مراجعة كتاب “ الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة” لابن رشد الأندلسي
في هذا الكتاب يتعرض ابن رشد لتفصيل عقائد بعض المذاهب الفكرية الإسلامية و بالتحديد هي الأشعرية و المعتزلة مع إشارات طفيفة للصوفية ، لكن تبقى المسألة الرئيسية التي يتعرض لها هي النظم العقائدية للفرقتين الأوليين.
يبتدأ كعادته كتبه ببيان الهدف من هذا التقديم و هو بيان الأخطاء التي وقعت فيها تلك الملل فيما يخص العديد من المسائل العقائدية كرؤية الله و معجزات الأنبياء و العدل الإلهي و التجسيم و الجهة ، و حدوث العالم أو قدمه ، و ماهية الزمان ، و المعاد الروحي و الجسماني و علم الله بالجزئيات و غيرها من المسائل العديدة.
يفند ابن رشد عقائد الملتين المذكورتين ثم يقدم البديل الذي يراه ملائماً حسب ما توص له فكره و نظرته للكتاب و تفسيره و منحاه الخاص في فهم المحكم و المتشابه و تأويلهما. و لكن حسب رأيي أنه جانب الصواب في بعض الأحيان و في تعرضه لبعض المسائل كانت مقدماته التي بنى عليها النتائج ليست متينة كمسألة معجزة الأنبياء التي يرى فيها أن المعجزة الكونية للنبي كعصا موسى أو إشفاء المرضى لعيسى عليهما السلام لا تكفي لإثبات نبوته إنما يجب أن تقترنا بالمنهج الجديد الذي يقدمه الأنبياء، في حين كما نرى أن المنهج لا يأتي من النبي إلا بعد إثبات نبوته بواسطة تلك المعجزات الخارقة للعادة و لا يمكن أن تكون البداية عكسية (أي المنهج ثم المعجزات أو المنهج مع المعجزات)
يتبين من الكتاب طبعاً أن ابن رشد يكاد لا يوافق الأشعرية و المعتزلة أياً من آراءهم العقائدية و دائماً ما يكون له طرحه المستقل المبني كما ذكرنا على رؤيته الخاصة للمواضيع.
و من الأمور التي كررها في هذا الكتاب كما في كتابه “ فصل المقال في بيان ما للحكمة و الشريعة من الاتصال” هي معارضته للتصريح بالتأويل للجمهور و برؤيته بأن هناك نوعان من التأويل أو درجتان : درجة للجمهور و يكتفى بالقول لهم حسب رأي ابن رشد “ و ما يعلم تأويله إلا الله” و لا يصرح لهم بتفاصيل الأمور و تفسيرها الحقيقي خشيةً عليهم لأن مستوى أفهامهم لا يناسب ذلك الطرح مستشهداً بالحديث الشريف “ بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب الناس على قدر عقولهم”.
و درجة ثانية هي خاصة بالعلماء أو أهل البرهان كما يسميهم و هم الذين باستطاعتهم أن ينفذوا إلى عمق المعنى و يفهمونه و لا يرون المعاني متناقضة و لا خشية عليهم لرسوخهم في العلم، و لكن السؤال الذي يطرح نفسه أو الاشكالية الكبرى التي تواجه هذه النظرة هي كيف يمكن للمتلقي ألا يتساءل وهو يسمع التنزيل / القرآن يتلو عليه بكرة و عشية، فلا بد له أن يسأل عن المعاني و التأويلات للأمور المبهمة التي لا يفهمها و لذلك فإنني أرى هنا أنني لا أتفق مع هذه النظرة لابن رشد مع تفهمي لموقفه الذي جعله يستنبط ذلك و هو الشقاقات و الاختلافات الكثيرة التي حدثت نتيجة التصريح بالتأويل و النفخ على الخلافات ، لكن الحل يكمن في إدارة الاختلافات أكثر من كونه بمنع الاختلافات خصوصاً إذا كان ذلك المنع مشكوك في قابليته للتحقق كما بينا ذلك.
عبدالله عواجي
١٩ شباط ٢٠١٦