والله إني الآن لأبكي، وإن في حلقي غصة تخنقني خنقًا، وإن في قلبي ألمًا لا يوصف، ووالله أني حاولت أن أوفي هذه الملحمة حقها بالكلمات فخانني الأسلوب ووجدت نفسي أعبث بالحروف كأني أستكشفها لأول مرة، وكأني ما عرفت الكتابة يومًا، ثم رأيت أن في النفس رغبة لا توصف في لفت انتباه غيري تجاه هذه الملحمة، وحرصي على أن تصيب كلماتي أعظم الأهداف بأن تدفع قارئ المراجعة إلى البدء في قراءة الملحمة فور انتهائي من الحديث عنها، فكان أن أعيتني المحاولات، واستسخفت الكلمات، ولُذت من حيرتي بالسكات.
ولكن السكات أيضًا لا يليق بهكذا عمل، فكيف أجود بالحديث والمدح على ما دونه من قراءات وأضن به على ملحمة عبقرية عن سيرة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، هذه الملحمة التي لا يجوز أن توصف إلا بالعبقرية، وبأنها من تلك الأعمال التي أغبط كاتبها عليها، فما فعله باكثير هنا لم أرَ له مثيلًا.. وربما لن.
في سلسلة من تسعة عشر مسرحية وأكثر من ألف صفحة يحكي باكثير لنا جزءًا من سيرة أمير المؤمنين، ونعم أقول جزءًا لأن ابن الخطاب لا توفيه حقه آلاف الصفحات، ولأن الملحمة هنا لا تركز على شخص عمر بن الخطاب فقط بقدر ما تركز على فترة حكمه كاملة بمن فيها من صحابة وتابعين، وما دار خلالها من ملاحم ومعارك، وما حلّ خلالها بالمسلمين من محن وابتلاءات، فإذا بباكثير يمزج كل ذلك ويصهره ويصبه صبًا في وعاء مسرحي متكامل وثري ينبض بالحياة، فتقرأ الحوار كأنك ترى أطرافه بعينيك، وترى المعركة فكأنك تخوضها بنفسك، وتتأمل القضايا وأمور الحكم فكأنك أحد ولاة الأمر تحت عمر فتعمل عقلك وتجهد ذهنك كأنك ستحاسب مثلهم أمامه قبل الحساب الأكبر أمام الله عز وجل.
وإن كان عمر بن الخطاب بما له من مكانة في الإسلام هو المركز الذي تدور حوله الحكاية، فإن في الفروع التي تشعبت عنه والتفت حوله تحت راية الحق الكثير والكثير من الحب والجمال، فلا تظن أن الحكاية هنا تقتصر على جوانب الحرب والحنكة، أو على الحكايات التي تحكي عن مآثر أمير المؤمنين التي نعرفها عنه من عدل وحزم وشدة في سبيل الله، ولكن هنا حياة كاملة متكاملة، صورة شاملة لعصر من أزهي عصور الإسلام، هنا بجوار الحرب تجد صراع الحب، بجوار الشدة في الحكم تجد اللين والطيبة في التعامل، هنا صراع الدين والدنيا، وحرص المسلمين على إعلاء راية الإسلام ولو بأرواحهم، هنا القيم والمبادئ التي ترسخت واستمرت لعقود، هنا كل جميلِ فقدناه وصرنا نبكي أثره كما بكيت مرارًا أثناء القراءة.
أبدع باكثير هنا في رسم تلك الحقبة الغنية فأطرب قلبي، أبكاني على فقد أمير المؤمنين، وأبكاني خجلًا من نفسي على ما فرطت وما أفرط في جنب الله، فوالله أني علمت الآن ما سر البكاء الذي بكيته بعد النهاية والذي احترت إذا ما كان تأثرًا بمشهد النهاية أم حزنًا على انتهاء الحكاية، أما والله إنه لبكاء على حالكم وحالي، أين نحن من عمر؟، أين نحن من خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص و سعد بن أبي وقاص وغيرهم من الصحابة والتابعين؟، أين نحن من حبهم لله واتباعهم لسنة رسوله وحرصهم على الجهاد في سبيله؟، بل أين نحن من حبهم لبعضهم وخوفهم على بعضهم وبياض قلوبهم وطهارة نفوسهم؟، والله إنا لعاجزين عن جهاد أنفسنا حتى أمام ما نلقى في هذا الزمان من فتن، فأي شقاء وأي ندم.
لله درّك يا أمير المؤمنين ما شهدنا عزة لللإسلام كما في عهدك ولا عدلًا كعدلك وما وجدنا سوى الشقاء من بعدك، وإذا بك تخشى لقاء الله وأنت على سرير الموت لعلك قصّرت في حق المسلمين أو ظلمت أو تجبرت!، ألا والله لقد أتعبت المسلمين من بعدك يا عمر، والله أخجلت المسلمين أيما خجل يا أمير المؤمنين، فاللهم ارحم عمر بن الخطاب وارحمنا فإنا والله لفي شقاء من دون رحمتك وعفوك وغفرانك.
اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا
اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا
تمت