ينتمي كتاب"الملكة والخطاط:يهود دمشق كما عرفتهم" إلى أدب القصة بيد أنه ينبض بروح الكركوزاتي الدمشقي.فالكاتب موسى عبادي ابن حارة اليهود الدمشقية،ولد فيها عام 1910ونشأ في كنف عائلة مرموقة عميدها رئيس مجمع الطائفة. يركز الكاتب على انخراط يهود حارته في البيئة الدمشقية من خلال قصص تدور أحداثها بين نهاية الحكم العثماني وبداية الانتداب الفرنسي.ويتناول عموما مكانة اليهود داخل المدينة،أو كيف يمكن لليهودي أن يمارس معتقداته وطقوس دينه من دون أن يكون معزولا عن محيطه أو منبوذا منه. يتناول موسى عبادي هذه المسألة على طريقة موسى بن ميمون الذي ناقش التوراة استنادا إلى فلسفة الفارابي وأرسطو -مثلما ناقش مجايله ابن رشد القرآن- والذي آمن بالحضارة العربية الإسلامية لدرجة أنه أجاز لليهود الصلاة في جامع،وذلك بصفته عالم دين ورئيسا للطائفة اليهودية في مصر. ظل موسى عبادي مخلصا لحارته ومدينته،بخلاف الكتّاب اليهود الذين يلعنون المدينة العربية أو يحنّونلها بلغة رثائية أخذوها عن غرب مسكون بهاجس المحرقة.فهو وإن يُسلّم بأن دمشقه لم تعد في دمشق،يقدم مدينته الام كنموذج بديل عن المدينة الحديثة التي سادت العالم على أساس اقتلاع الفرد من جذوره وجعله أداة أو وظيفة في فضاء مغفل
نجمتان ونصف للكتاب. . كتاب خفيف جدا، أدب القصص القصيرة ليهود يروي بعض من الحكايا والذكريات التي عاشها سنين طويلة في حارة دمشقية في سوريا.. يقدم المترجم الكتاب بهذا الشكل :
(والمحرك هنا سؤال يتعلق بمكانة اليهودي داخل المدينة، أو كيف يمكن لليهودي أن يمارس معتقداته وطقوس دينه جون أن يكون معزولا عن محيطه أو منبوذا منه. وهو سؤال شغل حيزا هاما من الفكر السياسي الأوروبي، بدءا من الثورة الفرنسية وإعلانها "تحرر اليهود" بإخراجهم من الغيتو ومنحهم حق المواطنة. حتى النازية التي أرجعت المواطنين من أصل يهودي إلى الغيتو وقادتهم منه إلى المحرقة ..الخ)
كتاب خفيف جدا يصلح لان تصحبه معك في الطائرة أو في غرفة انتظار لموعد .. يسرد قصص قصيرة وحكايا خفيفة وذكريات ليهودي عاش سنين طويلة في حارته الدمشقية في سوريا .. يحكي عن الحياة وكسب العيش ، عن أناس سكنو ذاكرته كما لم يسكنها أحد من قبل .. عن الغرباء وعن الباعة وعن الطيبين والنبلاء .. عن التعايش والسلم الذي لم نعد نلمس منه ولو القليل !
الترجمة جيدة إلى جيدة جدا ، أسلوبه القصيي جيد ومؤثر كثيرا في بعض الجمل التي كانت تأثر فيني وبشكل جلي مثل:
-لا نستطيع أن نطلب من الناس أن تتصرف كالبني آدمين عندما نعاملها كالبهائم
- ذات يوم انهار أبو سارة بعد جولته الأولى، جولة الشحاذ .. ولم ينس الله "الآخرين" لكن، كان للخبز الطازج المرسل إليهم من دائرة الشؤون الخيرية "طعم الصدقة". أما خبز أو سارة اليابس فكان له حسب تعبيرهم "رائحة الطيبة"
- وقبل أن ترجع إلى الوراء مفادرا البلاط الملكي عليك أ،ن تشير للسلطان إلى السماء - لم يعد هناك من سلطان - إذا تشير للملك إل السماء لتذكره باحترام من خلال هذه الإشارة بأن ملك الملوك يحكم من هناك وأنه ليس سوى خادمه الفقير
- كيف لي أن أنسى ذلك العالم الصغير حيث يبيع السمان كل شيء بالدين للطفرانين، لأنه كتب أن " أكثر ما يرضي الله ليس فتح دفتر لتسجيل ما يدينه لكم الآخرون وإنما وفاؤه بالصلوات والأعمال الحسنة بما تدينوه له " جيث كل شيء ممكن وكل الناس على حق، وحيث يقال دوما وعلى السواء للأغنياء والفقراء للشبعى والجوعى "صباح الخير" أو "مساء النور"؟
يمكنك أن تلمس نبرة الحنين والولاء، الوقوف على الأطلال ، الوقوف على الزمان الذي ذهب ولم يعد.. على أناس ذابت بينهم حواجز العقيدة والسياسة والتاريخ والعداءات والصراعات , على زمان ذهب بسلامه القليل إلى زمان فيه عداء كثير وكذب وتاريخ ملفق ..
لربما يكون هذا الكتاب أحد الكتب التي تعتبر صفعة ودليل للعالم كله أن اليهود لم يقيمو يوما في مكان بكرامتهم كما أقامو بين العرب والمسلمين في ذلك الوقت .. عندما تعذرتهم أوروبا ، عندما لاحقتهم مكاحم التفتيش ، لم يطيب لهم العيش سوا بيننا .. لكن التاريخ شوّه بفعل فاعل وتنكر الجميع وسلبت فلسطين وغيرها بدعوى ظالمة قوتها فقط أننا ضعفاء ومتفرقين ..
هذا الكتاب يعرفك على اليهودي الآخر ، غير اليهودي الذي نراه في الأخبار ، الذي نعرف أنه سلب الفلسطيني داره وأرضه ووطنه ، اليهودي الذي يعقل أن مكانه ليس أرض يسرقها أو يشتريها بغير وجه حق .. اليهودي الآخر الذي استطاع أن يتجاوز حواجز العقيدة والبيئة وينصهر في بيئة شامية محاط بجار شيعي وآخر سني ، اليهودي الذي يقرض فلسطينيا بدويا مسلما دنانير ثم يحفظ له هذا المسلم الجميل عبر أجيال عديدة يقدمون له الشكر عبر سمنة و لحمة !
هذا الكتاب يعطيك لمحة كيف أن البيئة المضيافة تشجع المقيم فيها على السلم، والانخراط في هذه البيئة بدون الانزواء على الذات والموروث ،، على أن يتصالح ويتعايش ..
أعطاني أمل بسيط في أن التعايش فعلا ممكن ، وسيحدث مرة أخرى بإذن الله .. وأن هذه الغيمة السوداء ستبتعد بعيدا وربما سنعيش بعضا من السلام الذي نحلم به في الجنة على هذه الأرض
كنت في كتاب آخر سأعيب استخدام اللفظ العامي ، لكن هنا أشجعه بقوة فهي تكريس لحقيقة انخراط الحارة اليهودية في المجتمع الشامي آنذاك بكلماته وطباعه ..
أكثر ما أعجبني من الحكايا : أبو سارة وحكاية بدو
كنت أتوقع من الكتاب أكثر لكنه خفيف جدا وأقل عمقا من ما توقعت لذلك أرى أنه مناسب للطائرة كما قلت أو في لحظات الانتظار.. ولكن في حال كنت تبحث عن دراسة تحليلة وتاريخية لليهود في دمشق مثلا فلا تتوقع الكثير ..
في مصر يعيش اليهود و النصارى مع المسلمين و لم يحاربوهم , لكن لو أخي أخذ بيتي سأقاتله , فأنا أقاتله من أجل حقي الذي أخذه مني لا لأنه يهودي .
تذكرت هذه الجملة لأحمد ياسين عندما أنهيت الكتاب , و غمرتني غمامة حزن تمكن الكاتب ببراعة أن يحملني إليها , كأني ودعت صديقاً لتوي, لربما لم أقرأ مسبقاً كتاباً بمثل هذه الخاتمة المتقنة , لا أقصد فيها نهاية الحبكة و إنما التدرج في إنهاء اليوميات بشكل متزامن مع أخر أيام الكاتب في دمشق .
نعيش مع موسى عبادي يومياته في الحارة اليهودية في دمشق في أواخر الحكم العثماني و بداية الانتداب الفرنسي . و كما تتنقل عدسة المصور بين اللقطات , يأخذنا الكاتب بأيدنا لنسبر أغوار عالمه و نرى العالم بعيونه فيحدثنا , كأي كركوزاتي , عن شخصيات مختلفة من طبقات اجتماعية متباينة , شخصيات حقيقية جداً و تشبه شخصا قابلناه ذات يوم , و تتنوع القصص فقصة طريفة تضحكنا و أخرى حزينة تؤلمنا و أخرى ذات مغزى تدعونا للتفكير و الأحداث تدور على خلفية ثابتة : الحارة اليهودية .
الرواية تبدأ بقصة الملكة صالحة ستيتة , التي قدمت الحارة و وزعت هباتها بكرم على الجميع , تلك الملكة الأمية التي اشترت مكتبة ضخمة, تقتنيها كوجاهة .. ملكة من السماء ما فتأت تحدث أبناء الحارة عن مملكتها " الوهمية " تلك التي تقع غرب بغداد و في أقاصي الصحراء , و قد أمن بوجودها بعض " أصحاب القلوب البريئة " و الذين " أغرقتهم الملكة بخيراتها " حتى جاء يوم غادرت المخادعة الحارة إلى " هناك " . تلتها قصة الخطاط يعقوب مازلتوف المشع بحب الحياة و الذي كان خطه من الجمال و الأناقة ما جعل الناس تتهافت على النصوص التي خطها من الحارة و من حلب و بغداد و القاهرة و الإسكندرية و حتى القدس . و بابه الذي بقي مفتوحاً لمشردي دمشق و كان يشكر الله الذي منحه إمكانية استقبالهم و مساعدتهم . لم يشأ الله أن يرزقه ولداً ليرث عنه المهنة , و بعد عشرين عاماً تحول عنه الزمن و قلّ العمل و أصبح فقيراً من الفقراء لا يغادر الكنيس إلا في ساعة متأخرة و يسكن في منزل متصدع قرب جيران طيبين جار عليهم الزمن , مثله . و الجيران هنا هم الفلسطينيون الذين هجروا من بلادهم قسراً .
أنا أتمسك دوما بفكرة عدم التعميم و هذا الكتاب و الكاتب الذي أعلن صراحة أنه دمشقي ينتمي للقبيلة اليهودية الثالثة عشر , يثبت قناعة لدي أن ليس كل اليهود صهاينة و ليس كل الصهاينة يهود . فالكاتب و إن بدى في انسجام تام مع ديانته اليهودية الا أنه لم يرها خارج نطاق حارته أو مدينته . و هكذا فاليهود هم إما كالملكة التي غادرت الحارة فجأة إلى مملكة أخرى أكثر حفاوة , أو كالخطاط الذي وجد ميتأً على كرسيه و بين يديه ورقه بردي بعد أن خط أول حرف من كلمة أدوناي و هي أحد أسماء الله في التوراة .
ذكر المسلمين خمس مرات في الرواية , مرة بشكل سلبي كما في قصة روزينة اليهودية التي أحبت مسلماً " ابن حرام " غرر بها فأحبته و أحبها . و بعد أن ضبطا في قبلة , تم توبيخ الشاب و أخذت الحسناء روزينة لبيت إحدى البترونات و أصبحت بنت هوى . و مرة بشكل ايجابي كما في حكاية بدو حيث يتنازل يهودي تائه في الصحراء عن نصف ما يملك من الذهب لأحد شيوخ البداوة بعد أن سقاه الماء و أخبره كيف خسر كل ما يملك بسبب الجفاف , نسي اليهودي كل شي عن حسن صنيعه ليفاجأ بعد عدة سنوات بقافلة من البدو تحط رحالها أمام بيته و معهم السمنة و الصوف و أصغر حملان القطيع و قطعة نقدية لرد الدين , رفض اليهودي القطعة الذهبية و قبل أن يصبح و شيخ العشيرة شركاء في القطيع .. أصبحا بعدها شريكان يتقاسمان الخبز و الملح في لحظة توحد تفوق كل الوصف . و مرة أخرى في " من فوق العريشة " حيث يحدثنا عن الثورة التي قامت ضد الاحتلال الفرنسي و كيف تعامل المحتل بوحشية لإخمادها , كيف عرضت الجثث في قافلة للشهداء كي يكونوا عبرة لمن يعتبر , و كيف أصابت غارة بيتهم و بيت الجيران الشيعة فجعلت من جسد ابنهم حسين أشلاءً , و أخطأت بيتهم هم بقدرة قادر , سُردت القصة بطريقة توحي أن الجميع شركاء في القدر نفسه . و مرة في قصة "ليالي الصيف " حيث يقدم أبو سالم الشربتجي المشروبات الباردة , مجاناً في بعض الأحيان , لمعتري الحارة . يقدم لموسى ( موشيه ) إبريق كبير من العرق سوس و يتقاسمانه سوياً كالإخوة . و مرة أخيرة في " علي و صيصانه " حيث يروي قصة علي الشيعي الذي رجع بساق واحد من الحرب و الذي يرد بلطف على " صباح الخير " بـ " صباح النور " .
بصورة عامة أجد أن استخدام الكلمات العامية في الروايات يفقدها الكثير من جماليتها , أما في هذه الرواية القصصية فالكلمات الشعبية التي استعملت في بعض الأحيان أضفت جواً خاصاً للرواية , جوا حميمياً يشعرك بالدفء . الكتاب مكتوب أصلاً باللغة الفرنسية مطعماً بالكلمات العربية و الترجمة رائعة و لا أول مرة أقرا نصاً مترجما و أشعر أن للنص روح لا مجرد كلمات مقتبسة من القاموس . الترجمة لـ مايا الخوري و شريف كيوان .
بعث موسى عبادي حارته الدمشقية و أهلها من اليهودوالغرباء من ذاكرته ليحي دمشقه التي لم تعد في دمشق وحارته التي اندثرت إلي الأبد .
في فصول عدة سرد موسى حكاياته عن أهل حارته عن إنتمائهم لدمشق و الحياة الإجتماعية بها, شوقهم للمسيح المنتظر أحلامهم بثورة تجلب خبز أكثر و ظلماً أقل لا يجدون لها سبيلاً الا الدعاءوالصلاة.
موسى عبادي يهودي من دمشق، غادرها إلى فرنسا في النصف اأول من القرن العشرين، ليصبح من مشاهير المقاومة خلال الحرب العالمية الثانية. في هذا الكتاب الذي وضعه في نهاية حياته، جمع عدداً من الصور العالقة في ذهنه، من حارة اليهود في دمشق القديمة، التي لم يعد ليراها في حياته والتي بقيت تائهة في روحه. Abadi Moise et un juif de Damas, qu'il quitte dans la première moitie du 20eme siècle, pour devenir l'un des héros de la résistance Avant de mourir, il écrit ce livre, ou il rassembla ses souvenir du cartier juif de Damas, qu'il ne reverra plus jamais, et qui le hantent toute une vie
كتاب يسرد، في مجموعة من القصص القصيرة، حكايا خفيفة وذكريات ليهودي عاش سنين طويلة في حارته الدمشقية في سوريا... يحكي عن الحياة وكسب العيش، عن أناس سكنوا ذاكرته كما لم يسكنها أحد من قبل... عن الغرباء وعن الباعة وعن الطيبين والنبلاء... عن السلم الذي لم نعد نلمس منه الا القليل. نعيش مع موسى عبادي يومياته في الحارة اليهودية في دمشق في أواخر الاحتلال العثماني و بداية الاحتلال الفرنسي. و كما تتنقل عدسة المصور بين اللقطات، يأخذنا الكاتب بأيدنا لنسبر أغوار عالمه و نرى العالم بعيونه فيحدثنا، كأي حكواتي، عن شخصيات مختلفة من طبقات اجتماعية متباينة، شخصيات حقيقية جداً و تشبه شخصا قابلناه ذات يوم، و تتنوع القصص فقصة طريفة تضحكنا و أخرى حزينة تؤلمنا و أخرى ذات مغزى تدعونا للتفكير والأحداث تدور على خلفية ثابتة : الحارة اليهودية . هذا الكتاب يعرفك على اليهودي الآخر، غير اليهودي الصهيوني الذي نراه في الأخبار ، الذي نعرف أنه سلب الفلسطيني داره وأرضه ووطنه ، اليهودي الذي يعقل أن مكانه ليس أرض يسرقها أو يشتريها بغير وجه حق. أسلوب الكاتب مؤثر، ينبض بروح الحارة الدمشقية. فالكاتب موسى عبادي ابن حارة اليهود الدمشقية، ولد فيها عام 1910ونشأ في كنف عائلة مرموقة عميدها رئيس مجمع الطائفة. موسى عبادي مخلصا لحارته ومدينته، بخلاف الكتاب اليهود الذين يلعنون المدن العربية أو يحنون لها بلغة رثائية أخذوها عن غرب مسكون بهاجس المحرقة. فاليهود لم يكن مجتمعا منفصلا عن المجتمع الدمشقي بل نسيج داخلي ضمن النسيج الكلي للمدينة.
اقتباسات - آمل من ثورتي كل ما يمكن تأمله من ثورة جيدة. وقبل كل شيء خبز أكثر وظلم اقل . - عند الشك، لابد من الإيمان بالمعجزات... فإما أن تتحقق المعجزة وتكونوا أول المستفيدين منها أو لا تتحق فلا تخسرون شيئا لمجرد اعتقادكم بها... فلتكن إذا معجزة ! - لا احد يطلق النار على رجل يتكلم مع النجوم . - كيف يصبح الواحد روسيا او اعجميا؟ بدفع الثمن بكل بساطة. - ثلاث دمعات مذروفة بصمت تعبر أكثر بكثير من نحيب طويل. - لا نستطيع ان نطلب من الناس ان تتصرف كالبني آداميين عندما نعاملهم كالبهائم.
ينتمي كتاب"الملكة والخطاط:يهود دمشق كما عرفتهم" إلى أدب القصة بيد أنه ينبض بروح الكركوزاتي الدمشقي.فالكاتب موسى عبادي ابن حارة اليهود الدمشقية،ولد فيها عام 1910ونشأ في كنف عائلة مرموقة عميدها رئيس مجمع الطائفة. يركز الكاتب على انخراط يهود حارته في البيئة الدمشقية من خلال قصص تدور أحداثها بين نهاية الحكم العثماني وبداية الانتداب الفرنسي.ويتناول عموما مكانة اليهود داخل المدينة،أو كيف يمكن لليهودي أن يمارس معتقداته وطقوس دينه من دون أن يكون معزولا عن محيطه أو منبوذا منه. يتناول موسى عبادي هذه المسألة على طريقة موسى بن ميمون الذي ناقش التوراة استنادا إلى فلسفة الفارابي وأرسطو -مثلما ناقش مجايله ابن رشد القرآن- والذي آمن بالحضارة العربية الإسلامية لدرجة أنه أجاز لليهود الصلاة في جامع،وذلك بصفته عالم دين ورئيسا للطائفة اليهودية في مصر. ظل موسى عبادي مخلصا لحارته ومدينته،بخلاف الكتّاب اليهود الذين يلعنون المدينة العربية أو يحنّونلها بلغة رثائية أخذوها عن غرب مسكون بهاجس المحرقة.فهو وإن يُسلّم بأن دمشقه لم تعد في دمشق،يقدم مدينته الام كنموذج بديل عن المدينة الحديثة التي سادت العالم على أساس اقتلاع الفرد من جذوره وجعله أداة أو وظيفة في فضاء مغفل.
مجموعة من الحكاوي الماتعة أولا العنوان مؤثر جدا، من البداية أعلم أنه كتاب عن حنين مغترب يهودي لحارتهـ الدمشقيّة المفقودة ..لم أفهم العنوان... لمّا بدأت قراءة الحكايات ومن الحكايات الأولى فهمت معنى العنوان؛ وشعرت أنهـ عنوان ذكي جدا وذا مغرى جميل
الكتاب يحكي عن حارة يهودية يفترض أنها دمشقية....ولولا بعض التعابير الشامية العتيقة لن تستطيع أن تحدد المكان؛ ركز الكاتب على المجتمع وعلى الزمن الماضي، أكثر من ارتباطهـ بالمحيط المجاور؛ عشت مع هذهـ الحكايات ليالي ممتعة..
في مصر يعيش اليهود و النصارى مع المسلمين و لم يحاربوهم , لكن لو أخي أخذ بيتي سأقاتله , فأنا أقاتله من أجل حقي الذي أخذه مني لا لأنه يهودي .
تذكرت هذه الجملة لأحمد ياسين عندما أنهيت الكتاب , و غمرتني غمامة حزن تمكن الكاتب ببراعة أن يحملني إليها , كأني ودعت صديقاً لتوي, لربما لم أقرأ مسبقاً كتاباً بمثل هذه الخاتمة المتقنة , لا أقصد فيها نهاية الحبكة و إنما التدرج في إنهاء اليوميات بشكل متزامن مع أخر أيام الكاتب في دمشق .
نعيش مع موسى عبادي يومياته في الحارة اليهودية في دمشق في أواخر الحكم العثماني و بداية الانتداب الفرنسي . و كما تتنقل عدسة المصور بين اللقطات , يأخذنا الكاتب بأيدنا لنسبر أغوار عالمه و نرى العالم بعيونه فيحدثنا , كأي كركوزاتي , عن شخصيات مختلفة من طبقات اجتماعية متباينة , شخصيات حقيقية جداً و تشبه شخصا قابلناه ذات يوم , و تتنوع القصص فقصة طريفة تضحكنا و أخرى حزينة تؤلمنا و أخرى ذات مغزى تدعونا للتفكير و الأحداث تدور على خلفية ثابتة : الحارة اليهودية .
الرواية تبدأ بقصة الملكة صالحة ستيتة , التي قدمت الحارة و وزعت هباتها بكرم على الجميع , تلك الملكة الأمية التي اشترت مكتبة ضخمة, تقتنيها كوجاهة .. ملكة من السماء ما فتأت تحدث أبناء الحارة عن مملكتها " الوهمية " تلك التي تقع غرب بغداد و في أقاصي الصحراء , و قد أمن بوجودها بعض " أصحاب القلوب البريئة " و الذين " أغرقتهم الملكة بخيراتها " حتى جاء يوم غادرت المخادعة الحارة إلى " هناك " . تلتها قصة الخطاط يعقوب مازلتوف المشع بحب الحياة و الذي كان خطه من الجمال و الأناقة ما جعل الناس تتهافت على النصوص التي خطها من الحارة و من حلب و بغداد و القاهرة و الإسكندرية و حتى القدس . و بابه الذي بقي مفتوحاً لمشردي دمشق و كان يشكر الله الذي منحه إمكانية استقبالهم و مساعدتهم . لم يشأ الله أن يرزقه ولداً ليرث عنه المهنة , و بعد عشرين عاماً تحول عنه الزمن و قلّ العمل و أصبح فقيراً من الفقراء لا يغادر الكنيس إلا في ساعة متأخرة و يسكن في منزل متصدع قرب جيران طيبين جار عليهم الزمن , مثله . و الجيران هنا هم الفلسطينيون الذين هجروا من بلادهم قسراً .
أنا أتمسك دوما بفكرة عدم التعميم و هذا الكتاب و الكاتب الذي أعلن صراحة أنه دمشقي ينتمي للقبيلة اليهودية الثالثة عشر , يثبت قناعة لدي أن ليس كل اليهود صهاينة و ليس كل الصهاينة يهود . فالكاتب و إن بدى في انسجام تام مع ديانته اليهودية الا أنه لم يرها خارج نطاق حارته أو مدينته . و هكذا فاليهود هم إما كالملكة التي غادرت الحارة فجأة إلى مملكة أخرى أكثر حفاوة , أو كالخطاط الذي وجد ميتأً على كرسيه و بين يديه ورقه بردي بعد أن خط أول حرف من كلمة أدوناي و هي أحد أسماء الله في التوراة .
ذكر المسلمين خمس مرات في الرواية , مرة بشكل سلبي كما في قصة روزينة اليهودية التي أحبت مسلماً " ابن حرام " غرر بها فأحبته و أحبها . و بعد أن ضبطا في قبلة , تم توبيخ الشاب و أخذت الحسناء روزينة لبيت إحدى البترونات و أصبحت بنت هوى . و مرة بشكل ايجابي كما في حكاية بدو حيث يتنازل يهودي تائه في الصحراء عن نصف ما يملك من الذهب لأحد شيوخ البداوة بعد أن سقاه الماء و أخبره كيف خسر كل ما يملك بسبب الج��اف , نسي اليهودي كل شي عن حسن صنيعه ليفاجأ بعد عدة سنوات بقافلة من البدو تحط رحالها أمام بيته و معهم السمنة و الصوف و أصغر حملان القطيع و قطعة نقدية لرد الدين , رفض اليهودي القطعة الذهبية و قبل أن يصبح و شيخ العشيرة شركاء في القطيع .. أصبحا بعدها شريكان يتقاسمان الخبز و الملح في لحظة توحد تفوق كل الوصف . و مرة أخرى في " من فوق العريشة " حيث يحدثنا عن الثورة التي قامت ضد الاحتلال الفرنسي و كيف تعامل المحتل بوحشية لإخمادها , كيف عرضت الجثث في قافلة للشهداء كي يكونوا عبرة لمن يعتبر , و كيف أصابت غارة بيتهم و بيت الجيران الشيعة فجعلت من جسد ابنهم حسين أشلاءً , و أخطأت بيتهم هم بقدرة قادر , سُردت القصة بطريقة توحي أن الجميع شركاء في القدر نفسه . و مرة في قصة "ليالي الصيف " حيث يقدم أبو سالم الشربتجي المشروبات الباردة , مجاناً في بعض الأحيان , لمعتري الحارة . يقدم لموسى ( موشيه ) إبريق كبير من العرق سوس و يتقاسمانه سوياً كالإخوة . و مرة أخيرة في " علي و صيصانه " حيث يروي قصة علي الشيعي الذي رجع بساق واحد من الحرب و الذي يرد بلطف على " صباح الخير " بـ " صباح النور " .
بصورة عامة أجد أن استخدام الكلمات العامية في الروايات يفقدها الكثير من جماليتها , أما في هذه الرواية القصصية فالكلمات الشعبية التي استعملت في بعض الأحيان أضفت جواً خاصاً للرواية , جوا حميمياً يشعرك بالدفء . الكتاب مكتوب أصلاً باللغة الفرنسية مطعماً بالكلمات العربية و الترجمة رائعة و لا أول مرة أقرا نصاً مترجما و أشعر أن للنص روح لا مجرد كلمات مقتبسة من القاموس . الترجمة لـ مايا الخوري و شريف كيوان .
هذه بعض الجمل التي أعجبتني
لا نستطيع أن نطلب من الناس أن تتصرف كالبني أدميين عندما نعاملها كالبهائم
ليس الغنى و الرخاء سوى سلفة يمنحها الله لمن يختارهم
الكتاب عبارة عن مجموعة من القصص يرويها اليهودي (موسى عبادي) عن حارته وأناسها ، ولطالما كان حديث الذكريات شجياً أعجبني بعض هذه القصص كثيراً ، كقصة أبو سارة اليهودي ، وحكاية البدو ، والخطاط .
لا أعرف إن كان لموسى مؤلفات أخرى غير هذه المجموعة التي حازت على جائزة الأكاديمية الفرنسية للقصة ، لكني لن أمانع بالقراءة لهذا الرجل مرة أخرى ، فقد أحببت فيه حديث الحنين لأيام دمشق ذاك الحديث الذي لم يأخذ طابعاً (اسرائيلياً) ، إنما كان حديثاً يعكس مدى اندماج اليهود في المجتمع الدمشقي وكيف كانوا جزءاً منه ، رغم انه حكى قصة على لسان أحد شخصياته بأن السلطان حرم رصيفاً على اليهود !
أعيب على هذا الكتاب فقط بعض كلماته العامية المحلية والتي لاتفهم أحياناً
من قرأ حارة اليهود للكيلاني سيجد شح الإبداع فيما سواه حين يقرأ عن يهود دمشق، عبادي وفي سرد ممتع غير ممل بعض حكايات حارة اليهود الدمشقية، ربما كانت الملكة والأميركاني هي أجملها وأروعها.