بسم الله المُوَفِّق لكل خير، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, تبارك اسم ربي ذو الجلال والإكرام.
وبعدُ, فإن الله المُنعِم قد قدّر لي اللقاء بهذا الكتاب البحر, بلا حول لي ولا قوة, وقدّر لي أن أقضي بصحبته أياما هي من خير ما مرّ في عمري, حتى صارت عادتي أن أستهلَّ يومي بمطالعة صفحات من الكتاب, كمن يرد النهر يطلب منه مِزقة ماء تهوِّن عليه حرَّ النهار.
ولما أيقنت بقرب نهايته وأيقنت أن الكتاب مُفَارِقي قللت العدد لـ ألّا ينقطع المَدد, ولكن جرت عادة الدنيا وناموس الكون أن لكل شيء بداية ونهاية عدا رب العباد الأول الآخر.
أمّا عن الكتاب, فإنه كنز يُكتب بماء الذهب, ويُنَضّد بماء العين, كله والله فوائد, تُوَجِّه السبيل, وتهدي العليل, وترقق القلب, وتدلّ على الرب, وتُعلي مقام المحبّة, وتُبرز مقام العبودية وواجباتها, وتجلو حقيقة التوحيد ومتطلباته.
فوائد جُمعتْ من لطائف نظرات ابن قيم الجوزية, الإمام العَلَم, ومن رسوخه فى العلم, فما بين آية يشرحها شرح فريد, أو حديث يعرضه و يكشف ما فيه من أسرار, أو فائدة استنبطها من طول الفكر وسباحة العقل في ميادين الدين والأخلاق, فتجد نفسك كمن دخل مغارة في قلب جبل كلها كنوز وجواهر, فتنهل من هنا وتجمع من هناك, ومهما بلغ جهدك ما بلغ فلن تشبع ولن تنضب, فهي فوائد كمحراب النور, يجيئ إليها المسافر في عتمة الدنيا يستضيء منها ما يعينه على الوصول إلى نهار الآخرة.
وكم عَنَّ لي في خضم المطالعة أن أستأثر بكل ملمح فأنشره, وكل فائدة فأكتبها, وكل قاعدة فأشير إليها, ولكن شقَّ هذا على ضعيف عزم مثلي, فنشرنا منه ما لم يكن له أن يمر مرور الكرام, وتركنا الباقي يكتشفه راغب المرام, فالكتاب والله من دفتّه إلى دفتّه ما فيه من حرف إلا ويستحق أن يُعلم ويُعلَّم.
وإنَّا والله نرجو مَن قرأ كلماتنا هذة القليلة, أن يقرأ الكتاب وأن ينتفع بما فيه, نريد له الخير ونرجو من الله الثواب فإنه نعم المولى ونعم النصير.
تمت
والله المستعان