يقدم المفكر الاسلامي احمد الكاتب دراسة تحليلية لجذور الاستبداد في الفكر السياسي الوهابي
يبتدأ الكاتب دراسته بتعريف الوهابية والوهابيين ثم يعالج الكاتب نظرية التوحيد في الفكر الوهابي والتي تتميز بتكفير عامة المسلمين والتي نقلت معنى التوحيد من نفي وجود شريك لله الخالق الى معنى اخر اكثر تشددا ولا ينطبق الا على الوهابين فقط حيث تقول النظرية الوهابية إن المقصود بكلمة (الله): المعبود، وليس الخالق. وبالتالي فانه لا يكفي للمرأ ان يعترف بعدم وجود شريك للخالق لكي يصبح موحداً، وانما يجب عليه ان يمارس العبادة لله وحده، و اذا ما مارس أي نوع من العبادة لغير الله فقد أصبح مشركاً. ثم تتقدم النظرية الوهابية لكي تفسر معنى العبادة، خلافاً لما كان يعرفه المسلمون من أنها تعني أداء نوع من الطقوس الخاصة كالصلاة كما في الآية الكريمة :(إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني و أقم الصلاة لذكري) 14 طه، أو انها تعني الطاعة والإتباع كما في الآية التالية: (أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين و اعبدوني) 61 يس فتقول النظرية الوهابية: ان العبادة تعني ممارسة كل ما يختص بالله تعالى من الدعاء و النذر و القسم والاستغاثة و الخوف والرجاء وطلب الشفاعة وما الى ذلك بالنسبة الى شخص آخر غير الله، و بناء على ذلك تعتبر النظرية الوهابية دعاء الصالحين والأئمة والأنبياء والنذر لهم و طلب الشفاء منهم نوعاً من العبادة التي ترقى الى مستوى الشرك الأكبر بالله تعالى مما يخرج مرتكبها من ملة الاسلام و يعيده الى الجاهلية الأولى.
لقد كان المفهوم الاسلامي السابق عن الشرك قبل بروز النظرية الوهابية، هو الاعتقاد بوجود شريكة لله تعالى وليس مجرد طاعة غير الله كطاعة الشيطان مثلاً والتي وردت بصيغة العبادة، فانا طاعة الشيطان ذنب إذا لم تكن تعني عبادته من دون الله تعالى، وبالتالي فان الله يغفر الذنوب جميعا الا الشرك به، كما تقول الآيات الكريمات التاليات: (ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) ٤٨ النساء، (ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) 116 النساء ، (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) 72 المائدة ، ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير) 31 الحج، مما يدل على وجود مفهومين للشرك أصغر وأكبر، كوجود مفاهيم مختلفة و درجات متفاوتة عن الإيمان والاسلام والنفاق و لعبادة وما الى ذلك.
وكل ذلك يخالف راي معظم الحنابله والتي تدعي الوهابية الانتساب لها ولكن محمد بن عبد الوهاب، تبعاً لابن تيمية الذي كان يعتبر بعض الممارسات المختلف حولها بين المسلمين مثل دعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة بهم، شركاً، وشركاً أكبر مخرجا عن الملة و الدين. ويمكن القول ان تكفير العلماء المسلمين للشيخ وأتباعه، كان رد فعل على تكفيرهم لعامة المسلمين ابتداءاً، وليس العكس، حيث رفض علماء الاسلام التفسير الوهابي لمعنى الشرك والتوحيد الذي يخلط بين الشرك الأصغر الذي لا يُكفّر ولا يُخرج من الدين، وبين الشرك الأكبر الصريح الذي يجعل مع الله الها آخر.
حتى ان الشرك بالله لا يبيح اموال الناس ولا اعراضهم فضلا عن ان يبيح دمائهم ((لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ))
ثم ينتقل الكاتب الى معالجة موضوع الدولة السعودية الوهابية الاولى؛ بعد اعتبار محمد بن عبد الوهاب عامة المسلمين كفاراً ومشركين ومرتدين الى الجاهلية الأولى، كان لا بد ان يأمر أتباعه بالانفصال نفسياً و جسدياً عن "المجتمع الجاهلي" و الهجرة عنه من أجل البدء في تأسيس "المجتمع الاسلامي الموحد" من جديد، والدعوة الى "دين الاسلام والتوحيد". و لذلك فعندما حل في (الدرعية) أعلنها (دارَ هجرة وإسلام)، و طلب من أنصاره الهجرة إليها و بدأ هؤلاء يتهافتون عليه و يهاجرون اليه من كل مكان. و حسبما يقول حسين بن غنام فان الهجرة حدثت كنتيجة لتوتر العلاقة بينهم وبين الآخرين. وفي النهاية تمكن عبد الوهاب من تشكيل الدولة السعودية الاولى عن طريق التحالف مع محمد بن سعود.
في الفصل الثالث يسلط الكاتب الضوء على ملامح التجربة السياسية الوهابية والتي تتسم ب: الإستبداد وسياسة القهر و الغلبة ومن ابرز ملامحها الدعوة الى طاعة الامام وتحريم الخروج عليه العنف والإرهاب التذبذب بين المقاومة و الولاء للدولة العثمانية الصراع على السلطة بعيداً عن إرادة الشعب كل تلك السمات وغيرها من العوامل ادت مجتمعة الى انتهاء الدولتين الاولى والثانية.
في الفصول التاليه يسلط الكاتب الضوء على التناقضات التي حصلت بين الوهابين انفسهم وبين السلطة الامر الذي ادى الى تبادل تهم التكفير وتهم "الخوارجية" والجميع في هذه الدوامة يريد تطبيق شرع الله (حسب فهمهم) وذلك عن طريق الوصول الى سدة الحكم متوسلين العنف والقتل واستباحة الاعراض والاموال ووصم الناس بالكفر والشرك والبعد عن التوحيد وكل ذلك بعيدا عن استشارة الشعب الذي يرونه كقطيع من الغنم لا راي له ويعزوا الكاتب كل ذلك الى ذهولهم عن اول شروط قيام اي دوله وهو وجود عقد اجتماعي بين الشعب والحاكم والذي يبين شروط تداول الحكم بشكل سلمي وشروط الحاكم ومدة بقائه والتاكيد على دور الشعب في العملية السياسية ولكن كل ما سبق تعتبره الوهابية خروجا عن الدين. مع ان ايات الشورى تخالف ذلك وسيرة النبي الذي طلب البيعة من الانصار والمهاجرين واقام دولة يمكن التعبير عنها بالمصطلح الحديث بالدولة المدنية ايضا تخالف ذلك وحتى المذهب السني في بداياته كان يرى الشورى في اختيار الحاكم.
في نهاية الدراسة يرى الكاتب ان الامل موجود بان ينصلح الحال في المجتمع السعودي ذي الغالبية الوهابية بوجود المثقفين من امثال الباحث حسن بن فرحان المالكي و عبد الرحمن عبد الخالق وغيرهم ممن اصبحوا اقرب لقبول الديمقراطية والتعددية الحزبية وتداول السلطة.
كتاب يناقش الفكر السياسي للحركة الوهابية مع تأصيل جيد للعقيدة السلفية لمحمد بن عبدالوهاب و أتباعه و الفكر التكفيري السائد خاصة في بدايات إنشاء الدولة السعودية الأولى و ذلك بإيراد مقتطفات من رسائل مشايخ الحركة و رموزها و اقتباسات من الكتب التي أرخت لتلك المرحلة و التي كتبها بعض مناصري الدعوة ثم أخذ الكاتب في مناقشة تطور و تغير الفكر الوهابي من الناحية السياسية في الدولة الحديثة " الثالثة " من حيث تراجع مفهوم الولاء و البراء و اختفاء التكفير خاصة في أدبيات الدعوة على المستوى الرسمي بالذات
كتاب جيد فصل فيه الدكتور احمد مراحل تطور الفكر السياسي لحركة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله و تدرجها عبر التاريخ ، و بين بصورة قاطعة افتقارها لطرح متزن حول الشورى و محاسبة الحكام و شرعنة الثورة ضد الظلم و الطغيان ، ايضا تحولها الي مؤسسة كنسية تدار بواسطة الطغاة دون اي تأثير حقيقي مما جعل بعض ابناءها يجنحون للتغير العسكري و يعودون للرؤية الوهابية البكر ، و جزء آخر عمل على تطوير الجوانب المفقودة و بدأ يتبرأ تدريجيا من أصول الفكر الوهابي و يجنح الي القطيعة مع الرؤية الأولي ... الكتاب جيد جدا غير انه أغفل البعد الفلسفي الاستراتيجي لفكر محمد بن عبد الوهاب في مراحله الأولي و تعاطي بسطحية مع التصورات القرآنية السليمة التي طرحها محمد بن عبد الوهاب حول رؤيته للإسلام و قضايا الشرك و التوحيد و رؤيته للمجتمع بغض النظر عن الخلل البنيوي في رؤيته مما سبب الكوارث لاحقا
دراسة تحليلية موضوعية تسلط الضوء على الفكر السياسي الذي أسسه محمد بن عبدالوهاب، و كيفية تغير هذا الفكر على مر التاريخ. فصلت الدراسة بعض المواقف التاريخية في حين مرت على البعض الآخر مرور الكرام. تم عرض العديد من الأفكار بشكل متكرر خلال الدراسة مما جعلها مملة بعض الشيء.