استمتعت بتلك الحوارات على بساطتها، وكان لدى المحاوِر "أحمد هاشم الشريف" الجديد ليسأله فعلاً لنجيب محفوظ، ومحفوظ كان عفويًا في إجاباته عليه، وأحببت هذا السؤال: قلت لنجيب محفوظ: وما الإدارة الناجحة في نظرك؟ قال: الإدارة علم وأخلاق قلت: عندنا العلم قال: ضعفنا ليس في النواحي العلمية، وإنما في النواحي الأخلاقية: الوساطة والمحاباة وعدم الانضباط، من صميم الإدارة عندنا؛ من يعمل في شركة أجنبية يجد جوًا مختلفًا يحفّزه على العمل والطمأنينة والاستقرار قلت: ولكننا نتهم الروتين! قال: هذا اتهام باطل، كل بلد فيها روتين، والعيب الأساسي في الموظف قلت: أعطني مثالاً باعتبارك أشهر أديب موظف قال: أنا حضرت تجربة في وزارة الأوقاف دلّتني على أن الروتين خرافة قلت: كيف؟ قال: عندما جاء الشناوي باشا وتولى الوزارة، لم يكن مِن أكفأ الوزراء الذين تولوا هذا المنصب، ولكنه كان حازمًا، منع زيارة الضيوف للموظفين، منع الموظفين من الإفطار وقراءة الجرائد في المكاتب، أغلق باب الوزارة في الثامنة صباحًا، حدّد لإنجاز كل عمل موعدًا محددًا، كان يطبّق على المخالف أقسى عقوبة يملكها وهي خصم نصف شهر من مرتبه، ولم تمض أيام حتى انتظم العمل بالوزارة وعاد نجيب محفوظ يقول: العلم سهل، لأن العقل مرن ويستطيع أن يستوعب كافة التخصصات، ولكن الأخلاق مسألة صعبة، عندما أقول عن مسئول إنه على خلق، فأنا أقصد أخلاقه التي تفيد المجموع قلت: نحن عادة نمتدح المسئول الذي يخدم الأقارب ويحابي الأصدقاء قال: هذه أخلاق ضد المجتمع!
هذه قطعة حوارية تشبه كثيرًا حوارات بعض قصص نجيب محفوظ! :D
وفي ختام حوار آخر أجاب على سؤال كنت أبحث عنه فيما يتعلق بحياته، ووجدته ها هنا: وأنا أجمع أوراقي أردت أن اسال نجيب محفوظ سؤالاً شخصيًا: قلت له: لماذا لم تسافر سوى مرتين في حياتك وأنت مضطر، مرة إلى يوغوسلافيا ومرة إلى اليمن؟ قال: أنا أحس بالندم ليس لأني لم أسافر، وإنما لأني أكره السفر، ضاعت من فرص عديدة، والسفر ممتع ولذيذ، ولكني أعترف لك بأن هذه نقطة ضعفي قلت ضاحًا: أنت لم تسافر حتى في داخل مصر، ولم تظهر في رواياتك العديدة أكثر أحياء القاهرة! قال ضاحكًا: لم أسافر في الخارج ولا في الداخل، ورواياتي بين القاهرة والاسكندرية وأضاف: كان لي صديق طيار يلومني قائلاً: "روائي ولا تسافر! .. بكرة كل اللي هتكتبه رواية أو روايتين وبعد كده تفلس"، وكنت أرد عليه قائلاً: كل واحد وراس ماله
..
قلت لنجيب محفوظ وأنا أودعه: ومن أين تستمد رواياتك الآن؟ قال وكأنه يبوح لي بسر من أسراره الخاصة: الواقع الآن فاق كل خيال .. والكتابة الواقعية لم تعد تثير أحدًا ..
... إلى آخر تلك الإجابة، والحوارات تسير على هذا النحو المنطلق، وكما قلت فقد استمتعت بتلك الحوارات حقًا