أبو الفتح عثمانُ بن جِنِّيْ المشهور بـ «ابْنِ جِنِّيْ» (322- 392 هـ / 941- 1002 م) عالم نحوي كبير وأحد أئمَّة العربية، لُقِّب بفيلسوف النحو، واشتَهَر بكتابيه "الخصائص" و"سر صناعة الإعراب". ولد بالمَوصِل عام 322 هـ، ونشأ وتعلَّم النحو فيها على يد أحمد بن محمد الموصلي الأخفش،(1) ويذكر ابن خلكان أن ابن جني قرأ الأدب في صباه على يد أبي علي الفارسي وتوثقت الصلة بينهما، حتى نبغ ابن جني بسبب صحبته، حتى إن أستاذه أبا علي، كان يسأله في بعض المسائل، ويرجع إلى رأيه فيها. ومع أن ابن جني كان يتبع المذهب البصري في اللغة كان كثير النقل عن أناس ليسوا بصريين في النحو واللغة، وقد يرى في النحو ما هو بغدادي أو كوفي، فيثبته.
التقى ابن جني المتنبي بحلب عند سيف الدولة الحَمْداني كما التقاه في شيراز، عند عَضُد الدولة وكان المتنبي يحترمه ويقول فيه: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس، وكان إذا سئل عن شيء من دقائق النحو والتصريف في شعره يقول: سلوا صاحبنا أبا الفتح». ويعد ابن جني أولَ من شرح أشعار ديوان المتنبي، وقد شرحه شرحين الشرح الكبير والشرح الصغير، ولم يصل إلينا في العصر الحديث سوى الشرح الصغير. كان ابن جني يثني دومًا على المتنبي ويصفه بشاعرنا فيقول: «وحدثني المتنبي شاعرنا، وما عرَفته إلا صادقًا». وكان كثير الاستشهاد بشعره، وإذا سُئل المتنبي عن تفسير بعض أبياته كان يقول: «أسالوا ابن جنِّي فإنه أدرى بشِعْري مني». بلغ ابن جني في علوم اللغة العربية من الجلالة ما لم يبلغه إلا القليل، ويبدو ذلك واضحًا في كتبه وبحوثه التي يظهر عليها الاستقصاء والتعمق في التحليل، واستنباط المبادئ والأصول من الجزئيات. اشتَهَر ببلاغته وحُسن تصريف الكلام والإبانة عن المعاني بوجوه الأداء، ووضع أصولا في الاشتقاق ومناسبة الألفاظ للمعاني.
عاش ابن جني في عصر ضعف الدولة العباسية ومع ذلك فقد وصل ابن جني إلى مرتبة علمية لم يصل إليها إلا القليل، وكانت وفاته سنة 392 هـ.
أبو الفتح عثمان بن جني، من أئمة اللغة وعلمائها، عاش في القرن الرابع الهجري، وكان يقرئ الناس النحو في جامع بالموصول وهو لا زال في سن صغير، فمر بهذا الجامع شيخ في اللغة يُقال له أبو علي الفارسي، ووجده مقصرًا في طرح إحدى مسائل النحو فقال له كلمة، بسببها لازم ابن جني هذا الشيخ أربعين سنة. قال له: زبّبت وأنت حصرم. والحصرم هو العنب في أول مراحله حينما يكون أخضر، فإذا أصبح يابسًا سُمي زبيبًا، فهو يقول له: لقد جعلت من نفسك زبيبًا وأنت حصرم، أي ما زلت صغيرًا على جلوسك للناس وتعرضك لهذه المسائل، وصار هذا المثل يُضرب في كل من تقلد رتبة وهو لم يستحقها بعد. شرح ابن جني ديوان المتنبي وكان المتنبي إذا سُئل عن مسألة لغوية في شعره يقول "عليكم بالشيخ الأعور ابن جني، فسلوه فإنه يقول ما أردتُ وما لم أرد"، لكن أعظم مؤلفاته هو كتاب الخصائص، وهو كتاب لا يُنصح بقراءته لغير المتخصصين في اللغة العربية، ليس لأجل طوله فقط والذي يقع في ثلاثة مجلدات، ولكن لوعورة كثير من المسائل ودقتها على غير المتخصص، فهو لا يدرس اللغة من الناحية النحوية والإعرابية التي تعلمناها ولكنه يدرسها أيضًا من حيث بنيتها وأسرارها. فلئن كنا قد تعلمنا أن المرفوع يُعرب بالضم والواو والمنصوب والمجرور بالياء والفتحة والكسرة، فإن ابن جني يشرح في هذا الكتاب لم اختارت العرب الضمة والواو علامة للرفع ولم لم تختر الفتحة والكسرة. ومن المواضيع التي تعرض لها ابن جني في الخصائص متى تحذف العرب أو تستبدل حرفًا في كلمة وما الفرق بين قال وتكلم، ومتى تستجيز العرب الخروج عن قواعد النحو في الشعر، وكل الأسرار الكامنة في ألسنة العرب، وفي أول الكتاب عرّف اللغة وكيف نشأت اللغة الأولى، وهل كانت اصطلاحًا توافق عليها البشر أم إلهاما من الله، خُلق الإنسان معها. ومن أمتع فصول الكتاب ما خصصه في علاقة اللفظ بالمعنى، ومن أمثلة ذلك صعد وسعد والتي كلها تشترك في معنى الارتفاع والصعود ولكن العرب جعلت الصاد للارتفاع الحسي المُشاهد وجعلت السين للارتفاع النفسي، لأن صوت الصاد أقوى من السين فناسب أن يكون للارتفاع الحسي المشاهد.
منطيق العربية الأكبر أبو الفتح عثمان بن جِنّي .. الباحثالأبرزُ عن علل العلل وبيان موقع النحو بين العلوم العقلية .. الكتابُ ضرورةٌ للوقوف على هذا المستوى البديع من الفكر الذي وصلت إليه الثقافة العربية، إلاّ أنَّ هذا لا ينفي كونَهُ ترفًا لا أظنُّ كثيرين يصبرون على تحصيل لذائذه عبر معاناة مصاعبه .. اصطدمتُ بابنِ جنِّي للمرة الأولى وأنا بعدُ طالبٌ بالثاني الإعداديِّ في حصَّةِ تغيَّب عنّا فيها المدرّس الأساسيُّ وحاضرَنا مدرسُ العربية الاحتياطيُّ (أ/ محمد غريب) ذلك الموسوعيُّ واسعُ الثقافة،وأتحفنا بنبذةٍ بسيطةٍ عن نظرية الاشتقاق الأكبر لصاحبها ابن جني، فانبهرتُ بالنظرية وصاحبها .. ربما تندرجُ النظرية في التكهنات التي لا ترقى إلى مستوى القواعد العلمية للغة، لكنَّ مُنجَزَ ابن جنّي حول هذه النظرية وفوقها ودونَها عظيمٌ جديرٌ بالاطّلاع عليه والإفادةِ منه .. رحم اللهُ ابنَ جنِّي ونفعنا برُقِيِّ فكره
وكأنما كان ابن جني يُحِسُّ ضَعَة عند الناس أنْ لم يكن مِن أصل عربي، فعُني أن يُفصِح عن نفسه، ويَذكر أن عنده ما يُعوِّضه هذا النقص؛ وذلك إذ يقول من قصيدة طويلة: فإن أُصبِح بلا نسَبٍ فعِلمِي في الورَى نَسَبِي على أنِّي أؤولُ إلى قرومٍ سادةٍ نُجُبِ قياصِرة إذا نطَقُوا أرمَّ الدهرُ ذو الخطبِ أُولاَكَ دعا النبيُّ لهم كفَى شرفًا دعاءُ نَبِي
This entire review has been hidden because of spoilers.