إعادة قراءة للمرة العاشرة تقريباً...
واحدة من قصص الطفولة التي لم ولن ينتهي حبي لها وانبهاري بها في كل مرة أطالعها. (عارفة والله إني قلت الجملة دي خمسين مرة قبل كده)
للأسف لا أعرف التاريخ الذي كُتبت فيه تلك القصة وأُصدرت لأول مرة، ولكنني أُخمن أنها كُتبت في نهاية الأربعينات من القرن الماضي. تلك الزمن الذي كان أدب الناشئة يخطو فيه خطواته الأولى في العالم وليس في مصر فقط.
بفصاحة رشيقة يحكي لنا "محمد فريد أبو حديد" تلك الحكاية المستوحاة من روح حكايات ألف ليلة وليلة. وباستلهام لا يخفى على أحد من قصة غواية سيدنا آدم، يوضح لنا "أبو حديد" أن الإنسان على موعدٍ ممتد مع غباءه وجشعه وفضوله حتى قيام الساعة.
شخصية قصتنا الرئيسة هى "كريم الدين"، شخصية باهتة لا يميزها سوى عاديتها الشديدة. لا يتمتع بمواهب استثنائية أو ملامح شخصية مُلفتة مثل التي نجدها عادة في قصص ألف ليلة وليلة، مثل الشجاعة أو النبل أو الفطنة.
تلك العادية التي لا تُمكنه من التحلي بالمثابرة للسعي على تحسين أوضاعه، أو النضج العقلي ليتخذ قرار مصيري، أو حتى بعض الكرامة لكي يرحل عن قوم أحسنوا إليه وكاد أن يتسبب بغباءه وجشعه في تدميرهم للأبد.
في أيام معدودة فتح المؤلف "طاقة القدر" لكريم الدين، أتى به دون مجهود لعالم مثالي لا ينقصه شىء. فهل توقف عن التذمر؟
أبداً...فهو يريد العودة لوطنه الذي اشتاق اليه، وفي نفس الوقت لا يريد أن يترك "الأملة اللي هو فيها". كان يحلم بالثراء دون جهد، وعندما تحقق له لم يتوقف عن الشكوى بالإحساس بالملل. يريد أن يُكفر عن ذنبه في حق من أكرموه بالرحيل عنهم، ولكن ليس قبل أن يأخذ نصيباً وافراً من ثروة لا يستحقها.
يا بجاحتك يا أخي.
أنبهر بقلم محمد فريد أبو حديد وأنا في التاسعة من عمري أقرأ تلك القصة لأول مرة، وانتقل مع كريم الدين من عالم بغداد الصاخب الذي لا يرحم من كان في ضعف و"خيبة" أمثاله، مرتحلة إلى عالم "جزيرة سليمان" بطبيعته السماوية الساحرة وشعبه الحكيم الطيب. تناقض في عوالم القصة-من الفقر إلى الغنى ومن الأرض إلى الجنة- يعرف أي كاتب أنه وصفة مثالية لجذب أي قارىء. ولكن قليل جدا من الكُتاب من يستطيع أن يجعل من "ثيمة" تلك التناقض عامل جذب لطفلة عبر مراحل عمرها المختلفة حتى تعدت الأربعين.
اقرأ العديد من قصص الطفولة والمراهقة فقط بداعي الحنين إلى الماضي، والكثير منه أعرف أنني أحببته بقلب وعقل الطفلة والمراهقة. والقليل فقط ما أدركت أنه نص عابر للأزمان بنضجه وعبقرية كتابته.
وتلك القصة هى واحدة من تلك الاستثناءات.
اقروها يا جماعة ومش هاتندموا. ممكن تشتروها من دار المعارف في وسط البلد