الحديث عن الحب والجمال، حديث عن الإنسانية الإنسان، حديث عن الحياة، فيه من السحر ما يخلب النفوس والآذان، ترتاح وتطرب لسماعه حتى أقسى القلوب، فلا عجب إن رأينا شعراء العرب يفتتحون قصائدهم النسيب والتشبيب، قاصدين استثارة السامعين ودعوتهم إلى سماع ما شاءوا من موضوعات، وحين نتحدث عن الشعر والأدب، نجد أن للحب والجمال المقام الأول فيه، فقلما نجد كتاباً يخلو من ذكره، أو إيراد بعض قصص الحب الشهيرة ولا نقصد بهذا أدبنا العربي وحده، بل هو في الأدب والشعر العالميين، وفي الموسيقى والغناء والمسرح والسينما.
كتاب العلامة محمد صديق بن حسن القنوجي، نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان، وهو الذي بين يديك، فقد عمد مؤلفه إلى تزيين الأسواق، وديوان الصبابة، وكتاب غلام علي آزاد البلكرامي "سبحة المرجان في آثار هندستان" وروضة المحبين فاستخرج منها زبدتها، فاختصرها وأعاد ترتيبها، وبث آراءه وأفكاره، فبدأ بالحديث عن العشق والعشاق، ليتحدث عن الحسن والجمال، وأقسام النسوان...
هو الإمام العلامة المحقق محيي السنة وقامع البدعة أبو الطيب محمد صديق بن حسن بن علي بن لطف الله القِنَّوجِي البخاري نزيل بهوبال ويرجع نسبه إلى زين العابدين بن علي بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب .
ولد في بلدة " بريلي " موطن جده من جهة الأم عام ( 1248 هـ ) ونشأ في بلدة " قِنَّوْج " موطن آبائه بالهند في حجر أمه يتيمًا على العفاف والطهارة وتلقى الدروس في علوم شتى على صفوة من علماء قِنَّوْج ونواحيها وغيرهم .
درس المؤلف على شيوخ كثيرين من مشايخ الهند واليمن واستفاد منهم في علوم القرآن والحديث وغيرهما
وبعد عودته من الحجاز إلى الهند انتقل العلامة صديق حسن خان من (قنوج) إلى مدينة (بهوبال) في ولاية (مادهيا براديش) في وسط الهند، وقد ذاع صيته في تلك الأيام كإمام في العلوم الإسلامية، ومؤلف بارع في العلوم العقلية والنقلية، وكاتب قدير في اللغات العربية والفارسية والأوردية، ومجتهد متواصل في الدرس والتأليف والتدوين، ولم يلبث أن تزوج بأميرة بهوبال (شاهجان بيجوم) التي كانت تحكمها حينذاك عام ( 1288 هـ ) وعمل وزيرًا لها ونائبًا عنها ولقب بـ " النواب "
كان تزوج العلامة صديق حسن خان بالأميرة (شاهجان بيجوم)، وتلقبه بأمير بهوبال نقطة تحول لا في حياته العلمية فقط بل في النشاط العلمي والعهد التأليفي في الهند كلها؛ فكان له موهبة إلهية في الكتابة وفي التأليف؛ حتى قيل إنه كان يكتب عشرات الصفحات في يوم واحد، ويكمل كتابا ضخما في أيام قليلة، ومنها كتب نادرة على منهج جديد، وعندما ساعدته الظروف المنصبية والاقتصادية على بذل المال الكثير في طبعها وتوزيعها، قد تكللت مساعيه العلمية بنجاح منقطع النظير.
وجدير بالذكر والاعتبار أن زواجه بأميرة بهوبال الغنية، واشتغاله بالشؤون السياسية والإدارية لم يثنه عن نشاطه العلمي، ولم تصرفه بحبوحة العيش وفخفخة الدولة عن خدمة العلم والدين، بل استفاد - بثاقب فكره - من هذه النعم لتحقيق هدفه الأسمى وغايته الرفيعة.
كان الشيخ حريصًا أشد الحرص على العقيدة الصافية والدعوة إلى الكتاب والسنة وذم التقليد والجمود ومحاربة الشرك والبدع والخرافات ...كما تدل على ذلك سيرته ومؤلفاته . وكتابه العظيم " الدين الخالص " يشهد له بذلك .
للمؤلف كتب كثيرة . بلغات مختلفة في علوم متنوعة .
مات رحمه الله عام ( 1307 هـ ) عن ( 59 ) سنة وترك اثنين من أبنائه وهما : السيد أبو الخير مير نور الحسن خان الطيب ، وهو ولده الأكبر ، والسيد الشريف أبو النصر مير علي حسن خان الطاهر .
بسم الله الرحمن الرحيم نحمد من زين رياض الوجوه بنرجس اللحاظ وورد الخدود، وأثمر أغصان القدود برمان النهود، حمد من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، وسيب بذكر محبوبه إن كان تهاميا في حجاز أو شاميا في نوى، ونصلي ونسلم على من حث على تهذيب النفس الأبية، عن الرذائل الدنية، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الذين يحبهم ويحبونه، ويقفون عند ما أمرهم ولا يتعدونه، ما ذر شارق، وهام عاشق.
الأمر ليس كالمتخيّل من العنوان ، إنما محاولة وضع العشق و العشاق في أصناف ! الأمر الذي يستحق التساؤل ما علاقة العشق بالجسد ، أو بالأفعال الاعتيادية ، مثلا ً كيف يتم تصنيف الحبيبة على أنها الزائرة أو الناهد ، فالزائرة هي من تزور حبيبها ، و الناهد هي من برز نهدها ، لا أدري ما الذي يربط الحبو العشق بهذه الصفات ! أظن الكتاب كان محاولة فاشلة لتصنيف أحوال العشاق ، لكنه كان رائعا ً في ذكر نماذج شعرية رائعة ، غلب عليها أبيات الشاعر الهندي آزاد ، و الذي كتب أغلب أشعاره في العربية الفصحى ، الكتاب أيضا ً يتحدث عن الغزل العذري أكثر مما يذهب إلى الغزل الفاحش ، أو البذيء حتى و إن كان قد صنّف أحوال العشق على مظاهر جسدية بحتة إلا أن هذا الأمر لا يعدو كونه ذكرا ً لحال لا استشهادا !
جمال الكتاب في انتقاء الأبيات و الاستشهادات الجميلة !
/
هناك معلومات صادمة في الكتاب ، مثل عشق الرجال للرجال ، صحيح هذا الأمر كان متعارفا ً عليه و نوعا ً متسامحا ً فيه في بعض المجتمعات العربية إبان الدولة العباسية و ما بعدها ، لكن أن يكون هذا الأمر من بعض الأعلام يضع علامات استفهام عن الأحوال الاجتماعية في تلك العصور ، هناك من سيدافع لا بأس ، هذا حقه لكن أكثر من مرجع ذكر هذا الأمر : )
الغرام اشد مايكون مع الفراغ وتكرار التردد الى المعشوق والعجز عن الوصول اليه فعلى هذا يكون اخف الناس عشقاً الملوك ثم من دونهم لإنشغالهم وقدرتهم على مرادهم ولكن قد يتذللون للمحبوب بمافي ذلك من لذه .
في ذكر العشق و الغرام و الحب و ذكر أخبار العشاق و المحبوبين و أحوالهم.
هذا الكتاب لمحمد صديق حسن خان ألفه قبل أكثر من ١٠٠ سنة، و يتحدث المؤلف فيه عن الحب و العشق بشتى أشكاله و أنواعه و عن المحبوبين و العشاق و صفاتهم و أخبارهم. يتكون الكتاب من عدة فصول أبرزها الفصل الذي يتحدث عن مراتب العشق و أسمائه و صفاته و الذي أسهب في سرد و وصف المراتب الكثيرة جدا و هذا ما يجلب الدهشة من عظمة الحب و أهميتها عند العرب خصوصا.
و يتضمن أيضا فصول عديدة مسلية يتحدث فيها عن ذكر الحسن و الجمال وصفات المحبوبين و ذكر أقسام النسوان و الغزل. لا سيما الفصل الممتع الذي يذكر فيه أخبار الشعراء الذين كتبوا أشعار غزلية مرتبطة بأعضاء الجسم كالشعر و الوجه و الأنف و الأعين و الأيادي و غيرها.
أخيرًا ، استمتعت بقراءة الكتاب و لابد من توضيح ان الكتاب يسرد أخبار و ذكر تتناقله الذاكرة المجتمعية في وقتها و ليست دراسة متخصصة في العشق و الحب.
هناك كتب أجود منه في الباب لكن فيه تلميحات جميلة وإشارات إلى شعراء وأدباء مغمورين غير معروفين وقد عرفتُ منه الشاعر الهندي الشهير "غلام آزاد البلغرامي" الذي يسمّى حسّان الهند، تشبيهاً له بحسان بن ثابت رضي الله عنه ، وله قصائد في مدح النبي ﷺ أسماها: لامية الشرق الكتاب لطيف.
اكتب و أنا ثمل من الحجب, فارغ تمام, ثوب مرقع, نفس مهلهلة لما بحري عال الموج متى نرى برنا ما بال طريقي وعر أين نجد سبيلا سهل ما بال الظلمة قد ملئت الدنيا وهبت الريح الباردة و كأن قد شق السماء الحزام و الثريا
كتاب جميل يحوي الكثير من الأشعار والقصائد اللطيفة , الكتاب من حيث هو لن يقدم لك جزيل الفائدة ولكنه حتماً مصدر خصب للراغبين في حفظ الأشعار وتنمية اللغة وبلاغة القول وفصاحة اللسان .
هذا الكتاب يخلص ما ورد حول العشق والعشاق في بعض الكتب العربية، منها مثلا تزيين الأسواق وديوان الصبابة. وعبر التخليص يعرف الحب ويقسم أنواعه وأحوال أصحابه وأنواع النسوان. كتاب جميل جدا ولغته رائعة.