الأشياء التي تفرق بيننا وبينهم كثيرة. لعل أوقعها وأصعبها على الروح هو أنهم فيها مواطنون ومنتمون اليها. ونحن ليس لنا حق في مواطنتها، ولا الانتماء اليها ولا التمتع فيها.. نحن لسنا بوافدين، ولسنا بمقيمين، ولا جئنا باتفاقات وعقود، نحن " بدون "، بدون أيّ شيء يحمينا أو يغطينا أو يؤمننا .. نحن عراء منبوذ في بدون."(ص 23 ــ 24).
يحسب لهذا العمل أن لغته باذخة وطيّعة وراقصة، ويحسب للكاتبة نفسها الطويل وقدرتها على الإمعانِ في الحفر في ذات الفكرة وسبر طبقاتها وممكناتها.
من ناحية أخرى، ما وجدته هنا هو غياب سافر للحكاية، ولأي نوعٍ من التصاعد الدرامي. ليس ثمة ارتباط بين فصول العمل، ولا يفضي بعضها إلى بعض .. كيف تزوجت فهدة من ضاري؟ كيف دخلت الجامعة؟ كيف أصبحت إمكانيات السفر والحياة الفارهة كلها متاحة لـ فهدة "البدون" عديمة الجواز والجنسية؟ لقد تركت الكاتبة الكثير من الأمور لخيال القارئ، الأمور التي لا تحتمل أن تترك لخيال القارئ! فهذه ليست "نهاية مفتوحة" قابلة للتأويل بل مفاصل وعظام وعروق تحقق تماسك النص وتهبه جنسه الروائي.
كل فصل في هذه الرواية هو بورتريه لـ شخصية تظهر ثم تغيب ويندر أن تعاود الظهور، ظهورها غير مبرر وغيابها غير مفتقد. لا أفهم الضرورة الفنية من وجود العديد من الفصول التي وإن كانت جميلة (قائمة بذاتها) إلا أنها لا تصبّ في بناء هيكل النص ولا عالمه.
من ناحية أخرى، لم أحب الطريقة التي صورت بها الكاتبة فئة "البدون" في الكويت على أنهم يشكلون بؤرة للمعاملات المخلة والمختلة واللاقانونية، وتصويرها لهم على أنهم تجار مخدرات وتجار بشر وسماسرة بغاء وغيرها .. خاصة ومثلها يعرفُ العمق الثقافي لهذه الفئة وكونهم يشكلون شريحة كبيرة من الأدباء والفنانين في الكويت.
وأخيراً، أعتقد بأن الكاتبة قد استنزفت البعد الشبقي للنص إلى حد إرهاق القارئ به، أنا شخصياً مللته.
من السهل أن يستشف القارئ أن سلالم النهار هي للأستاذة فوزية شويش السالم حتى دون مطالعة الغلاف. ففي أعمال الروائية المخضرمة نجد أسلوبها الفريد و الذي يندرج ضمن مدرسة فكرية و أدبية ليس لها عنوان سوى "مدرسة فوزية". فروح المؤلفة العميقة لا تتلاعب بالشخصيات فحسب بل بجميع حواس القارئ فتجعل قلوبنا تبتسم، ثم تحزن ، ثم تتألم لما تشهده شخصيات الرواية.
تأخذ السالم القارئ برشاقة تعبيراتها و رقي انتقائها للحروف إلى رحلة فلسفية من نوع آخر، ففي جرأتها و حدة استعاراتها، تحمله إلى عالم الأحلام ثم ترطمه بالواقع. و في رحلة "فهدة" نجد مسرحاً يشهد امتزاج الروح و الجسد و يعرض توظيفاً راقياً للمعاني الايروتيكية (لعله السبب الأساسي لمنعها من قبل الرقابة.) وتكشف عن رسائل فلسفية عن الحب و الأمل و الاستقلالية نجدها تحاكي واقعنا و تلامس حياتنا اليومية.
في سلالم النهار، وجدت ارتباطاً جميلاً ذكرني بواحدة من أجمل روايات المؤلفة و هي "مزون وردة الصحراء"، وهي أحد الروايات التي تركت أثرها في وجداني كقارئة.فأسلوب المؤلفة في مزج الشخصيات و الانتقال في الزمان و المكان و قدرتها الساحرة على تشتيت انتباه القارئ و لملمته إلى بعد آخر ،له جمال استثنائي غير موجود في الخطوط الدرامية الكلاسيكية لأنه ببساطة يندرج ضمن "مدرسة فوزية".
باختصار، هي لوحة فنية أخرى من لوحات فوزية شويش، مرسومة بعناية و عمق ،تحتاج إلى حضور ذهني ثابت لتفكيك رموزها و طلاسمها التي تحمل في طياتها رسائل تفتح أعيننا و قلوبناللكثير من الأسرار المكنونة. و كونها لوحة، فذلك يمنح القارئ أكثر من أسلوب لاستيعابها ثم تذوقها و ذلك بحسب عمقه الايديولوجي.
سلالم النهار كتاب كانت لغته رشيقة و الكلمات منتاقه بأناقة، اطلعنا على عوالم البدون الخفيه، و لمحة عن الفساد في الكويت استمتعت باللغة و بجمال السرد، و جرأة قد لا تفهم في الكويت و لكنها تم توظيفها في الرواية لتتناسب مع احداث الرواية