لم لا نلتقي؟ يقترح عليّ "هنري ميلر" في إحدى رسائله، وبعد أسبوعين وجدت نفسي عنده، أمام فيلته البيضاء الهادئة، عند الطرف الآخر من العالم، وذلك خلال شهر فبراير من عام 1979. مروري صادف إنتهاء الشتاء وبداية فصل الربيع، وهذا له دلالة رمزية عن العبور من أسطورة ميلر إلى ميلر بلحمه وعظمه وروحه، كنت قد دخلت عالم ميلر الأدبي من خلال باب (مدار السرطان).
وكانت بالنسبة لي رَجَّة عنيفة وأنا في العشرين من العمر، هذه الرحلة في أقاصي التفسخ، هذه اللغة الفجة والمتوهجة التي تنسحق إلى حدود الرغبة.
خلال السنوات التي تلت قرأت كل أعمال ميلر من (الوشيجة: الصلب الوردي) إلى (أرق) وتوقفت عند رائعته (أعمدة الماروسي)، بعدها كتبت له رسالة، عشرات الأسطر، أشكره فيها ببساطة على أعماله وحياته.
لم أكن أنتظر أي رد لأنه لم تخطر ببالي أية إمكانية لمحاورة ميلر، وها أنذا أحكي في صفحات هذا الكتاب عن مجمل الأحداث التي حصلت عندما كنت في ضيافة "هنري ميلر".
Pascal Vrebos , born on May 26 , 1952 in Brussels , Belgium , is a Belgian radio and television man , but he is also an award-winning playwright and a teacher. He was a member of the High Council of Justice in Belgium in 1999-2008 .
الكتاب عبارة عن حوار طويل ، شيّق و حميمي . باسكال فريبوس هو أحد عشاق ميللر الأوروبيين . قرر أن يرسل ما يعبر عن إعجابه بأسطورته المفضلة ميللر . كان قد بلغ هنري آنذاك الرابعة و الثمانين ، لا يعيش عزلة تامة و إن لم يعد يخرج من البيت إلا نادراً فهو يؤكد على أنه يسافر في داخله ، في رأسه تحديداً و هذا أقل إرهاقاً و أكثر غنى على حدّ قوله . و لأن الحظ ابتسم بل ضحك ملء شدقيه لفريبوس وجد في بريده رسالة من ميللر . فكر أنها مداعبة ثقيلة و بعد أكثر من رسالة وجّه إليه دعوة كما لو كان صديقاً من أيام الطفولة قائلاً ببساطة لم لا نلتقي .
لم يتأخر فريبوس كثيراً و قد أحسن صنعاً بذلك حتى لا يندم طيلة حياته فأسطورته غادرت الدنيا بعد ذلك بأشهر قليلة و كانت ساعات الحوار الطويلة بين كاتب مبتديء و أحد أشهر الكتاب في القارة الأمريكية والعالم . الحوار أو السيرة الحوارية كما هو مكتوب على الغلاف أقرب إلى الثرثرة منها إلى الحوار الصحافي . هنري يتحدث بسلام كبار السن بعد حياة صاخبة و خمس زيجات فاشلة و غربة طويلة و شهرة متأخرة جداً - لم تنفق عليه كتبه إلا بعد الستين - غير أن هنري بدا متمسكاً بآرائه التي نثرها في كتبه فمازالت أمريكا هي كابوس مكيف الهواء و الحضارة التي تسممت و مازال ينبذ التعليم بل يحتقره و يطالب بالشجاعة و الروح عوضاً عن ذلك تحدث أيضاً عن رامبو و زمن القتلة و هو أحد كتبه الأثيرة ، تحدث عن الكتابة و الحياة و المرأة - من السهل تخمين ذلك - عن الموت أيضاً فهو يؤكد أن إحدى قدميه في القبر و أن ليس هناك أكثر من 3 سنوات على أبعد تقدير و مع ذلك فقد كان يوشك على ارتكاب حماقة جديدة - لم يسعفه التوقيت على ما يبدو - فقد كان عاشقاً لممثلة ثلاثينية . كم هو مغرم بالحياة و إن أنكر رغبته في العودة شاباً مرة أخرى ، في مطبخه مثلاً كتب بخط عريض " لا للحمية من فضلك " بينما على باب بيته :
عندما يكبر شخص ما ويكون قد أدى واجبه على هذه الأرض له الحق في أن يستعد للموت بسلام فهو ليس بحاجة لرؤية الناس لقد رأى منهم ما يكفيه فلا فائدة من الذهاب لرؤيته وإزعاجه بالثرثرة والسخافات يجب أن نمر ببيته وكأن لا أحد بداخله !
الكتاب هو عبارة سيرة حوارية والكاتب كان قد أرسل رسالة يشكره على أعماله ولم يتوقع أن يرد عليه هنري بل أن يجري معه محاورة كان هنري بالنسبة له خيالا بل أسطورة رجل خارق تبادل فريبوس الرسائل مع هنري ثم اتفقا على اللقاء
يقول الكاتب أنه خلال بضع ساعات من الحوار ظل صوت هنري يجلل في رأسي مثل قصة خيالية الذكريات وحدها تبقى غير حقيقية الحوار كان راقيا جدا ولقد سعدت بهذه الروح أعجبت بها جدا يتضح من الحوار كم كان حنونا جدا ومسالما حتى مع النقد الذي نقله له المحاور كتابات هنري حققت نجاحا متأخرا ميلر عاش أكثر من ثلاثين عاما هائما في أوربا بعيدا عن وطنه الأصلي يبحث في القمامة عن كسرة خبز حتى حفظ شوارع باريس شارعا شارعا , عمل سائق حافلة وعاش حياة صعلكة استعرض شيئا منها في هذه السيرة الشيقة , كما تحدث عن بعض علاقاته رأيه في السياسة الحرب علاقته بزوجاته والده الجنس في كتاباته يقول هنري الذي كان قد بلغ الرابعة والثمانين وقت إجراء هذا الحوار : عندما يكبر شخص ما ويكون قد أدى واجبه على هذه الأرض له الحق في أن يستعد للموت بسلام فهو ليس بحاجة لرؤية الناس لقد رأى منهم ما يكفيه فلا فائدة من الذهاب لرؤيته وإزعاجه بالثرثرة والسخافات يجب أن نمر ببيته وكأن لا أحد بداخله !
مات هنري بعد هذا الحوار بأربعة شهور الحوار شيق لأبعد حد
لطالما أحببت وجه هذا الرجل خصوصاً عندما يكون طيف تلك الابتسامة الطفيفة بادياً على وجهه، لأنه يذكرني كثيراً بجدي الصارم الذي نادراً ما أراه يبتسم لكثرة ما قاسى في حياته رحمة الله عليه، ولكن الصورة النادرة لذلك الوجه الباسم التي احتفظ بها في ذاكرتي شبيهة جداً بهنري ميللر وهو في سنوات شيخوخته
أعزو السبب في عزوفي عن قراءة رواياته؛ لطبيعة كتاباته التي تتخذ أحد رؤوس "مثلث التابوهات" كعنصر رئيسي يبني عليه تلك النصوص، ولذلك عندما اكتشفت هذا الكتيِّب وجدت أنه خير مدخل للتعرف عليه وتكوين انطباع عنه والبقاء بعيداً في نفس الوقت عن تلك النصوص
(لما لا نلتقي...) رد هنري ميللر ل"بسكال فريبوس" بعد العديد من رسائل الإعجاب التي أرسلها لهنري، لم يصدق أنها منه هو شخصياً إلا بعد أن تعرف على خربشات خطه على الورقة التي خط فيها الرسالة، ولهذا حزم أمتعته وسافر ليحاوره هذا الحوار الأشبه بالضيف الخفيف على نفس قارئه لتتوالى الصفحات وتفاجئنا النهاية ونشعر أننا فارقنا شخصاً عزيزاً
(أحب أن أتحدث عن أي شيء في الواقع. عندما نتحدث يذهب الكائن لاكتشاف واقعه وواقع الآخرين. الكلام عن الفلسفة أو الإله أو مقارنة المراحيض بحسب البلدان، الأديان، العصور، كل هذا يهيّج مخيلتي، ويمنحني أفكاراً جديدة - ثم إنه لا شيء يمكنه تعويض لذة الحديث والإنصات والعطاء والأخذ. لو أني كتبت كل ما قلته أو سمعته، سأكون الكاتب الأكثر خصوبة في كل العصور)
هو ثرثار محترف وأكاد أجزم أن أي شخص قرأ هذه الصفحات التي لو لم يُذكر عمر هنري ميللر فيها فإنه لن يصدق أنه تجاوز الثمانين من العمر، فتلك الروح الشابة الشغوفة بالحياة العربيدة تكاد تقفز من بين السطور، ذكرني كثيراً بزوربا اليوناني. لن أنسى التنويه عن أن طريقة تقسيم الكتاب من قِبل "بسكال" وأسلوبه في الكتابة الذي نجح المترجم في الحفاظ عليه أحد الأسباب في حميمية هذا الكتاب أو "الأصح" هذا الكتيِّب
____________________ ما بين (.....) مقتبس من الكتاب
في سنة 1979 م – سنة قبل وفاة ميلر – التقى باسكال فريبوس العشريني البلجيكي حينها بهنري ميلر في منزله، كان ميلر هو من اقترح اللقاء في إحدى رسائله، وميلر عاشق لكتابة الرسائل، يمكن لرسالة واحدة من رسائله أن تتحول إلى كتاب، كما حدث مع رسالته إلى (بيير ليسدين) والتي امتدت على مئة صفحة وضمنها في كتابه (الكتب في حياتي).
كانت عبارة "لم لا نلتقي؟" كافية لفريبوس ليطير إلى الولايات المتحدة ومعه صديقة بلجيكية، هناك زارا ميلر العجوز الثمانيني عدة زيارات، ودون فريبوس حواراته مع ميلر وآرائه وأفكاره في هذا الكتاب الصغير.
كتاب ممتع لكل المهتمين بما يكتبه هنري ميلر.
في ضيافة هنري ميلر: ١٣/ لقد انتظرت أن أبلغ الستين لكي أتمكن من العيش من كتبي ١٤/ التشرد في الأربعينات ١٧/ كراهية ميلر لأمه ١٨/ قتله لصبي في الطفولة بالخطأ وعدم شعوره بالندم على ذلك !!! ١٩/ عن الجنون والمجانين ٢٩/ عن الحب ومحبوبات ميللر ٣٦/ حب الشفقة ٣٧/ تسميته بابا الجنس، والعضو الذي صار رجلاً ٣٨/ نظرة ميلر للمرأة ٤١/ بين البورنو والفحش ٤٣/ يا للغرور !!! التماهي مع المسيح !!! كتبي أيضاً صنعت المعجزات ٤٤/ محاكمته والتبول أمام القاضي !!! ٥٤/ عن السادات وبيغن ٦٦/ لن يكون هناك أدب، التلفزيون سيلتهم كل شيء ٦٧/ عن الكتب ٦٨/ ندرس كل شيء ماعدا الحياة ٧٢/ عشقه لباريس وكراهيته لنيويورك ٨١/ اتهامه بالكذب من قبل مساعدته السابقة التي ألفت كتاباً عنه
لم اقرا لميلر من قبل ولا اعرفه وحينما قرات انه حوار بين رجلين قلت سيكون في الحوار شيء من الجلافه الا انه جاء على غير ما توقعت ثمة شخصيات سواء وقعت بحبها ام لا قلبتها ام رفضتها تحتل شيء ما بداخلك وتثيرك وميلر من هؤلاء الشخصيات مثير لان تقتحم عالمه رجل ثمانيني يوقه هوليودية ثلاثينية في حبه وجريء بكلامه عن اصدقائه فلسفته تفكيره حياته اعماله ومع ذلك فميلر هنا كان خليط من مشاعر وافكار وانفعالات وتجارب لكن غاب عنا تصوير سلوكه وردات فعله فلم يكن الا سرحانه وتامله ومثلما ما اعترف بنهاية الحوار اننا لا نتكلم الا بتانق مترعين ب��لغموض ومحقوقين بهالة القداسة وننقل ونكتب الحياة التي نحلم بها
"الأدب عمل تخيلي وقدرة سحرية للغة في علاقتها الشهوانية بالحياة. نوع من الشفاء، بعد الإصابة."
كتاب خفيف، فيه يحقق الكاتب والصحفي اليافع (حينها) باسكال فريبوس حلمه بلقاء الكاتب الكبير هنري ميلر في ايامه الأخيرة، يجري معه حوارا في عدة ايام في بيت الكاتب الشيخ متأملا حياته السابقة مع الكتابة والسفر والتشرد في انحاء العالم، فجاء الكتاب الصغير ممتعا صادقا ومركزا لا يمل القارئ اثناء قراءته القصيرة.
الصدف تلعب دورها كثيرا في حياتنا وفي كتابة سطور كتبنا، فالمؤلف كان محظوظا بأن رد على مراسلاته أحد اهم الكتاب في القرن العشرين واستقبله في بيته مثل صديق قديم، وايضا من الصدف ان ميلر في عقده التاسع من العمر يلقى اجله بعد اشهر قليلة من مقابلته وحواره في هذا الكتاب.
كان يستحق اربعة نجوم على الاقل لولا الترجمة والتحرير السيئين.
لا يرد هنري ميللر على كل رسائل عشاقه، لكنه دائماً ما يفعل أحد الأمرين؛ فإما أن يرد على الرسالة إن استفزته أو أن يقوم برسم لوحة مائية يبقيها عنده. وكانت الرسالة التي أرسلها الكاتب البلجيكي الشاب باسكال إلى ميلر قد عملت على استفزازه بالفعل فقام بالرد عليها. وهكذا توالت المراسلات بينهما إلى أن قال له ميلر ذات يوم : لماذا لا نلتقي؟
وأظن أن ما أصاب باسكال هو ما يحدث معي في كل مرة أعود فيها من أمسية لكاتب أو أشاهد مادة وثائقية عن أحد الكُتاب المفضلين لدي؛ يترنح رأسي بالانفعالات والصور المرتجة.
لم يبدأ ميلر يعتاش من وراء كتبه إلا بعد أن وصل الستين من عمره. كان فقيراً، يجوب شوارع باريس بحثاً عن كسرة خبز وكانت الحرب هي السبب الرئيسي في انتشار كتبه.
الحوار كان بديعاً وجميلاً خصوصاً أنه يجعلك تتلمس فلسفة ميلر في الحياة، النساء، ومستقبل الأدب.
لا أعرف عن هنري ميلر سوى اسمه وكتابه الذي اقتنيته عن الكتب في حياته ومع هذا الكتاب اللطيف لم أجد في داخلي أثر للحماسة كي أقرأ له أكثر كوني عرفت عن ماذا يكتب ميلر وكيف يكتب .. بشكل ما يبدو هذا الكتاب ككتاب السير لكنه بأسلوب مختلف وجميل وربما من الأجمل لو كانت كتب السير بذات الأسلوب الشيق معرفتي من خلال هذا الكتاب عن ميلر شخصه وحياته منحني نوع من التعاطف والاهتمام بذاته أكثر مما قد أمنحه له لو كنت قرأت شيئا من أعماله ^^"
حسنا..كتاب خفيف، ولو أنه كما كتب أحد اﻷصدقاء:كان من الممكن أن يستخرج المحاور من ميلر أكثر من ذلك!..على كل، ستعرف إن قرأت هذا الكتاب أن السادات أفضل من بيغن ﻷنه رضي أن يقدم تنازﻻت!، وأن ميلر ﻻ يطلق لقب شاعر على من ﻻ يكتب بقافية، وأنه جرب جميع المهن وفشل فيها، فقال:هنري، لم يتبقى إﻻ أن تجرب أن تصبح كاتبا!..التقييم نجمتين ونصف
this book is amazing , it's an intimate dialogue between pascal and his idol henry miller . although i really liked it the best part is when miller talked about love and the woman he loved in his past , this part was very captivating .
هذا الكتاب مذهل ، إنه حوار حميم بين باسكال ومعبوده هنري ميلر. على الرغم من أنني أحببته حقًا ، فإن أفضل جزء هو عندما تحدث ميلر عن الحب والمرأة التي أحبها في الماضي ، كان هذا الجزء آسرًا للغاية.
This entire review has been hidden because of spoilers.
عندما يكبرُ شخصٌ ويكونُ قد أدى واجبه على هذه الأرض، لهُ الحق في أن يستعدَ للموتِ بسلام، فهو ليس بحاجة إلى رؤية الناس، لقد رأى منهم ما يكفيه وعرفَ منهم ما يكفيه. فلا فائدة من الذهاب لرؤيتهِ وإزعاجه بالثرثرةِ والسخافات، يجب أن نمر بجانب بيته وكأن لا أحد بداخله.
لطيفة جداً هذه الحوارية .. لقاء باسكال النرويجي بأسطورته ميلر كان امراً رائعاً على كل الأصعدة وكان قبل وفاة ميلر بأشهر معدودة .. الكتاب عن حوار شيق وحميمي بين الاثنين في كل شيء .. لم يبخل باسكال في الاسئلة ولم يدخر جهداً هنري في الاجابة .. هذه العفوية والتلقائية التي ميزت الحوار بينهما هي ما تجعله كتاباً لطيفاً وبالإمكان الانتهاء منه في جلسة واحدة ..
أقسى جملة في الكتاب: وبعد شهور معدودة، مات ميلر. عن شعورك حين تقرأ لكاتبك المفضل، كتابًا مليئًا بالإقبال على الحياة.. ثم ينعاه نفس الكاتب أنه بعد عدة أشهر رحل! السلام على روحه التي مازالت تتألق في كتبه.