الآجُرِّي هو أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي، و (الآجُرِّي) بفتح أوله ممدودا، وضم الجيم، وكسر الراء المشددة، نسبة إلى قرية من قرى بغداد يقال لها (الآجُرّ)، ودرب الآجُرِّ محلة كانت ببغداد من محال نهر طابق بالجانب الغربي، يسكنها غير واحد من أهل العلم، وهو الآن خراب قاله ياقوت الحموي في معجم البلدان.
كان الآجري من المحدّثين في بغداد قبل أن يهجرها إلى مكة حيث أقام وحدث ببغداد قبل سنة ثلاثين وثلاثمائة (330 هـ)، ثم انتقل حاجا إلى مكة سنة ثلاثين وثلاثمائة (330 هـ)، فأعجبته، فقيل "انه سأل الله أن يرزقه الإقامة بها سنة، فأقام بمكة مجاورا ثلاثين عاما حتى كانت وفاته بها.
وكان مولده سنة (280 هـ) ببغداد، أو سنة (264 هـ)، وما يقوي فرضية ولادته سنة (280 هـ) قول الذهبي في السير (16/135): مات بمكة في المحرم سنة ستين وثلاثمائة. وكان من أبناء الثمانين، وعلى هذا فيكون مولده سنة (280 هـ) تقريباً.
يَتَغرّب الإنسانُ كثيرًا فِي الحياة، ولأسباب أكثر، ورُبّما كانت هجرته رغبةً مِنه فيها، أو قِسرًا حيثُ فرضتها الظروف حوله عليه وهو زاهدٌ بها. لكنّها الحياة تأتي على البعض في غفلتِهم وتقلبها غربة.
ولكن هل هذه هي الغربة فقط؟! قطعًا لا . .
إنّ أعظم ما يدهش القلب في الإسلام هو إعادة صياغته للمفاهيم وقولبتها في قالبٍ يبدو للناظر خشنَ الملمس لكنّ جوهره يضجّ بالنعيم، كالجنّة محفوفة بالمكاره هتكُ حجابها عصيان هوى النّفس، ودخولها يعني النّعيم الأبدي والخلد في التّرف. وما أقلّ حظّ من استلذّ بلذّة الدّنيا وظنّه نعيمًا، حتى انقلب عليه في الآخرة جحيما.
وما فعلته منظومة الإسلام المتكاملة في مفهوم "الغربة" يشدّ القلوب ويجعل الأذهان تشرأبّ طلبًا للمزيد مِن الايضاح. فبدايتُه غربةُ النّفس عن ذاتها، فتسعى حثيثًا لإيجادها، فتحذو حذو الرسول صلى الله عليه وسلم، فتهجر المُدن وتسهم النّظر وتعمل الفِكر، باحثةً عن أصل وجودها، عن الإله القدير الذي خلقها، حتّى إذا وجدتها تغرّبت عمّن حولها، وسارت في ركب الغرباء الأول لا تلوي إلا على بارئها، وحيدة بتوحيدها وسط عالمٍ يسوده الشّرك. قال صلى الله عليه وسلم:" بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا ، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" -حديث صحيح.
فطوبى لِمن صَلحَ حالهُ إذْ فسد النّاس، فهو العالم بينَ قومٍ من الجُهال، والحليم بين السّفهاء، تراه صامتًا واجمًا أثقله حال النّاس، غريبًا بينَ أهله لا يأنس بهم ولا يؤنس. وقدْ وصّى الرسول صلى الله عليه وسلم في مواضع عدّة على اكتساب صفة الغريب فقال:" كُن في الدنيا غريب أو عابر سبيل". وقد حثّنا القرآن على الرحيل من البلد التي لا يأمن المرء فيها على دينه ولا يقيم بحريّة شعائره، قال تعالى:" يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّٰىَ فَٱعْبُدُونِ"- العنكبوت ٥٦.
والنّاظر في تاريخ الرسالات السّماوية والتوحيد يدرك حضور معنى الغربة والرحيل في سبيل الدين والإيمان، من سيدنا إبراهيم عليه السلام وهجرته من بين قومه، وهجرة سيدنا موسى عليه السلام مع اليهود هربًا مِن بَطش فرعون، وهجرة المُسلمين مرتين إلى الحبشة ومرّة إلى المدينة المنورة. وقِصّة الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه في هربه من قومه المجوس -وهو ابن سيدهم- رغبةً في معرفة الحق.
والغريب أيضا مَن سعى في طلبِ العلم وارتحل، ومشى الأيام وسرى الليالي يطلبُ حديثًا أو معنى آية أو أيّ علمٍ يفيد دينه ويعمّر دنياه. وهذه وصيّة العلماء في نهجهم وفي قولهم، فقد قال الشّافعي رضي الله عنه في أجمل ما يكون الشّعر: ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدبِ مِنْ رَاحَة ٍ فَدعِ الأَوْطَانَ واغْتَرِبِ سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ إنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ.
وموت الغريب في الإسلام يكسبه اسم الشهيد، في الدنيا ذا أطمارٍ وفي الجنّة عاليه ثيابُ سندس واستبرق. "وسلسبيل وخمرا . . تبارك الجبّارُ يا من رأى لي غريبًا ثيابهُ أطمارُ."
وهذا كلّه لا يتعارضُ مع كون المسلم شاهد على النّاس، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر.
هذا الكتاب أخذني في رحلة غريبة،ألفتها نفسي، وتمنّت حال بعض مَن رأتهم، راغبةً برؤية وجه الكريم جلّ جلاله الذي تحبّه نفسي وتشتاقه كأنّها تطالعُ البدرَ.
"وما كتم القلب شيئا هو أولى من الشّهيق والزّفير".
غريبٌ يقاسي الهمّ في أرض غربةٍ فيارب قرّب دار كل غريب.
الغرباء، وصفٌ لهم في دينهم ودنياهم، بالأحاديث والآثار مسندةً على طريقة المحدثين إلى قائلها، وما احتف هذا المبحث من التغرب للطاعة والمعصية، مع لطائف شعرية وقصصية عن الغربة، وشرح وجمع من المصنف - رحمه ﷲ تعالى - لبعض المشكلات.
مصنفٌ فيه ذكر حال الغرباء وأوصافهم والحث على بلوغ مراتبهم وما قيل فيه من حكايا وأخبار. ومنها هذه: خرج فتىً يطلب الدنيا فتعذرت عليه فكتب لأمه: سأكسبُ مالاً أو أُرى في ضريحةٍ من الأرض لا يبكي علي سكوبُ ولا والهٌ حرَّى عليّ حزينةٌ ولا أحدٌ ممن أحب قريبُ سوى أن يرى قبري غريبٌ فربما بكى أن يرى قبرَ الغريبِ غريبُ !
التقييم ٣/٥ فجر ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٦ ٢١-٥-٢٠٢٥ رسالة قصيرة حول "الغرباء" وصفاتهم وأحوالهم وبعض قصصهم. أما التحقيق، فكالعادة من آل حمدان، بضاعته فيه مزجاة، وحواشٍ كثيرة لو حُذفت لاقتصرت الرسالة على بضع ورقات. من الكتب الموصى بها في هذا الباب: السلسبيل في قلة سالكي السبيل للشيخ تركي البنعلي، ففيها ما يشفي الصدور ويعين على فهم حال الغرباء، والأقلية، والنُزاع من القبائل. ولا شك أن قلة سالكي السبيل يلازم حال الغربة؛ فهم قليل من قليل من قليل. عند تأمل حال الغرباء في زماننا، يتجلى بوضوح أن هذا الوصف ينطبق على أهل التوحيد، القائمين بالسنة، المجاهدين في سبيل الله، المدافعين عن الإسلام وأهله، المطاردين في كل مكان لا لذنب إلا لنصرتهم "لا إله إلا الله". ورغم الملاحظات على كثرة الحواشي، فقد راقت لي كثيرًا الحاشية الأخيرة في الرسالة، والتي نقلت كلمات طيبة للشيخ حمد بن عتيق ( رحمه اللّٰه) .