر الأوربي ماجلان، فوجدت الرفيق يحدثني كما لو أبدو أبله بالنسبة له، كيف اترحم على قاتل مستكشف عظيم مثل ماجلان، والإجابة بمنتهى البساطة، أن ماجلان روايته بالنسبة لي هو المستعمر الذي جاء على ظهر سفينة لكي يقتل أحد أجدادي المسلمين في الفلبين، إنه لم يكتشف شيئا بالنسبة لي، إنه مستعمر، ما اكتشفه وما حصل عليه، هو الطريق الذي جاء ببقية المستعمرين لإفراغ ممالك شرق أسيا المسلمة من ثرواتها ومن ملامح إسلامها.. وهكذا الحال مع هذا الكتاب..
إن البحوث التي تناقش القضية الأفريقية لم تحك لنا إلا من راو واحد: وهم الأوربيون! إن قضية الاستعمار وجذوره وملامحها هي عقل كل مسلم واع بتاريخ بلادهم والفكرة التي وصلت إلينا بأن تجارة العبيد كان سببها الأفارقة وأنهم باعوا ذويهم لطالما استهوتني فكرة البحث في جذورها، والكتاب هنا يقدم شرحا وافيا حكيما موضوعيا للأمر.
يناقش الكتاب المراحل الثلاث التي تم فيها استنزاف الثروة البشرية للقارة السوداء، وهي محاولة الاحتلال، ثم المشاركة، ثم اقتطاع الثروات.. ولنضف مرحلة رابعة وهي الحديث إلى العلن ووسائل الدعايا العالمية أن افريقيا متخلفة.. حسنا ماسبب تخلفها؟!
إنه ليس من العدل أبدا أن يأخذ مجموعة من الناس تعويضات مقابل حرق بعضهم في المحارق النازية ولا تأخذ افريقيا تعويضات مقابل ماتم فعله بها من استنزاف ثرواتها..
التفاصيل كثيرة للغاية والكتاب بحث في غاية الدقة تستحق السيدة عايدة عليه الكثير من التقدير وهو ليس الكتاب الأول الذي تقدمه في الشأن الأفريقي فكتبها وأبحاثها هي ملاذ لأي متطلع للشأن الأفريقي أو مهتم بشؤون عمقه الاستراتيجي وبعده!
رغم أنه يمكن أن ينظر الى هذا الكتاب كدفاع عن تاريخ العبودية وتجارة العبيد لدى العرب مقابل هذا الذى يخص الأوروبيين فى إفريقيا وذلك لكثرة المقارنات والتهويل الكلامى فى وصف تاريخ الاوروبيين فى إفريقيا والتهوين فيما يخص العرب اى أنه مجرد دفاع أدبى يمكن التغاضى عنه وتجاهله أما عن الكتابة التاريخية العلمية وهى الجانب الأهم والأكبر حجما فى الكتاب فهى سليمة قدر الامكان وليست مزيفة بغرض هذا الدفاع ، فأوضحت الكاتبة ببراعة صيرورة التطور فى العبودية الافريقية وتجارتها لدى الأوروبيين والعرب بشكل متوازى وأوضحت بشكل محايد كيف أن كل ما فعله أولئك فعلوه هؤلاء وأن النتائج التى حلت بإفريقيا بسبب كل منهما كانت واحدة وهى الخراب وإقفار مدن متحضرة من السكان وتدمير الكثير من المساحات الزراعية الخاصة بهذه المدن او القرى الإفريقية ما تسبب فى العديد من المجاعات فى كل قرن خلال القرون الأربعة التى تتم فيها المقارنة من بداية القرن السادس عشر الى بداية العشرين . كما أوضحت الكاتبة الوضع الحرج الذى وُضع فيه الأفارقة من جانب العرب والأوروبيين حيث كانوا يقومون بتأليب القبائل والمدن على بعضها البعض وتسليمهم كل ما يحصل عليه طرف من رهائن الحرب ضد الطرف الآخر مقابل دعمهم بالسلاح الأوروبى الذى سيستخدمونه ضد جيرانهم لحماية أنفسهم . ومن أوجه الدفاع البالية عن ما يخص العرب فى هذه التجارة هو إختلاف غاياتهم منها عن الأوروبيين فغاية العرب كانت رفاهية حيث يخدم العبيد فى المنازل ومن يُخصَوْن منهم يقومون على بيوت الحريم كحراس وأن من هؤلاء الخصيان من وصل الى مناصب الحكم وأنه بذلك كانت الحاجة اليهم لدى العرب بسيطة عدديا حيث ليست الغالبية فى قدرة على امتلاك هذه الرفاهية أو ليسوا فى حاجة اليهم . أولا فمن هذا القياس يمكننا التغاضى عن الغايات الرأسمالية التى باع بها الأوروبيون العبيد الأفارقة وإقتنصوهم من أجلها والتى تطلبت أعدادا غفيرة منهم كالعمل فى المزارع المدارية فى مناطق العالم المكتشف حديثا فى الامريكتين أو للعمل فى مناجم المعادن فى هذه الأراضى وأن نركز على من تم اقتنائهم كعبيد للخدمة فى منازل القلة من الأثرياء الأوروبيين المقيمين فى الأمريكتين او جزر المحيط . ثانيا فقد أخبرتنا الكاتبة باستخدام العديد من أمراء وملوك وسلاطين المسلمين للعبيد فى زراعة أراضيهم الخاصة كما فى جيوشهم وهى حاجات عدد قليل من الناس تتطلب إستخدام ألوف عديدة بشكل سنوى وهذا ما تتغاضى عنه عندما تعود للمقارنة والدفاع . أما الرحلة التاريخية على مدى أربعة قرون والأهوال التى تعرضت لها أفريقيا الداخلية منذ تعرف البرتغاليون على ساحلها الغربى فى القرن الخامس عشر وحتى بداية العهد الاستعمارى عند مطلع القرن العشرين وكذلك إيضاح الصيرورة التاريخية التى أدت من هذا إلى ذاك ، كل هذا قد نجحت الكاتبة فى إيضاحه وباستخدام الأرقام الأكثر علمية وقربا من واقع الحدث لترسم لنا صورة حية عن التاريخ الطويل لاستلاب افريقيا التى لازالت تعيش تبعات هذا التاريخ المظلم وتشعر به فى وعيها الحاضر بنوع من الألم .