انضم إلى مكتبتي مؤخراً كتاب "الميثاق" لجمال عبد الناصر، منتقلاً من مكتبة خالي الراحل، عليه رحمة الله. أعادني منظر هذا الكتاب إلى إحدى الأمسيات في مدينة تعز. كان ذلك قبل خمس عشرة عاماً. كنت معه في ديوانه بمفردنا، فأردت أن أقطع الصمت، وأن أشبع فضولي، وأن أترك انطباعاً حسناً، فسألته عن فِكر جمال عبد الناصر. كان خالي ناصرياً عتيداً، رجلاً من القلائل الذين يخلصون لفكر يعتنقونه، أو شخص يحبونه، أو بلد ينتمون إليه.
توقعت، كما هي عادته، أن يطرق برأسه، ويشبك أصابعه، ويبدأ حديثه بعبارة: "أقول بأنه..."، لكنه همهم بكلام غير مفهوم، ولاذ بالصمت، ولم نلبث إلا أن نسينا السؤال والمسؤول عنه، أو هكذا ظننت.
بعد بضعة أيام، فوجئت بخالي يستدعيني إلى غرفة خالية. تبعته فألفيت كومة صغيرة من الكتب. أشار إليها بحزم، وأخبرني بأنها مجموعة من النصوص التي تمثل توجهات الزعيم المصري، أو تتكلم عن حقبته، أو تؤرخ لمسيرته، وأنني إذا أردت أن أعرفه بشكل جيد ومحايد، فعلي أن أقرأ ما كُتب عنه بنفسي، شريطة ألا يؤثر ذلك على دراستي. دُهشت لفكرة أن يتركك الشخص لتبحث بنفسك، بدلاً من أن يؤخذ على عاتقه مهمة الأدلجة، تلك المهمة الأثيرة لدى أغلب المنتمين لهذا التيار أو ذاك. اخترت هذا الكتاب، كونه أخفهم حجماً، وأن الكاتب هو الشخص الذي نشدت عنه. علمت لاحقاً أنه لم يكن كاتبه، لكن ذلك لم يعد مهماً.
في عام 2015، وبينما كنت أتصفح مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، وقعت عيناي على صورة لجسد خالي ملفوفاً بكفن، والناس تشيعه. لم أستوعب ما حدث، ولكن الخبر كان صحيحاً، وتلك كانت الطريقة التي وصلني بها الخبر. لم أكن مستعداً لفراق ذلك الرجل العزيز، ولكن من منا مستعد لفراق أحبابه؟ لخالي أيادٍ بيضاء عليّ وعلى الكثيرين من الطلاب، وأهالي القرى، وعابري السبيل. كان رجلاً خيراً يمزج الرقة بحدة الطباع بشكل منقطع النظير.
انتقل هذا الكتاب، يحمل كلماته في طياته، دون أن يدرك من يمتلكه ومن يقرؤه. رحل عبد الناصر، وغادرنا خالي، وسوف ألاقي حتفي يوماً ما. أما هذا الكتاب فسيبقى شاهداً على أن الكلمة المكتوبة أطول عمراً من كاتبها، وأشد تأثيراً من صاحبها، وأنها إحدى وسائل الآدمي الفاني لتحقيق أدنى أشكال الخلود.