دراسة مصغرة في آداب السلوك عندالمصريين القدماء التي يصفها الحكيم بتاح حتب "إنها الأقوال التي صيغت في أسلوب جميل ووردت على لسان الوزير..لكي يكون فيها ثقافة ..ومعرفة..وتعليما لأصول السلوك والحديث الممتع". ولذلك كان موضوع الكتاب شيق بالنسبة لي وخفيف في الطرح والعرض حيث عرض الكاتب أقوال على شكل تعاليم ووحكم ووصايا وشكاوى منها شكاوى الفلاح الفصيح التي جاءت في صورة أدبية غاية في الفصاحة والبلاغة في عصرها. يقسم المؤلف الآداب إلى ثلاث أقسام، آداب ظهرت في عصر الدولة القديمة وهي تمتازبالبداوة والجفاف والدولة الوسطى تميزت بالصقل والنقاء والوضوح وعهد العمارنة التي جاءت فيه الآداب بلغة الحديث الدارجة وعصرالرعامسة الذي انتشر فيه التعليم فجاءت فيه الآداب على جانب كبير من التعبير، ويعرض لكل عصر سماته وخصائصه ونماذج من تلك الآداب للكل عصر من العصور على أن الدولة الحديثة قدبلغت من الترف والتقدم ماجعل الآداب فيها تأخذ شكل الشعر ويضع المؤلف في آخر الكتاب فصل يطرح فيه رؤيته ويعنون له ب (نظرة لها مكان بين صفحات الكتاب) ويرى فيها أن الأدب المصري هو الذي أثر على كل المدنيات التي تلته وهو زارع كل المدنيات في الحضارات ويدلل بذلك من خلال الشواهد الشعرية التي ظهرت بعد الدولة المصرية ومنها الشعر العربي. مثل شعر عمر بن أبي ربيعة وجميل بن معمر وغيرهم على ان الأدب المصري القديم هو الذي غرس تلك المعاني وأخذت عنه المدنية الإغريقية والبابلية وأن مصر لها أدب قومي قديم أقدم من الأدب الإغريقي المعروف بكتابات هومر لأن الأدب المصري القديم معروف تاريخه وأن الأدب المصري له السبق في اختراع الأقصوصة لأن المصري القديم كان يريد الادب لذاته يريد غذاء للروح وإشباع النفس الصافية بسمو التعبير وعلو المعنى .لأن صناعة الألفاظ مع عذوبتها كانت تحتاج إلى جهد للوصول إليها. وهذه بعض من النصوص التي كتبها المصري القديم وتمتاز بالعذوبة والجمال (أعجبتني). وصايا الحكيم آ(ني )مرشدا ولده إلى مقومات السعادة في الأسرة قائلا له" لاتقس على زوجتك في دارها إن أدركت صلاحَها ..ولاتسألها عن شيء أين موضعه..إذا تخيرت له وضعه الملائم..افتح عينيك وأنت صامت تدرك فضائلها..وان شئت أن تسعد فاجعل يدك معها وعاونها .." ومن حكمة وآداب (أمنموبي )في فن الحديث:"قد يستر الصمتُ حمقا..وقديفضل البكم زلق اللسان ..وآية الحكيم فمه ..إنما يأتي التعليم بعد رقي الخلق ..ولاتقل لإني عالم وتفرغ للعلم ..ورفيق الغبي غبي..ورفيق الحصيف حصيف..ورفيق الأبله أبله.." ومن حكمة بتاح حتب:"إذا أحببت أن يجمل سلوكك ..وأن تبرئ نفسك من كل سوء..فاتق لحظة جحود القلب...فإنه داء وبيل مستعص..ولن تنشأ ثقة به..وهو يعكر صفوالصديق الصدوق..ويقصي الثقة عن مولاه ويسئ إلى الآباء والأمهات والأخوال ..ويطلق زوجة الرجل ..وإنه مجمع كل الشروروعيبة كل مايعاب..فأيمارجل استقامت له طريقه وسار وفق سبله القويمه ..فهو بذلك يُورّث..أما قاسي الفؤاد فلامثوى له". ومن شكوى الفلاح الفصيح التي كتبت في الدولة الوسطى وهي عبارة عن تسع خطب جاءت في ثوب شكاوى من أبدع وأروع ماقيل بسبب حادث ظلم وقع لهذا الفلاح. يقول "أقم العدل لرب العدل، الذي أصبحت عدالته موجودة، أنت أيها القلم وأنت أيتها البردية، ابتعدوا عن عمل السوء، وعندما يكون الحق حقا فهو إذن حق لأن العدل أبدي، ويذهب مع من يعمله إلى القبر وسيدفن وتطويه الأرض أما اسمه فلن يمحى من الأرض بل سيذكر بسبب الحق وهكذا عدلُ الله في كلمته".
يتناول الكاتب آداب المصريين القدماء، حيث يروي القيم والتعاليم عبر نماذج أدبية وحكم من رسائل الحكيم "بتاح حتب" و"أمنموبي"، مما يضفي طابعًا عمليًا وعمقًا ثقافيًا .
يناسب القارئ العام أو من يبحث عن مقدمة موجزة في الأدب المصري القديم، لأنه لا يحوى تفاصيل تاريخية معقدة كما يعرض تطور آداب السلوك عبر العصور مع إبراز سمات كل مرحلة ، لكنّه يظل تمهيديًا أكثر منه مرجعًا أكاديميًا.
يستحق القراءة لمن يبحث عن أساس لفهم الحكمة والسلوك عند المصريين القدماء، ويمكن البناء عليه لتوسيع المعرفة عبر مصادر أكثر تخصصًا.
موضوع الكتاب فعلا شيق وجديد، وهو ان نتعرف على سلوك المصريين القدماء، وان نتقرب من الحياة الاجتماعية للشعب المصري فى العصور السحيقة. لكن تناول الكتاب لم يكن شيق كاسلوبه بالقدر الذي يخلبك عقلك او يظهر كانه دراسة علمية متعمقة. افضل ما فى الكتاب هو ابراز الهوية الادبية فى الفن المصري وهو ما يجعلك تتعرف على جزء جديد عليك فى حضارة المصريين القدماء. ومن امتع ما حاء فى الكتاب هو ترجمات النصوص الاخلاقية والادبية للشعر والادب الاخلاقى المصري مثل رسالة امنومبي وبتاح حتب. وستلاحظ ايضا التواتر الغريب والتشابة الذي يكاد يكون متطابق بين نصوص المصرية القديمة والنصوص الدينية المعروفة فى مختلف الاديان وخاصه السموية.
شعرت بأن هذا الكتاب ممل وثقيل جداً على قلبي. صدمت عند قرائتي له ربما لأن معظم المعلومات كانت مألوفة لدي من قبل، ولكن ما أشدني وأعجبني كانت بعض تحاليل القارئ عن الفرق بين الأدب الفرعوني (الذي يوجد بالفعل) والإغريقي مثلاً. التراث المصري قدم الكثير للإنسانية . يكفي أن نقول بأن الإغريق كانوا يأتون إلى مصر طلباً للعلم وأن هناك مؤرخين يدعون بأن الفلسفة الإغريقية كان مصدرها مصر الفرعونية، بل وأنها قد سرقت من المصريين! سواء كان هذا صحيح أم لا فلابد أن نعلم بحقيقة ثابتة الآن: مصر هي أمة تعشق كل ما يتعلق بالدين وتدافع عنه على مدار تاريخها، بالتالي فعامل من عوامل قوتها يكمن في إحترام الإنسان لذاته ولدينه.