موسوعة تفسيرية ضخمة ، حشد فيها المصنف - رحمه الله - ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين من تفسير اختصره من كتاب ( ترجمان القرآن ) للمصنف نفسه ، مقتصرًا فيه على متون الأحاديث حاذفًا منها أسانيدها ، ويصدر كل ما ينقله بالعزم والتخريج إلى كل كتاب رجع إليه .0 جمع فيه السيوطي ما ورد عن الصحابة والتابعين في تفسير الآيات ، وضم لها ما ورد فيها من الأحاديث المخرجة من كتب الصحاح والسنن وبقية كتب الحديث ، وحذف الأسانيد للإختصار ، مقتصرا على متن الحديث . 0
Jalal Al-Din Al-Suyuti عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري الأسيوطي المشهور باسم جلال الدين السيوطي من كبار علماء المسلمين. ولد السيوطي مساء يوم الأحد غرة شهر رجب من سنة 849هـ في القاهرة، رحل أبوه من اسيوط لدراسة العلم واسمه عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري الأسيوطي، وكان سليل أسرة أشتهرت بالعلم والتدين، وتوفي والد السيوطي ولابنه من العمر ست سنوات، فنشأ الطفل يتيمًا، وأتجه إلى حفظ القرآن، فأتم حفظه وهو دون الثامنة، ثم حفظ بعض الكتب في تلك السن المبكرة مثل العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك، فاتسعت مداركه وزادت معارفه.
كان السيوطي محل العناية والرعاية من عدد من العلماء من رفاق أبيه، وتولى بعضهم أمر الوصاية عليه، ومنهم الكمال بن الهمام الحنفي أحد كبار فقهاء عصره، وتأثر به الفتى تأثرًا كبيرًا خاصة في ابتعاده عن السلاطين وأرباب الدولة. وقام برحلات علمية عديدة شملت بلاد الحجاز والشام واليمن والهند والمغرب الإسلامي. ثم دَّرس الحديث بالمدرسة الشيخونية. ثم تجرد للعبادة والتأمل.
عاش السيوطي في عصر كثر فيه العلماء الأعلام الذين نبغوا في علوم الدين على تعدد ميادينها، وتوفروا على علوم اللغة بمختلف فروعها، وأسهموا في ميدان الإبداع الأدبي، فتأثر السيوطي بهذه النخبة الممتازة من كبار العلماء، فابتدأ في طلب العلم سنة 1459م، ودرس الفقه والنحو والفرائض، ولم يمض عامان حتى أجيز بتدريس اللغة العربية، كان منهج السيوطي في الجلوس إلى المشايخ هو أنه يختار شيخًا واحدًا يجلس إليه، فإذا ما توفي انتقل إلى غيره، وكان عمدة شيوخه "محيي الدين الكافيجي" الذي لازمه الـسيوطي أربعة عشر عامًا كاملة وأخذ منه أغلب علمه، وأطلق عليه لقب "أستاذ الوجود"، ومن شيوخه "شرف الدين المناوي" وأخذ عنه القرآن والفقه، و"تقي الدين الشبلي" وأخذ عنه الحديث أربع سنين فلما مات لزم "الكافيجي" أربعة عشر عامًا وأخذ عنه التفسير والأصول والعربية والمعاني، حيث أخذ علم الحديث فقط عن (150) شيخًا من النابهين في هذا العلم. ولم يقتصر تلقي السيوطي على الشيوخ من العلماء الرجال، بل كان له شيوخ من النساء.
توفي الإمام السيوطي في منزله بروضة المقياس على النيل في القاهرة في 19 جمادى الأولى 911 هـ، الموافق 20 أكتوبر 1505 م، ودفن بجواره والده في اسيوط وله ضريح ومسجد كبير باسيوط. وفي الصفحة 90 من الجزء الثاني من حفي هذه النسخة.
كتاب الدر المنثور للتفسير بالمأثور، من تأليف السيوطي رحمه الله، حيث عمد إلى جمع ما ورد من أحاديث و أقوال للصحابة و التابعين في تفسير الآيات، من دون أن يكتب أي كلمة تنم عن رأي له أو شرح... فهو مجرد موسوعة جامعة...0 و بما أن الكتاب عبارة عن جمع، فقد التزم السيوطي بهذه الكلمة بدقة متناهية، فكان أن عمد لجمع كل شيء عثر عليه في الكتب بغض النظر عن مدى موثوقيته، فبدا التفسير محشوا بأحاديث ضعيفة و منكرة و موضوعة و آثار منقولة من الإسرائيليات الخ... ثم إنه قد حذف أسانيدها _التي كان قد أثبتها في تفسير قبله و هو ترجمان القرآن _ تسهيلا للقارئ، ذاكرا في كثير من الأحيان اسم الكتاب الذي نقلها عنه...0 و بسبب منهجه الجمعي هذا فإنه لا يمكن اعتبار تفسيره هذا مرجعا جيدا لمن يريد القراءة بالتفسير ابتداء و ليس لديه خلفية عن الموضوع... و لا حتى أنه المرجع الأفضل بالنسبة للتفسير بالمأثور لأنه سيجد الفائدة قليلة، إذ قليلا ما تجد فيه شرحا لكلمة، و بسبب كثرة النقول المختلطة وعدم وجود ترجيح أو ترتيب زمني أو تصنيف أو تبيان للمنسوخ و ما هو مدني و ما هو مكي أو حتى أي رأي أو صوت للمؤلف _فالكتاب مجرد موسوعة جامعة كما قلت_ فإن المرء سيتشتت... لذلك فإنه في هذا السياق يُـنصح بتفسير الطبري لمن أراد مرجعا طويلا مفيدا بالمأثور... 0
تفسير السيوطي يفيد الباحثين والمتخصصين... و إنما اخترت قراءته ليكون كتفسير رديف وثانوي لتفسير الرازي الذي أقرأ فيه... و رغم أن تفسير الرازي يصنف على أنه تفسير بالرأي إلا أنه شامل للمأثور أيضا، فهو يعتني يذكر أشهر ما ورد من أقوال عن الصحابة و التابعين مع الترجيح، ثم أي من الفقهاء أخذ بقول هذا الفريق أو ذاك، ثم دليل كل و كيفية استنباطهم من الآيات، كما يهتم بدرجة كبيرة بالمعاني اللغوية و القراءات وما ينبني عليها من معان و أحكام، و أيضا بالمسائل الأصولية لكون الرازي أصوليا شافعيا، ثم أشهر ما ورد من أسباب النزول، طبعا كل هذا مع مجادلاته الكلامية مع المعتزلة و أهل الدعوات في عصره، فهو من أئمة الأشاعرة المتأخرين...0 و لذلك فإن مهمة تفسير السيوطي بالنسبة لي، هي الاطلاع الموسع على ما كان قد رتبه و صنفه و اختزله الرازي في تفسيره... 0
تحقيق كتاب الدر المنثور جيد، فالمحقق عمد إلى تخريج معظم الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم _و ليس كلها_ مع الحكم عليها... و لكنه لم يتطرق أبدا إلى البحث في الآثار من أقوال الصحابة أو التابعين نظرا لصعوبة تتبع مدى موثوقية كثير منها، إذ كثير من المراجع التي اعتمد عليها السيوطي قد اندرست و ليس إلا تفسيره هذا يحفظها. و لكن بما أنها ليست مرفوعة إلى رسول الله فتبقى قراءتها للاستئناس... كما عني أيضا بشرح كثير من غريب الألفاظ، و توضيح للقراءات الشاذة...0
غرضي من قراءة هذا النوع من التفسير هو أن أعيش الجو العام الذي كانوا يعيشونه و تذوقه بكل ما ورد فيه، أكثر من التدقيق والدخول في التفاصيل ودراسته والتحقق مما فيه... و بما أنه كتبه بمنهج جارف سيل وحاطب ليل _و هذا تعبير اقتبسته من أحد أسماء كتبه_ لذلك فإني أقرؤه بطريقة تتناسب مع المنهج المكتوب فيه و هي طريقة المسح السريع...0
و بالتالي فإني لن أتحدث عن كل جزء إلا بكليمات عن بعض مما استوقفني فيها...0
---
لسان آدم و الجزء الأول
من الفاتحة إلى الآية 141 من البقرة
من الأمور التي استوقفتني في هذا الجزء هو قول ورد عن ابن عباس...0 في ص 309 أخرج ابن عساكر عن ابن عباس، أن آدم كان لغته في الجنة العربية، فلما عصى سلبه الله العربية فتكلم بالسريانية، فلما تاب رد الله عليه العربية.ه
مسألة لغة آدم و أصل اللغة من المسائل التي أحب لو أتعمق فيها، _ويحضرني هنا كتاب لذيذ و هو لسان آدم لـعبد الفتاح كيليطو الذي تطرق إليها عند علماء المسلمين_، و طبعا ليس في هذا الموضوع كله شيء ثابت أصلا و لا هذا القول المنسوب لابن عباس يعتمد عليه. و مسألة لغة آدم و ما كان أصل اللغة و ما هي لغة الجنة و ما هي أفضل اللغات أشبه بليلى التي يدعي كلٌ وصلا بها، فهي من المسائل التي نوقشت كثيرا و اختلف فيها، و ربما أجمل ما مر معي حتى الآن _و لا أدعي قراءة موسعة في هذا المجال_ كلاما لابن حزم أجدني أميل إليه كثيرا، حيث أن له رأي ينم عن سعة في الفهم و عمق في التحليل...ه
يقول ابن حزم في كتابه الإحكام في أصول الأحكام عن أصل اللغات:ه وقد قال قوم: هي السريانية وقال قوم: هي اليونانية: وقال قوم: هي العبرانية. وقال قوم: هي العربية. والله أعلم.ه إلا أن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقيناً أن السريانية والعبرانية والعربية هي لغة مضر وربيعة لا لغة حِمْيَر، لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها ... فممن تدبر العربية والعبرانية السريانية أيقن أن اختلافهما إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم.ه وأنها لغة واحدة في الأصل. وإذ تيقنا ذلك فالسريانية أصل للعربية وللعبرانية معاً، والمستفيض أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل عليه السلام فهي لغة ولده، والعبرانية لغة إسحاق ولغة ولده.ه والسريانية بلا شك هي لغة إبراهيم صلى الله عليه وعلى نبينا صلى الله عليه وسلم بنقل الاستفاضة الموجبة لصحة العلم.ه فالسريانية أصل لهما ...ه ولسنا نقطع على أنها اللغة التي وقف الله تعالى عليها أولاً، ولا ندري لعل قائلاً يقول: لعل تلك اللغة قد درست البتة وذهبت بالجملة أو لعلها إحدى اللغات الباقية لا نعلمها بعينها، وهذا هو الذي توجبه الضرورة ولا بد مما لا يمكن سواه أصلاً، وقد يمكن أن يكون الله تعالى وقف آدم عليه السلام على جميع اللغات التي ينطق بها الناس كلهم الآن .ه ولعلها كانت حينئذ لغة واحدة مترادفة الأسماء على المسميات ثم صارت لغات كثيرة، إذ توزعها بنوه بعد ذلك، وهذا هو الأظهر عندنا والأقرب، إلا أننا لا نقطع على هذا كما نقطع على أنه لا بد من لغة واحدة وقف الله تعالى عليها، ولكن هذا هو الأغلب عندنا، نعني أن الله تعالى وقف على جميع هذه اللغات المنطوق بها، وإنما ظننا هذا لأننا لا ندري أي سبب دعا الناس ولهم لغة يتكلمون بها ويتفاهمون بها إلى إحداث لغة أخرى، وعظيم التعب في ذلك لغير معنى ...ه
وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات.ه وهذا لا معنى له لأن وجوه الفضل معروفة ، وإنما هي بعمل أو اختصاص ولا عمل للغة؛ ولا جاء نص في تفضيل لغة على لغة، وقد قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وقال تعالى : {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.ه فأخبر تعالى أنه لم ينزل القرآن بلغة العرب إلا ليفهم ذلك قومه صلى الله عليه وآله وسلم لا لغير ذلك. ه وقد غلط في ذلك جالينوس فقال: إن لغة اليونانيين أفضل اللغات لأن سائر اللغات إنما هي تشبه إما نباح الكلاب أو نقيق الضفادع.ه قال أبو محمد: وهذا جهل شديد لأن كل سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها، فهي عنده في النصاب الذي ذكره جالينوس ولا فرق.ه وقد قال قوم: العربية أفضل اللغات لأنه بها كلام الله تعالى.ه قال أبو محمد: وهذا لا معنى له، لأن الله عز وجل قد أخبرنا أنه لم يرسل رسولاً إلا بلسان قومه.ه وقال تعالى: {إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وقال تعالى : {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} فبكل لغة قد نزل كلام الله تعالى ووحيه. وقد أنزل التوراة والإنجيل والزبور، وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية، وأنزل الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية فتساوت اللغات في هذا تساويا واحدا.ه
وأما لغة أهل الجنة وأهل النار فلا علم عندنا إلا ما جاء في النص والإجماع، ولا نص ولا إجماع في ذلك، إلا أنه لا بد لهم من لغة يتكلمون بها، ولا يخلو ذلك من أحد ثلاثة أوجه ولا رابع لها: إما أن تكون لهم لغة واحدة من اللغات القائمة بيننا الآن، وإما أن تكون لهم لغة غير جميع هذا اللغات، وإما أن تكون لهم لغات شتى: لكن هذه المحاورة التي وصفها الله تعالى توجب القطع بأنهم يتفاهمون بلغة إما بالعربية المختلفة في القرآن عنهم، أو بغيرها مما الله تعالى أعلم به.ه وقد ادعى بعضهم أن اللغة العربية هي لغتهم، واحتج بقول الله عز وجل: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فقلت له: فقل إنها لغة أهل النار لقوله تعالى عنهم أنهم ... قالوا : {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} فقال لي: نعم، فقلت له: فاقض أن موسى وجميع الأنبياء عليهم السلام كانت لغتهم العربية، لأن كلامهم محكي في القرآن عنهم بالعربية، فإن قلت هذا كذبت ربك، وكذبك ربك في قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.ه فصح أن الله تعالى إنما يحكي لنا معاني كلام كل قائل في لغته باللغة التي بها نتفاهم، ليبين لنا عز وجل فقط، وحروف الهجاء واحدة لا تفاضل بينها ولا قبح، ولا حسن في بعضها دون بعض، وهي تلك بأعيانها في كل لغة، فبطلت هذه الدعاوى الزائغة الهجينة، وبالله تعالى التوفيق .ه