إنها الرواية الأولى في العربية التي تتعامل مع موضوع "الشذوذ الجنسي"، من السطر الأول حتى الخاتمة، وهو غير المألوف في الكتابات العربية عموما.. فقد قتل "سمير الصياد" الشاذ.. (مواليد الإسكندرية.. سجل مدني محرم بك.. 1975م.. أعزب.. مستخلص جمارك). واحتل مشهد اللحظات الأخيرة من موته، كامل الفصل الأول، ما بين مشاهد دموية ومقززة، ومشاهد النهايات المؤلمة.. فلما عثر الضابط "عبدالجواد" على "الأجندة": "قبض الضابط على الأجندة، بعض الراحة مسته"، يعد أن رصد بعض الملاحظات الأمنية، خصوصا أن "القاتل لم يستعمل مفتاحا عند دخول الشقة.. جاء مع القتيل.. سهر معه.. وخرج كما جاء.. ولم يترك ما يدل عليه.. فقط، الخازوق الذي لم يكن عليه سوى دم (مطرطش)". "تمت الجريمة باستخدام آلة ثقيلة، بقوة وبسرعة، كأن الفاعل كان متعجلا".
هو أحمد محمد حميدة علي .. روائي مصري يعد أحد أهم قاصي وروائيي الإسكندرية .. فإذا عددت أهم عشرة كتاب سكندريين ستحصيه من بينهم .. كذلك الحال إذا خفضت العدد إلى خمسة .. انحازت كتابته إلى جموع سكان مصر الأصليين .. فيمكنك أن تقابل أي من أبطال قصصه ورواياته إذا ركبت قطارا .. أو استقللت اوتوبيسا أو ميكروباصا .. او حتى إذا سرت في الشوارع .. الشوارع التي عشقها وأحب ناسها .. يظهر ذلك في مجموعتيه عبق الشوارع و شوارع تنام من العاشرة .. عشقه البالغ للشوارع وأهلها حدا بالبعض إلى ان يطلق عليه أديب الشوارع .
من أحلى الروايات التي قمت بقرائتها في العموم .. فهناك بعض الروايات تستوجب أن يتوقف القارئ و يتعجب من عبقرية الكاتب في كيفية صوغ الجمل و سرد الاحداث و ترتيبها لاحداث الامتاع المنشود للقارئ فقد قام أحمد حميدة بتقسيم رواياته إلي سبعة فصول تحمل عناوين ما و قد راقني باستهلاله " المخوزق" حيث يبدأ روايته بتصوير مشهد الشخص الذي تدور أحداث الرواية حوله و كيف تم وضع الخزوق في مؤخرته و معاناته لبلوغ باب الشقة - رغم انه مدرك أنه بالضرورة ميّت " و لكنه يخشى أن يموت وحيدا داخل جدران بيته و ربما لم يعرف أحد بموته .. وهل يشعر الميت بالوحدة ؟! و قد أنهي روايته بحل اللغز ألا وهو الكشف عن هوية القاتل و هذا ما أرّق الضابط عبد الجواد طوال النص هل هو صالح أم فاسد مثل القتيل و لم قتله .. تسلسل الاحداث توحي بأن حميدة مخرج جيد جدا للنص الدرامي و لكن ما اعجبني هو فكرة الرواية و عنوانها " سوق الرجال " يظن القارئ في بدء الأمر أن الرواية تناقش بالضرورة قضية الشذوذ والكبت الجنسي لدي الرجال و الشباب و كيف أنهم يهينون نفسهم بالتحرش بالنساء حين يعجزون عن اشباع رغباتهم بالزواج مثلا فهم أولى بعضهم ببعض :D :D و لكن في حقيقة الأمر ترمي الرواية الي أعماق أبعد .. حيث كان القاتل يعمل سائقا بالعراق .. غزو العراق للكويت و التي أدت به أن يبيع سيارته الاجرة و يعود " علي الحميد المجيد " الي مصر - الاسكندرية يعمل معماريا - يوم اه و عشرة لأ - فيضطر إلي الذهاب الي سوق الرجال ليشحذ عملا أيا كان و يجد أن ذلك مهينا تلك المفارقة التي أمتعتني حيث يبتاع الرجال اجسادهم سواء عن طريق الجنس أو تسوّل الأعمال المهينة -أن ينحني - ليقتاط خبز يومه هو و من يعول فها هو سوق الرجال في مجتمعنا المخوزق بضيق العيش و نهب الموارد و الاحتكار و الرأس مالية
رواية جميلة جدا رغم صغر حجمها .. التفاصيل اللي فيها عن قضية الشواذ مكتوبة كويس جدا الرواية دي اتكتبت بناء على قصة حقيقية الغريب أن روايات مهمة زي دي متلاقيش دور نشر تعرضها و مطبوعة على نفقة الكاتب
يبدو أن تلك الرواية مختلفة، ليس فقط بسبب موضوعها، ولا بسبب عرضها لتلك الشخصيات التي تتسم بالحساسية مثل الشيخ ورجل الأعمال، بل وموظف السفارة الأجنبية الذي يأوي الأطفال.. بسبب إبراز موضوعها من خلال الجانب الاجتماعي.. رؤية المجتمع، ونظرته إلى أصحاب تلك النزوة، والنتيجة التي انتهى إليها، بأن الفقر والحاجة إلى جانب كل ما هو شاذ، قادر أن يفرز الجريمة أكيد.