"الرحلة البيلوروسية في عهدين" الإصدار الروائي الثاني للكاتب والباحث الفلسطيني "فايز رشيد"، وهو رواية "حول أدب الرحلة". وفي هذا العمل يذهب الروائي إلى نمط جديد في حقل الرواية بمزج سلس بين الخاص والعام ومن خلال استعراض أهم المحطات في حياته التي ارتبطت بالاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وآثاره المدمرة على الشعب الفلسطيني، وبحركة المقاومة الفلسطينية لهذا الاحتلال الغاشم. ومن ثم السجن والإبعاد من الوطن والدراسة في الاتحاد السوفياتي. ومن ثم تخرجه وعودته للعمل في إحدى المخيمات الفلسطينية بالقرب من العاصمة الأردنية، عمان. وعلى درب الآلام، يواصل رشيد مشواره فيصل إلى بيروت، حيث تزوج من المناضلة الفلسطينية "ليلى خالد". وعند هذا المنعطف يقع عدوان عام 1982 الإسرائيلي على لبنان، فيهب رشيد الطبيب إلى معالجة الجرحى، وليخرج مع من خرجوا من المقاتلين هو وزوجته الحامل إلى سوريا، حيث يتابع الزوجان حياتهما هناك، ويرزقان بابنهما الأول ومن ثم بالثاني. ثم يذهب رشيد إلى الاتحاد السوفياتي للتخصص هذه المرة، ويبقى خمس سنوات ويغادر البلد الذي يشكل إحدى القوتين العظميين في العالم، وهو على وشك الانهيار. يسجّل الروائي، في عمله هذا مرحلة أمدها سبعين عاماً تبدأ بزيارات منفردة وأخرى مع العائلة إلى مدن كثيرة سوفياتية وأخرى في بلدان اشتراكية، قبل وبعد أربعة عشر عاماً من الانهيار. ويسجل بعين الباحث والسياسي أسباب الانهيار، كإنسان عاش التجربة عن قرب، فيعكسها كما دارت دون زيادة أو نقصان، متطرقاً إلى البيريسترويكا والغلاسنوست اللتين جاء بهما غورباتشوف. حتى يكاد القارئ يشعر معه أن ما جرى كان حتمياً؛ ومن ثم يكشف عن التغييرات الحديثة، والنمط السائد للحياة الاجتماعية والسياسية في العهد الجديد. يقول الروائي الفلسطيني "رشاد أبو شاور" في معرض تقديمه للعمل: فايز رشيد بعدته الفكرية والأدبية وبمعايشته للأحداث ومعرفته ببلاد درس فيها وعرف أسرار حياة ناسها، وشاهد تحولاتها الحادة، يكتب رحلته متمثلاً جدّه "ابن فضلان" في رحلته الشهيرة التي حملت اسمه (...) ويستطرد أبو شاور قائلاً: إذا كانت جوانب كثيرة في حياة فايز رشيد مأسوية داكنة، فإنه بروحه الصلبة يتجاوزها، ونراه فرحاً مرحاً. وهنا سر ديمومة تحمله وتعلمه وعطائه وحبه للناس، وبخاصة أبناء وطنه المنكوبين المعذبين. عزيمة فايز رشيد أكسبتنا رحلة جديدة هي (رحلة ابن رشيد) في بلاد كثيرة وأزمنة عجيبة". وما بين السرد والحوار تنضح رحلة ابن رشيد بمخزون ثر، وتعكس خلفية معرفية نظرية، وممارسة صلبة، نتلمس تفاصيلها الصغيرة الغنية بالدلالات، نتأملها، ولا يسعنا سوى أن نشاركه فيها حزناً، وألماً، وفرحاً... يذكر أن "فايز رشيد" عُرف كباحث، وكاتب سياسي، وقاص وروائي صدرت له العديد من المؤلفات والكتب، ومنذ عام صدرت له رواية "وما زالت سعاد تنتظر" والتي لاقت صدى واسعاً واستحساناً كبيراً في الوطن العربي. و"الرحلة البيلوروسية في عهدين" إضافة جديدة إلى الرواية العربية وإن بنمط جديد هو: أدب الرحلة.
ربما بسبب عمق التجربة الإنسانية فيها، نادراً ما أجد كتب الرحلات مملة، حتى المكتوب منها بطريقة سيئة، أجد لها وجهاً من المتعة، ففكرة أن إنسان ذهب إلى أماكن لم أذهب إليها، وخاض تجارب، وعاد ليحدثني عنها، حتى ولو لم تكن لديه الذلاقة الكتابية، والقدرة على إبراز تجربته بأسلوب جذاب، هذا وحده يكفي، ليجعل الكتاب مقروءً.
فلذا قد أتردد في الحصول على رواية، أو كتاب فكري، ولكني لا أتردد في الحصول على كتاب رحلات، هناك مكان دائم في مكتبتي له.
وهذا أحد كتب الرحلات الجميلة، جميل في حجم التجربة المبثوثة فيه، فالرحالة أولاً من فلسطين، وهذا يعني أنها رحلة لا تنتهي، فهذا هو قدر هذا الشعب ومأساته، التي لا أظن أننا سنفهم عمقها أبداً، حتى ولو جعلنا القضية شعاراً لنا، فلذا عندما يقول المؤلف في عبارة تبدو عابرة وهي ليست كذلك، بأنه التقى أخوه لأول مرة منذ عشرين عاماً !! يمكننا أن نقترب قليلاً من فهم حجم التشتت الذي عاشه في حياته، وعندما يحدثنا دائماً بشكل عابر عن مساعيه، للحصول على جنسية، وتعديل أوضاع أبنائه الذين يحملون جنسية بلد لم يعيشوا فيه أبداً، إنها حكاية الفلسطيني التي لن نفهمها أبداً، لأننا لم نعشها.
ولكن هذا كتاب رحلات، خصصه المؤلف لرحلتيه إلى بيلوروسيا، والمؤلف عاش في روسيا وبيلوروسيا عندما كانتا تحت جناح الاتحاد السوفيتي، عاش هناك طالباً متخصصاً في الطب الطبيعي، والتجربة التي سيحدثنا عنها، ليست تجربة سائح عابر، محصوله مشاهدات عاجلة، وصور قليلة، وإنما رجل قضى سنوات طويلة يعيش في مينسك، يعايش البيلوروسيين، وما يمنح تجربته قيمة إضافية، هو أنه زار بيلوروسيا عندما كانت دولة اشتراكية، ونقل لنا شكل البلد والنظام في تلك الفترة، ومن ثم زارها مرة أخرى بعد سقوط الاتحاد السوفيتي واستقلال بيلوروسيا، فنقل لنا التغيرات التي حدثت للبلد.
والتغيرات التي ينقلها لنا المؤلف تمس الوضع الاقتصادي، حيث ارتفعت الأسعار، وظهر المتسولون في الشوارع، وظهرت البغايا، وبدأ الناس يستعرضون أموالهم، فيما كان الوضع تحت الدولة الاشتراكية كما ينقله المؤلف، يبدو معقولاً بالمساواة بين الناس، وكفالة الدولة للفقراء، ولكن غياب الحرية، جعل التجربة الاشتراكية وقرارات الحزب كالمقدسات، لا يجوز نقدها، وهذا ما أسقط التجربة ككل في النهاية، والمؤلف ينقل لنا بكل أمانة أن جميع البيلوروسيين الذين التقى بهم في العهد الثاني، لا يحنون للعهد السابق، بل يرون الحرية أهم من الاقتصاد، وكما قيل ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
سرد جميل وبسيط ينقلك الي الاتحاد السوفيتي وخاصة الي روسيا البيضاء. و من خلال السرد تتعرف علي مزايا وأمراض المجتمع الشيوعي. تجربة غنية جدا. للحظات تحسرت علي منحة الطب التي توفرت لي للدراسة في كازخستان و رفضتها و لكن كان ذلك في النصف الثاني من التسعينات حيث كان الاتحاد السوفيتي المتفكك الي ١٥ دولة يرجع كثير من الطلاب الذين فشلوا في اكمال دراستهم و بعض الطلاب عاد في توابيت. شكرا د. فايز علي سرد هذه التجربة الغنية.