للشاعر السعودي جاسم الصحيح، صدر أخيرا ديوانه الثامن، «ما وراء حنجرة المغني» بعد توقف استمر خمسة أعوام.
ويضم الديوان الصادر عن الدار الوطنية الجديدة، نحو 30 قصيدة، كان من بينها قصيدته ذائعة الصيت «ما وراء حنجرة المغني»، وهي تربو على 150 بيتا، وبالإضافة إلى الشعر، تميز الديوان، بمقدمة نثرية تحدث فيها الشاعر عن رؤيته للعالم من حوله. ويقول فيها: «إن الشاعر شأنه شأن أي إنسان في رحلته مع الحياة، ولا بد للآخرين أن يعلموا أن وراء ألحانه الجميلة جراحا عميقة شاركت في الكتابة والصياغة والأداء، وليس مجرد قوالب عروضية مملوءة بكلمات خاوية من معانيها».
ولد الشاعر السعودي جاسم محمد الصحيح في الأحساء سنة 1964 ويعمل مهندسا في شركة «أرامكو» – السعودية. شارك في المسابقات الشعرية وحصل على الكثير من الجوائز، منها: جائزة أفضل قصيدة من نادي أبها الأدبي مرتين، جائزة نادي المدينة المنورة مرتين، جازة عجمان للشعر ثلاث مرات، جائزة مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في 1998 عن أفضل قصيدة، جائزة الشارقة لمدة ثلاث سنوات على التوالي، جائزة عجمان للإبداع الشعري لأربع مرات على التوالي، المركز الثالث في مسابقة أمير الشعراء 2007.
طبع مجموعة من الأعمال الشعرية، بينها: «ظلي خليفتي عليكم»، «عناق الشموع والدموع»، «حمائم تكنس العتمة»، «أولمبياد الجسد»، «رقصة عرفانية»، «نحيب الأبجدية»، «أعشاش الملائكة».
مكان وتاريخ الميلاد: ولد ببلدة الجفر شرق الأحساء عام 1384هـ
النشأة والدراسة: - فيها نشأ و أكمل دراسته بمدرسة الجفر الأبتدائيه ومن ثم متوسطة الجفر . - التحق بشركة أرامكو السعودية و أتم دراسته الثانوية فيها - نال شهادة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من أمريكا (جامعة بورتلاند) - تعلق بالشعر في سن مبكرة كتب أول قصيدة نهاية عام 1987م بعد زيارته للمدينة المنورة.
المهنة والعمل: موظف بشركة أرامكو السعودية بمهنة "مهندس ميكانيكي"
نشرت قصائده في العديد من وسائل الإعلام المحلية والعربية - شارك في المسابقات الشعرية وحصل على العديد من الجوائز، منها: 1- جائزة أفضل قصيدة من نادي أبها الأدبي مرتين على مستوى المملكة. 2- جائزة نادي المدينة المنورة مرتين. 3- جازة عجمان للشعر ثلاث مرات. 4- جائزة مؤسسة البابطين لعام 1419هـ عن أفضل قصيدة على مستوى العالم العربي. 5- جائزة الشارقة لمدة ثلاث سنوات على التوالي. 6- جائزة عجمان للإبداع الشعري للمرة الرابعة على التوالي عام 1422هـ 7- المركز الثالث في مسابقة أمير الشعراء 1428هـ.علماً بأن التصويت كان 50% للجنة التحيكم و 50% للجمهور.
هو عضوالجمعية العربية السعودية للثقافة والفنوان و عضو النادي الادبي بالمنطقة الشرقية.
يضم الديوان قصائد رائعة وفي غاية الرقة، منها القصيدتين اللتين أفضّلهما: - آخر مقامات العشق - ما وراء حنجرة المغني بالإضافة إلى العديد من القصائد الجميلة الأخرى.
يملك جاسم الصحيح قدرات تشبيهية بليغة تخطف أنفاسي، وذكاء شعري عملاق، وقد كنت وما زلتُ أشعر به يكتب على لساني ولسان الكثيرين غيري.
الأمر الوحيد هو شعوري بقليل من التكرار في قصائد، لكثرة ما قرأت من شعره.
يجب على جميع محبي الشعر والقراءة بشكل عام أن يقرؤوا لهذا الشاعر.
الديوان يعلن ببداهة بأن شعرية جاسم الصحيح مرتكزة على اللغة وعلى اللعب باللغة ليس غير. ففي نصوصه هناك اشتغال دؤوب على حرث تربة اللغة وإخراج ما في أحشائها من إمكانات ثرية تبرز في الصياغة والاشتقاق والتوليد والتأليف والتفنن في المجاز. يأتيه ذلك بطواعية وبأقل جهد ويتم بسلاسة وتلقائية مدهشة، وكأن الشاعر يغرف من نهر جارٍ لا ينفك يتدفق بين يديه : غامرتُ بالمهرة الفصحى أُصعّدها عدواً إلى التلّة القصوى من اللغةِ للمفرداتِ لحاءاتٌ أُقشّرها على يديَّ وأحيا عُريَ مفردتي وللمحابرِ إعصارٌ أُفكّكه في النص زوبعةً في إثرِ زوبعةِ ما أتعسَ الغصنَ حظاً حين تفطمه فأسٌ ويكبرُ في أحضان مقلمتي ولما بدا الشاعر في معظم نصوصه عاشقاً للغة الشعرية وسحر هذه اللغة، فقد أصبح الشعر هوية للشاعر وصنو نفسه أكثر من مجرد وسيلة تعبير. في نص (ما وراء حنجرة المغني) تعبير مباشر وحيّ عن هذا العشق الذي غدا مذهباً للشاعر ومعتقداً وخلاصاً. وهو في مقارباته النصية يعلن عن رغبته الملحة في الخروج عن المألوف والمكرر، وجدّه في البحث عن صوته المميز والمختلف. ولعله نجح في ذلك إلى حدّ ما. يبدو الشاعر أحياناً غير قادر على السيطرة على انسياب النص. فاللغة المتدفقة تغري الشاعر باستطراداتها فيجري خلفها دون هدى، الأمر الذي يقود إلى إطالات وترهلات أسلوبية لا داعي لها. وخير مثال على ذلك نص (ما وراء حنجرة المغني) الذي حوله الاستطراد والتفاصيل إلى معلقة. وأعتقد أن الإطالة المبالغ فيها في هذا النموذج وغيره ليست في صالح النص . ولغة الشاعر فوق ذلك تبدو لغة حية ونضرة، تستقي مادتها من الحياة المعاصرة ومفردات هذه الحياة. ورغم تأثر الشاعر بالعناصر الكلاسيكية للقصيدة العربية كالحرص على الشكل العمودي في الكثير من نصوصه وكالنفس الطويل، إلا أنه يبدو معاصراً في مقارباته، منحازاً إلى التجديد في روح النص وبنائه الداخلي. أما الشكل فإلى جانب التشكيل العمودي هناك أيضاً اهتمام بقصيدة التفعيلة: كلما هطل الليلُ بالأصدقاء / وصافحتهم غيمةً .. غيمةً .. عند باب المساء شددنا حبال الكلام على أسطح أوجاعنا / ونشرنا معاً من غسيل الحكايات ما لا يجفُّ .. ربما تتذكرنا الطاولاتُ التي سترت عريها / بنسيج أحاديثنا حين كنا نفصّ فقاعات أعمارنا / ونسلسلُ خيط الأحاديث من بكرة الوقتِ مشنقة حول عنق السأم أما مسألة الإلهام لدى الشاعر فلا تنبع إلا من ذاته ونفسه وجمجمته كما يعبّر، وليس من مصدر خارجي بعيد عن الذات! وتلك الذات تبدو مهمومة بالبحث عن مرفأ ضبابي ومعتقد فكري لا تتحدد ملامحه، يسميه مرة (اليقين): " آه أيها اليقين .. لقد تفسّخ القلب من البصاق وأنا أبحث عنك في الأفكار والعقائد ". ويسميه آناً آخر (الحرية): "تعالوا نقيم عيد جلاء السلالة من قاماتنا ونسرق من صُلب النسل نطفة الحرية ". بيد أن ذلك (اليقين) وتلك (الحرية) ينقصهما الكثيرمن الرسوخ والصلابة في نصوص الشاعر وفي مجموعته الشعرية ككل! إذ تكاد تكون هذه القضية ضبابية وباهتة في جلّ ما كتبه الشاعر. ورغم أن معظم نصوص الشاعر تندرج تحت موضوع المرأة والحب، إلا أنها بدت امرأة عابرة مرتبطة بالصدفة والغزل العابر، والحب المرتبط بها ليس غير حب شهواني عابر أيضاً، لا يغذي غير الغريزة وحرارة اللحظة دون أي بعد إنساني يُذكر، إذ سرعان ما يتقوّض هذا الحب بانتهاء النص دون التفاتة أو ندم!
جاسم الصحيح، الشاعر العربي القذّ الذي نال جائزة شاعر عكاظ لعام ٢٠١٨، شاعر كلاسيكي ولا أجمل، وإن جاء في ديوانه هذا "ما وراء حنجرة المغني" شيئا من شِعري التفعيلة. ومما أعجبني من الديوان:
فأنا برغم (الأربعينَ) ما التَّشَرُّدِ ما اتَّفَقْتُ مع الطّريقْ ص ٧٤.
ما دوَّخَ الرّوحَ إلَّا عشقُ فاتِنِها.. يا واعظَ العشقِ ما للعشقِ من عِظَةِ! ص١٠٥
ومن قصيدة المُتَنبِّي .. كونٌ في ملامحِ كائن! ...
ضَرَبَ التّرابَ براحةِ الّلغةِ الّتي كَشَفَتْ على الرُّؤْيا ملامحَ فَأْلِهِ ... في تربةِ الكلماتِ عَمَّقَ حَرْثَهُ فتَنَزَّهَتْ كلُّ العصورِ بِحقْلِهِ ... فأنا المشرَّدُ في متاهةِ فجوةٍ بين أفعالِ دمي وقِلَّةِ فِعْلِهِ ... أيُّ الهواجسِ - منذُ ألفِ فجيعةٍ - ما زالَ باسمِكَ ممعِنًا في شُغْلِهِ؟! ص ١٢٣، ١٢٥، ١٢٧ و١٢٨
ما الحبُّ؟ قلتُ: وأَوْجِز قالَ لي: جَرَسٌ في القلبِ لم نَتَعَلَّمْ كيفَ نَقْرَعُهُ ص ١٣٩.
هممت بقراءته ومن الصفحة الأولى في التقديم وبعد الإهداء مباشرة .. قرأت ما أثار حفيظتي وصدني عن قراءته فتوقفت ولم تعد لي نية بإكماله أو حتى الاحتفاظ به.. ربما سيكون حطبًا للشتاء القادم :)
من أبدع ما قرأت من دواوين. وأظل أعود له باستمرار. والديوان ككل يدور حول هواجس الأربعين. فيتأمل الشاعر في مراحل حياته وفي أفكاره وفي العالم من حوله، بلغة جميلة جدا، وأخيلة مبتكرة، وتراكيب لغوية مبدعة، وموسيقى رائقة.. ديوان يستحق القراءة مرارا وتكرارا..