"ظلت رشيدة لبرهة تجوب الباتيو جيئة وذهاباً تحت أشجار البرتقال. ثم دارت ودخلت إلى الصالون الكبير أغلقت كل الأبواب ورتجتها، وأسدلت الأستار حتى تصبح الغرفة معتمة جداً. أشعلت عدة شموع ووضعتها حول المرآة. تناولت قطعة من قماش نظيفة وبيضاء وبسطتها بعناية على أرضية الغرفة غير بعيد عن المرآة. وقفت أمام المرآة، وشرعت تقيس ملابسها المذهبة والمقصبة، القفاطين والزكادين، والجلابيب. جاءت بالوسائد ورصتها أمام المرآة، ثم استلقت فوقها على قفاها لتنظر إلى نفسها في إعجاب. كانت الملابس مبعثرة في كل مكان من الغرفة، وظلت تجلب ملابس أخرى. وقد قضت بقية النهار على هذا الحال. وعند الغسق، كان الضوء الوحيد ينبعث من الشموع. ارتدت عباءتها البيضاء، وجلست أمام المرآة، وشرعت تمشط شعرها، ثم نهضت وواصلت مشط شعرها، كان شعرها يصل إلى فخذيها، إلا أن جهته اليسرى بدت لها أطول من اليمين. تناولت شفرة طويلة ودون أن تحول عينيها عن المرآة قطعت قليلاً من أسفل شعرها، وتراجعت للتأمل عملها على نحو أفضل. بعدئذ قطبت حاجبيها وقطعت قليلاً من الجهة الأخرى ولم تستحسن عملها هذا ايضاً. وظلت تقطع خصلات صغيرة من شعرها، من هنا وهناك، محاولة أن تعيد إليه سحره السابق، أصيبت أخيرة بنوبة غضب شديد مما فعلته بنفسها، فشرعت تقص شعرها بضربات متوالية من كل الجهات، وكان يسقط بكمية كبيرة على أرضية الغرفة. أصبحت رشيدة تشبه شاة مجزوزة بعد قطع شعرها. حدقت في صورتها على المرآة، وتناولت شفرة أخرى من فوق الطاولة. نظرة إلى وجهها في المرآة، وهي تحمل في كل يد شفرة، وأحدثت جرحاً بليغاً في كل خد. وعندما شاهدت الدم ينبثق من اللحم الأبيض أطلقت صرخة طويلة تعبيراً عن البهجة. ركزت نظرها في الصورة التي تعكسها المرآة، ثم أحدثت عدة جروح بليغة في وجهها. سال دم كثير، فانفجرت ضحكاً مبتهجة بالنصر.. فواصلت شق وجهها وحنجرتها. سقطت قطع من اللحم من خديها".
كان اللقاء شبيهاً بالرؤيا، وبالرغم من ذلك سكنت تلك الفاتنة ذاكرة محمد المرابط، فكانت الخيال الملهم لإبداعه من "المرآة الكبيرة".
محمد المرابط ، هو محمد بن شعيب الحجام ولد سنة 1936 و يعتبر من الروائيين الشفاهيين و الفنانين المغاربة العصاميين. وقد اشتهر اسم المرابط عالميا في مجال الرسم التشكيلي والحكاية الشفاهية على الرغم من أميته، فقد استطاع أن يحجز لنفسه مكانا في عالم الفن والحكي على السواء , بالرغم من اميته التي لم تمنعه عن تحقيق الحلم و يصبح كاتبا عالميا ، وقد تحقق له جزء من هذا الحلم الكبير ، بعد أن أصبحت أعماله الفنية والسردية مثار إعجاب العديد من الباحثين ومرجعا لهم.
الأدب الرفيع يجب أن يصل للعالمية يوماً ما، محمد المرابط هو رجلاً أمياً تماماً، تكتشفه چين زوجة بول بولز ويقدمه بول للعالم، الشاب المغربي الذي يختلق الخرافات ويحكي الحكايا ويهوى الصيد ويعشق البحر، حينما تم سؤاله عن إذا ما كان يقدم دروس في حكاياه لتنبيه الناس وتوعيتهم لبعض الأخطاء فأجاب أن الهداية من الله وأن من لا يخاف الله لن يخاف بشراً مثله، وأن الهدف من حكاياه الإمتاع فقط.
يقدم المرابط أدباً مختلفاً سمي حديثاً بأدب الرعب، لو تم تفكيك رواية المرابط لوجدناها مادة خام لمشروع رعب كامل من أعداد وحلقات.